الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 25، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تحدث الدرس عن قصة سليمان عليه السلام والخيل التي عرضت عليه، وتناول تفسير الآية التي ذكرت ذلك. ثم ذكر كيف دعا سليمان ربه أن يهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فاستجاب الله له وسخر له الريح.
سخر الله عز وجل لسليمان عليه السلام الرياح والشياطين والجان لخدمته، حيث كانت الرياح تحمل سليمان ومن معه بسرعة كبيرة، والشياطين والجان يعملون في البناء والغوص واستخراج الكنوز.
يتحدث المقطع عن قصة سليمان عليه السلام مع مملكة سبأ، حيث أرسل الهدهد رسالة إلى ملكة سبأ، ودارت الأحداث حول استجابة الملكة ورد فعل سليمان عليها، وتفاصيل المواجهة المحتملة بين جيش سليمان وجيش مملكة سبأ، وانتهت بإسلام الملكة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الاستكمال حول ما يتعلق بأمر داود عليه السلام، وأشرنا إلى بعض الوقائع التي جاء ذكرها في القرآن، من ذلكم التحكيم في قضية الغنم التي نفشت ليلاً على أرض المزارع، وأيضًا ما كان من قضية التحكيم في ذلكم الذي عنده تسعة وتسعون نعجة، فطلب من أخيه أن يضم النعجة الواحدة التي عنده إليه. وأشرنا إلى ما يتعلق بهذه الوقائع والآيات من مسائل، ثم بعد ذلكم كان الكلام حول الزبور، وهو الكتاب المقدس الذي أنزله الله على داود عليه السلام، وبعد ذلكم انتقلنا إلى ابنه سليمان، وورث داود سليمان، فسليمان عليه السلام من أبناء داود، وقد سار هذا الابن الكريم، النبي ابن النبي، على سيرة أبيه في القتال والجهاد، وكان ذا همة عالية. كما أشرنا إلى ندره وحلفه ليطوفن الليل على زوجاته جميعًا، ومن ثم أشرنا إلى الآية التي قال الله عز وجل فيها: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾، وذكرنا بعض الأقوال التي يتناقلها المفسرون في كتبهم، ووقفنا، إخواني في الله، عند واقعة أو آية ذكرها ربنا عز وجل عن تلكم الخيل التي عرضت على سليمان، إذ عرض عليه بالعشي، وقلنا العشي من بعد الزوال إلى غروب الشمس، ﴿الصافنات الجياد﴾. وصف لهذه الخيول أنها بالغة في الجمال وفي الحسن، الصافنات التي تقف على أربعة سوقها وتجعل الرابع الحافر الرابع مرتفع، جياد سريعات، لما رآها وعرضت عليه وغابت عن ناظريه، أمر بإرجاعها، فطفق مسحًا بالسوق والأعناق. وقفنا عند هذه الآية وما المراد، أشرنا إلى أن العلماء تنازعوا في فهم هذه الآية على قولين، القول الأول وهو الشهير، وبه قال الكثير من أهل العلم، على أن هذه الخيول بعدما ذهبت وقد غابت، قالوا: الذي غاب ليست الخيول وإنما غابت الشمس حتى توارت بالحجاب، أي الشمس سقطت، وسقوط الشمس وفي هذا الوقت إشارة إلى أنه ترك صلاة العصر. ترك صلاة العصر، فاستعظم سليمان عليه السلام ذلكم جدًا، أن فريضًا من فرائض الله ذهبت عليه بسبب انشغاله بالخيول، فأراد أن يتخذ على نفسه موقفًا حازمًا، وعبر لمن خلفه: ردوها عليه، أرجعوا هذه الخيول، فأرجعوها، فأخذ فيها تكسيرًا، مسحًا، أي قطعًا وذبحًا، بالسوق، أي السيقان، عقرًا، والأعناق، أي ذبحًا. فعل هذا سليمان عليه السلام حين أن تخلف عن صلاة العصر، توارت أي توارت الشمس خلف الحجب، هذا هو القول الشهير الذي عليه أكثر المفسرين. القول الثاني على العكس تمامًا، قالوا: لم يصح في هذا خبر، وقالوا: ليس لسليمان عليه السلام أن يذبح هذه الخيول، ليس السبب فيما كان من ضياعه للفريضة، ليست لها علاقة، وأن الفهم الصحيح للآية أن سليمان عليه السلام لما عرضت عليه الخيول حتى توارت بالحجاب، أي غابت هي، ليس الشمس، هي غابت، ذهبت وغابت عن ناظريه، كأنها في سباق، أمر بإرجاعها. لماذا أمر بإرجاعها؟ لكي يبين للناس أمرًا، وهو أنه لا يظن الناس أن سليمان يعني معجب بالخيول من باب الترف كما يفعل بعض الناس، عنده هواية بمتابعة الخيول، لا، ما أراد هذا، فقال: «إني أحببت الخير عن ذكر ربي»، الخير هنا الخيل، فأراد أن يسمع هؤلاء أن حبي للخيل لأنها مفتاح للخير، وما الخير في الخيل؟ الجهاد والقتال، لأنها كما يقال تعتبر من الجيوش الذي يعتد بهم سليمان في جنده. فهي من حب الخير، أي أن الخيل من حب الخير «عن ذكر ربي»، هنا «عن» قال علماء: أي لأجل ذكر ربي، أي لأجل ذكر ربي، هنا تفهم الآية على هذا المحمل، قال: «إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي»، أي أني أحببت حب الخير لذكر ربي، أي أني أحببت الخيل لذكر ربي، وهذا وارد في اللغة. فإن «لتارك آلهتنا عن قولك» أي لأجل قولك، هنا «عن قولك» أي لأجل قولك، قال: وهكذا تفسر هذه الآية، وهذا القول طعم إليه جماعة من أهل العلم، كابن حزم وإمام المفسرين الطبري رحمه الله، إمام المفسرين الطبري جنح إلى هذا، وأن آصف سليمان عندما استدعى الخيل، فعلى ماذا المسح؟ يمسح عليها إظهارًا لفضلها، مسح على سوقها، على الشعر الذي يتدلى من رقبتها، ومسح على سيقانها لعظيم بركتها في الجهاد. فأنت في هذا الحال عندك هذا القول الأول وهو الشهير بأنه ذبح الخيل، طبعًا أولئك الذين قالوا إنه ذبح الخيل، وهم الأكثر، برروا، قالوا: لعل القتل في ملة سليمان جائز، أو أنه ذبحها للأكل، لم يرمي بها عبثًا وإنما ذبحها للأكل، لكن أراد ماذا؟ أن يجعل هذا عبرة، أن من فرط في دين الله فينبغي أن يحاسب نفسه، فحاسبها، هذا القول الأول. والثاني كما سمعتم بالعكس، يرى أن سليمان عليه السلام ما سيذبح حيوانًا بغير ذنب، فضلًا أن يذبح خيلًا قد أعدت للجهاد وبحاجة إليها، فكيف يذبحها؟ فالشاهد كما قلنا على هذا قول، وعلى ذلكم قول، ولكل واحد من الأدلة، هذا ما يتعلق بقصة سليمان والخيل. سليمان عليه السلام بعد ذلكم، كما يقول علماء، بعد ذلكم نظر إلى نفسه ونظر إلى الأرض، رأى أن العمر قصير، وأن الأرض واسعة، وأن أقطارها شاسعة، وأنه على حالته هذه إذا ما كان عنده إلا الخيول وإلا هؤلاء الجنود، هذا لن يسعفه لن يسعفه في أن يقضي الهمة العالية التي في نفسه، ذا همة عالية، أراد أن يجوب الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا. فماذا فعل؟ دعا ربه، قال: «رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي»، الملك الذي أراده سليمان عليه السلام لهذا الغرض، لهذا الغرض، وهو أن يتخذ من هذا الملك وسيلة في اختصار المسافات والأزمان، فاستجاب الله عز وجل لسليمان، فأعطاه من الملك ما لم يكن لأحد قبله ولن يكون لأحد بعده. وما الذي أعطاه؟ أعطاه الله عز وجل عدة أمور، منها: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب﴾، سخر الله عز وجل الرياح، الرياح تأتي الريح وتأخذه أين؟ حيث ما شاء، حيث ما شاء، أراد هنا أخذته الريح، أراد هنا تحمله الريح، أي مكان، تأخذه، وهذه الريح رخاء، كما وصفها ربنا عز وجل، إذ أن من صفة الريح الشديدة أن تأتي بهواء وإزعاج ونحن نسمع إذا هبت الرياح تأتي بصفير الذي من جنس الأعاصير، تأتي بأصوات مخيفة. لكن هذا إذا جاءت رخاء لا صوت فيها، لا صوت ولا إزعاج فيها، فتحمله فقط، بل تحمل كل من كان معه، كل من كان معه، تأتي الرياح وتحملهم وتأخذهم، جاء في وصفها: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾، ما معنى الغدو والرواح؟ الغدو أي مسافتها التي تقطعها من الغدو، من طلوع الفجر أو من طلوع النهار إلى الزوال، إلى الزوال، هذه المسافة القصيرة تقطع فيها مسافة شهر. الذي يقطعها فيها الراكب السريع، لو أن راكبًا على خيله يسير، يسير، يسير، مدة شهر، فهذه الريح تقضي مسافة الشهر ما بين طلوع الشمس إلى زوالها، غدوها، ورواحها، رواحها أي أنها تقطع ما بين زوال الشمس إلى الغروب، من زوال الشمس إلى الغروب، تقطع فيه ما يقطعه الراكب في الجواد السريع شهر كامل. بمعنى لو أن عندي فارس أو عندي رجل راكب على خيل وتحرك مسافة شهرين، شهرين، فإن هذه الريح تقطع هذه المسافة في يوم، الرواح شهر والغدوة شهر، وهذا ماذا أفاد سليمان؟ السرعة، السرعة، وتخيل عنده هذه الوسيلة تأخذه حيث أراد، بهذه السرعة هو ومن معه من جنده، هذه مما سخرها الله عز وجل لسليمان. وأيضًا مما سخره الله عز وجل لسليمان ما كان من أمر الشياطين والجان، الشياطين والجان سخرهم الله في خدمة سليمان، كما قال ربنا: ﴿والشياطين كل بناء وغواص﴾، تحت إمرته، غواص نوع من أنواع الشياطين والجان، هؤلاء في البحر يغوصون في الأعماق ويخرجون ما فيها، ما فيها من صيد، ما فيها من حيتان، ما فيها من اللؤلؤ والمرجان، ما فيها من الكنوز في قعان البحار، تأتي به إلى سليمان. هذا الذي يختص بالبحار، ومثله كل بناء يبنون، هناك أيدي عاملة من جنس الجان والشياطين يعملون لهم ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان، وجفان كالجواب، وقدور الراسيات، هذا شيء من أعمالها، من أعمال البنائين، أنهم يعملون محاريب، قيل: المحاريب أماكن العبادة، وقيل: بل المحاريب هو كل بنيان محكم، كل بنيان محكم. كانت هذه الجان وشياطين تبني لسليمان، فتبني المعسكرات، وتبني البيوت لمن تحت إمرته، وهكذا التماثيل، وكانت تصنع له التماثيل، إما على صورة جمادات أو على صورة نحتاء على صورة حيوانات، الله أعلم، ولكن هذه في شريعة سليمان تشكل له ما يشاء من أشكال وهيئات وصور ومجسمات، تماثيل. وجفان كالجواب، وجفان جمعوا جفنة، الجفنة هو الصحن بالمعنى الخفيف، الجفنة بمعنى صحن، هؤلاء الشياطين كانوا يصنعون صحونًا، لكن إيش مقدار الصحن؟ كالجواب، جابية، الصحن عبارة عن جابية كبيرة، هذا الصحن، فكانوا يعدون الصحن فارغًا لا ممتلئًا طعامًا، تخيل صحنًا عبارة عن جابية مليء بالطعام، فكانوا يعدونه لماذا هذا الحجم الكبير؟ لتغذية جيش، لحيث من السهل جيش كبير، جيش عرم، رم، بخم، يحتاج إلى الوجبات لمن يطعمهم. فسخر سليمان هؤلاء يصنع له الموائد، جواب كبيرة تملأ طعامًا، دبروا يذهبون هنا وهنا يأتون بالخبار، بالفواكه، باللحوم، يملؤونها طعامًا، وقدور راسيات، وأيضًا أعد القدور، إذا كانت الجواب وهي الجفان كالجواب، فما ظنك بالقدور؟ وصفها ربنا براسيات، راسيات أي أن القدور عملاقة، بحيث أنها لا تتحرك، لا تتحرك، ما حيث يحركها لضخامتها. عندنا القدور، ولو افترضنا أكبر قدر في واقعنا يحمل، يغسل، يحول من مكان إلى مكان، أما هذه لا، بنيت وتبقى في محلها، ما أحد يستطيع أن ينهض بها بعظيمي ماذا صنعتها؟ فكانت لا تتحرك في انتقال، لا في غسل، ولا شيء، تبقى في مكان، وقدور راسيات، كان هذا من أعمال الجان، من بعض أعمالهم، ومنهم دون ذلك، بعضهم أعمالهم دون ذلك. بعضهم جان في الحراسة، وبعضهم في الطبخ، وبعضهم وبعضهم، وآخرين وآخرين مقرنين في الأصفاد، احتياطي، احتياط، جعلهم سليمان عند وقت الحاجة، إذا أرادهم استعان بهم، ولكن يكفيه الذي عنده يعملون ليلة نهار، صباح مساء، هذا من تسخير الله الأشياء لسليمان عليه السلام كذلك، ومما أعطي لسليمان عليه السلام ما قال ربنا عز وجل: ﴿وأسلنا له عين القطر﴾. قال العلماء: القطر هنا هو النحاس، النحاس يسر الله عز وجل لسليمان النحاس المذاب، فكان يستطيع أن يستخرجه بكل سهولة، بكل سهولة، بسهولة ويسر، وقد استعان بهذا كما قال العلماء في بناء التماثيل، في بناء الأسلحة والعتاد والعدة، هذا مما كذلكم ذكر في فضيلة أو مما أعده الله لسليمان عليه السلام. وهكذا من مما أعطاه الله عز وجل أن حشر له وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير، فهم يوزعون، هذا جيشه، جيشه، كما إن صح التعبير لا يقهر، ليس له نظير، الأفراد الصف الأول كما قال علماء هم الإنس، ومن أقوى ومن أقوى الجيوش، وقد مر معنا كيف كان جيش داوود عليه السلام، فتخيل أن هؤلاء تحولوا إلى سليمان أقوى جيش الإنس. فما ظنك وقد التحق بهم الجان والجان في المؤخرة، الله أعلم بعددهم، وليس كذلكم، بل الطير من فوقهم، فعند وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، قال علماء: يوزعون أن يسيرون بانتظام تحت إمرته، لا أحد يتقدم على الآخر. وأيضًا مما أعطي لسليمان عليه السلام أن الله عز وجل أفهمه لغة الدواب والحيوانات، ﴿يا أيها الناس علمنا منطق الطير﴾، يسمع حوار الطيور وهي في كبد السماء، فيعرف بماذا يتكلمون وبماذا يخاطبون، وقال العلماء: وهكذا الحيوانات، الطير والحيوانات إذا تخاطبوا فإن سليمان يفقه ويعي ما يقولون، بل ويتكلم معهم، وسيأتي معنا ما سيأتي في قصة حواره مع النمل، مع النملة، وهكذا ما كان من أمر الهدهد. فهذه إخواني في الله من الأمور العظيمة الذي سخرها الله عز وجل لسليمان حين دعا ربه عز وجل، قال: «رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي»، فما كان لأحد أبدًا من بعده أن ينال مثل هذه المميزات الذي أعطاها الله عز وجل لسليمان، سليمان تحت هذه المعطيات وهذا الذي أراده جاب الأرض، جابها، سار في طرقاتها ودخر في القارات والأمم شرقًا وغربًا. مما ذكره ربنا عز وجل عن سليمان أنه مر ذات يوم على وادي، حتى إذا أتوا على وادي النمل، قالت نملة: «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون»، فتبسم ضاحكًا من قولها، هنا ذكر ربنا عز وجل هذه الواقعة، الله أعلم أين وقعت، ولما أتوا على وادي النمل، أين الوادي هذا؟ الله أعلم، هل هو في أفريقيا احتمل؟ هل هو في آسيا؟ قد يكون، لأنه كما قلنا جاب الأرض. من أهل العلم من قال: والله تعالى أعلم أن وادي النمل هو اسم لوادي في أرض الشام، لكن الله أعلم، لكن نقف حيث وقف القرآن، فلما أتوا على وادي النمل، قالت نملة: نظرت فرأت هذا الجيش العظيم قادم، قالت: «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون»، قال العلماء: هذه آية أخرى، آية داخل آية. ما هي الآية الأخرى؟ كيف أن النملة النملة كيف خاطبت هذا الوادي من طرفه إلى طرفه بصوتها القليل، كيف استطاعت؟ ولهذا يرى العلماء أن هذه آية أخرى، وأن الله عز وجل ربما أعطى النمل حينها قوة خارقة للاستماع، فاستمع كل من في الوادي من النمل لكلام أختهم وهي تحذرهم، هذا قول، وقول آخر: لعل النملة تكلمت، ثم من كان حولها نقل لمن بعدهم، ومن بعدهم لمن بعدهم، حتى انتشر الخبر في الوادي. أي: تحصنوا، تحصنوا في جحوركم، فإن سليمان قادم، وقد يحطمكم بحوافرهم وبجنده وعسكر، وهم لا يشعرون، اعتذرت له، فكان من أمر سليمان أن تبسم ضاحكًا من قولها، قال علماء: سر التبسم لما سمع، كما قلنا يعلم بمنطق الحيوانات والحشرات، سمع قولها، فأعجب لبلاغتها وفصاحتها، ولعظيم نصحها لبني جلدها، جلدتها، إن صح التعبير أنها كذلك. فالشاهد تبسم سليمان عليه السلام من ذلكم، كذلكم من الوقائع العظيم التي جاء ذكرها في القرآن عن سليمان عليه السلام أنه ذات يوم وهو كعادته يتفقد جيشه والرعاية، وطبعًا جيشه كتائب الإنس والجان والحيوانات والخيول والطيور، وتفقد الطير، لما جاء عند الطيور يتفقدها، وجد أن طائرًا غائبًا، ألا وهو الهدهد، قال: «ما لي لا أرى الهدهد؟ أين راح؟ أين ذهب؟ أم كان من الغائبين؟ مختبئ هنا هنا؟». ريده لم يعثروا له على أثر، قال: «لأعذبنه عذابًا شديدًا»، أي على تخلفه، «أو لأذبحنه»، أتخلص منه، إذا لم يكن مؤديًا للواجب الذي عليه، وهو أن يكون في الكتائب عندي، لا أذبحنه، لا أتخلص منه، «أو ليأتيني بسلطان مبين»، أو يأتي لي بالعذر، وهذا العذر لابد أن يكون مقنع، مبين، ليس فيه هروب، بل عذر صريح واضح، بين. فمكث غير بعيد، ما هي إلا مدة يسيرة، إذ بالهدهد يحضر، فإذ به يبادر سليمان بعدما علم أنه مهدد من قبل سليمان، وأن الأخبار قد انتشرت، وأن السيف جاهز لقطعك وذبحك، إن لم تأتي بعذر، فبادر، قال: «أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ من يقين»، من سبأ، الهدهد الآن أين هو؟ وعند سليمان، وسليمان أين هو؟ في فلسطين، كما قلنا لا زالوا في بيت المقدس. مرة معنا قصة طالوت لما دخل إلى بيت المقدس واستخلفوا من بعد ذلك بمقتل جالوت، دخلوا بيت المقدس واستقروا في بيت المقدس إلى أن مات طالوت، فنهض داود عليه السلام، لا زالوا في بيت المقدس، مات داود، أتى بعد داود سليمان، لا زالوا في بيت المقدس، هذه الحكايات كلها في بيت المقدس، لا زلنا سنأتي أخبار خروج من بيت المقدس، لكن ليس الآن، سليمان الآن في بيت المقدس في فلسطين. وهذا الهدهد يقول: «لقد جئت من سبأ بنبأ يقين»، وأين سبأ؟ في أرض اليمن، أي أن هذا الهدهد طار من فلسطين حتى أتى إلى اليمن، أي ماذا تجاوز؟ تجاوز الجزيرة العربية بأسرها، ثم رجع، ورجع حتى وصل إلى سليمان، رجع إلى سليمان وأخبره بخبر، ثم أخبر ما الذي رآه في سبأ: «إني وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله»، هذا هو النبأ العظيم، بل هذا الذي تبحث عنه يا نبي الله. بأني قد عثرت على قوم كفار، على قوم مشركين، لا يعبدون الله، بل هم من عباد الأجرام، من عباد الكواكب، يسجدون للشمس من دون الله، طبعًا سليمان يبحث عن هؤلاء، يبحث لماذا؟ لكي يقاتلهم ويقضي عليهم، إلا أن يسلموا لله عز وجل، فلما سمع هذا الكلام، أراد سليمان أن يتأكد، أصدقت أم كنت من الكاذبين؟ سأتأكد من هذا العذر الذي أتيت به، أنت صادق أم لا؟ فأعطاه ماذا؟ فأرسل له كتابًا. أرسل له كتابًا إلى هؤلاء، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الريم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين﴾، فأخذ هذا الهدهد رسالة سليمان عليه السلام ورجع وكر راجعًا إلى مملكة سبأ وألقى الكتاب، فإذا بمملكة سبأ رأت هذا الكتاب وقرأت واستدعت قومها، قالت: «يا أيها الملأ إن ألقي إلي كتاب كريم»، أي وجد كتاب، لكن كتاب كريم، يدل على رجل نبيه، رجل نبيل، من خيار الملوك. «وإنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين»، فقط، وكان هذا في غاية من الفصاحة، بدأ بالبسملة، ومن ذلكم استحب العلماء أن من كتب كتابًا، رسالة، أن يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم، لهذه السنة عن أنبياء الله ورسله، «ألا تعلوا علي» لا تعلوا، لا تترفعوا، وفي هذا إشارة على أني سأبقيكم على حالكم، لكن لا تعلوا علي، وفيها الأمر «وأتوني مسلمين»، ما نبي حالي لشيء آخر. فقالت هذه المرأة العاقلة: «يا أيها الملأ»، وهذا من كمال عقلها، أن ما استقرت برأيها أو استفردت بفهمها، وإنما استدعت الملأ من الكبراء والأعيان والقواد، «يا أيها الملأ أفتوني في أمري»، ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون، ما رأيكم بهذا الخطاب؟ كيف نرد على هذه الرسالة؟ فقال قومها: «نحن أولو قوة وأولو بأس شديد»، نحن أولو قوة، نعم، مملكة سبأ في ذلكم الوقت تعتبر من أقوى الممالك. ولهذا يقال: أن من خلال حياة سليمان الجهادية القتالية في الأرض، ما ذكر لنا في القرآن إلا هذا النموذج، لماذا؟ لكي نعلم إذا كانت مملكة سبأ وهي أقوى قوة حينها على وجه الأرض، كيف أن سليمان جابها، جابها بكل سهولة، فما ظنكم بما دونها من الممالك؟ لا شيء، لا شيء أمام سليمان عليه السلام، ولهذا اكتفى القرآن بهذا النموذج الوحيد في مسألة قتال سليمان لأعداء الدين. قالوا: «نحن أولو قوة وأولو بأس شديد»، قدرة على التحمل وعلى القتال، وعند من العد والعتاد الشيء الكثير، بل حتى جاء في بعض التفاسير أنهم قالوا: «إن شئتي إن شئتي لأتينا بسليمان هنا سنأتي به»، نريد أمر منك فقط، طبعًا هذا لنم يجهلون قوة سليمان وما هم قادمون عليه، لكن نمقاسوه بالقياس البشري، قياسًا على باقي الأماراء والملوك. من ذا الذي سيواجه مملكة سبأ؟ نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، ما خرج من فراغ هذا الكلام، هم يعترفون بقوتهم، ما هناك مملكة في الدنيا تواجه مملكتنا، فكان هذا العدد أخرجت به هذه الملكة، يعني آلاف مؤلفة، مئات الألوف من الجيوش، خرجت وتحركت، سليمان عليه السلام عند مسيرها أرسل من يتتبع الأخبار، يرسل الجان، يرسل الطيور، يذهبون ويرجعون ويخبرون سليمان أنها وصلت إلى هذه المرحلة، وأنها إلى تلك المرحلة، ويأتونهم بالأخبار، وهو في قصره عليه السلام. ما يخفى عليها شيء من تحركاتها، فلما دنت وقربت، قال: «يا أيها الملأ من يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين»، احتمال أن يسلموا، وأنا قبل إسلامهم أريد أن أخذ العرش، لماذا قبل إسلامهم؟ لأنهم إن أسلموا عصمت دماؤهم وأموالهم، ما يستطيع أن يتصرف، يعني إن أسلمت بأي حق يأخذ العرش؟ ما يستطيع، فقبل من الآن لا زالت على شركها، لا زال مالها ماذا؟ غير معصوم، مباح لي، مباح. قال: «ائتوني من أيكم من يستطيع أن يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين»، قال عفريت من الجن: «أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك»، عفريت وهو مارد، مارد من مردة الجان، لكن العفريت له وصف آخر، أنه نشيط، نشيط، ولهذا حتى في عرفنا إذا رأينا الطفل ما شاء الله تبارك الله الصريع والعفريت، أي محرك، حركي. قالوا: هذا نعم، فإن العفريت مع أنه مارد، لكن يوصف بالسرعة والحركة، قال: «أنا آتيك به سأتيك بعرشها متى؟ قبل أن تقوم من مقامك»، أنت لك مجلس يا سليمان يا نبي الله، مجلسك في الصباح، لربما قبيل الزوال ينتهي مجلسك، قبل أن تقوم من هذا المجلس العرش عندك، ذكر العلماء كالإمام السعدي رحمه الله أنه قدر الحركة من فلسطين إلى أرض اليمن ركوبًا يحتاج إلى شهرين والرجوع يحتاج إلى شهرين. أي الذهاب إلى اليمن والرجوع يحتاج إلى أربعة أشهر، وهذا ماذا يقول العفريت؟ قبل أن تقوم من مقامك سأتيك به، وإني عليه لقوي أمين، قوي أي عندي قدرة، مهما كان ضخامة هذا، وقد جاء في أوصاف هذا العفريت أشياء، لكنه عندي عنها ضخم وكبير وقادر على حمله، وأمين أي أمين على الذهب الذي فيه، لا تخافون، سأتي به كما هو. إلا أن سليمان عليه السلام كما يقال شاء في المدة بعيدة، قال: «لا أريد أسرع من هذا أسرع»، فقال رجل وصفه ربنا عز وجل: «عنده علم من الكتاب أنا أتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك»، قبل أن يرتد إليك طرفك سأتيك به، وهذا الرجل على القول الصحيح وهو المشهور عند كثير من المفسرين أنه رجل صالح من بني إسرائيل، عابد، وأنه بشري ليس جني، بشري، وأن اسمه آصف، هذا كثير تجد كثير يقول آصف. آصف، جاء عن بعض الصحابة وجاء عن كثير من التابعين أنه آصف، فالله أعلم باسمه، لكن رجل صالح، كيف يستطيع أن يأتي به؟ يأتي بالعرش قبل أن يرتد إليك بصر، قال علماء: أن هذا العبد الصالح كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإن دعي به أجاب، هذا اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به الرب أعطى، وإذا سئل به أجاب، ودعي به أجاب. فقام هذا الرجل ودعا ربه، فإذا بالعرش مستقر، جاء حاضر في لحظة، جاء العرش من اليمن إلى أن وصل إلى فلسطين في لحظة، فلما رأاه مستقرًا، قال: «هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم أكفر»، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، فلما رأى سليمان عظيم نعمة الله عليه، قال: «يبلوني أشكر أم أكفر»، سبحان الله، أين البلاء هنا؟ البلاء هنا هذه النعمة، وبهذا نعلم إخواني أن الله قد يبتل العباد ليس فقط في الضراء، بل قد يبتليهم بالنعم، فلما رأى سليمان عظيم نعمة الله عليه، قال: «يبلوني أشكر أم أكفر»، فلما رأى العرش مستقرًا عنده، قال: «نكروا لها عرشها»، نكروا أي غيروا، غيروا في شكله، في المجوهرات هنا والماس هنا، غيروا فيه، بس حتى يشكل عليها الأمر. فلما وصلت هذه الملكة ودخلت، سألها سليمان عليه السلام: «أهكذا عرشك؟» هذا هو عرشك؟ المرأة كما قلنا، ونزيد في وصف أنها ذكية، فهي ترى شبه أن العرش يشبه عرشها، لكن استبعدت، لأنه مستحيل، مستحيل أن يأتي خادم تركته في اليمن، ما الذي يأتي به إلى فلسطين؟ فلم تقل نعم، ولم تقل لا، وإنما قالت: «كأنه هو»، كأنه هو. ثم أمرها أن تدخل الصرح، فقال: «لا أدخل الصرح»، الصرح كما قال علماء هو صرح القصر، القصر له صرح، أي مساحة كبيرة، أدخليه، فلما أرادت أن تدخل، رأته حسبته لجة، أي ظنت أن هذا الصرح عبارة عن ماء، عن ماء لجة، ماء، يعني يتحرك، فماذا فعلت؟ الشيء الطبيعي كشفت عن ساقيها، تهيئت حتى لا تتبلل، وهكذا نحن إذا أردنا أن نخوض ماء نرفع عن أثوابنا حتى لا نصاب بالبلل. فكشفت عن ساقيها، وهذا من كذلك من أدبها، لأن لو كان شخص آخر يقول: «إيش تريد؟ أدخل في الماء؟ أدخل في الماء»، سكتت، بما أنه طلب منها، مشت، وهذا من كمال الأدب، إذا أنت في محل ضيافة، وقال لك الضيف: «يا فلان هنا مكانك»، استمع لكلامه، خلاص، مدام صاحب الضياف يقول: «إيجلس هنا»، أنت تجلس هنا، لعله أعد لك هذا المكان، وهذا المكان أحب إليه، أعطاك إياه، فلا تتردد. وانظر لهذه الملكة، رأت ماء، خوضي، خاضت، رفعت، فلما كادت أن تدخل، قال: «إنه صرح ممرد من قوارير»، صرح أي أن هذا السطح مصنوع من زجاج، قوارير أي من زجاج، أي هذا السطح أملس لا يضرك، فإن الماء من تحت، من تحت كذا، وهذا كما قال آية من آيات، لا في تلكم الأزمان، طبعًا هذا من صنع الجان، أنه استطاع ماذا؟ أن يفجر الأنهار من تحت، وأن يجعل عليه الزجاج. فالناظر يرى أنه يمشي فوق ماء، فلما رأت، طبعًا وهذا كله ماذا؟ لأراد منه سليمان، أراد منه أن يظهر لهذه الملكة التي عظيمة في قومها، وراءها ما وراء من الآلاف المؤلفة من الجنود والشعوب، أراد أن تدخل في الإسلام بعدما أن ترى عظمة الرب عز وجل في آياته، فلما رأت ذلك، قالت: «رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين»، فأسلمت وحسن إسلامها. هذا إخواني في الله ملخص ما يتعلق بقصة سليمان مع مملكة سبأ، وإن شاء الله في درس غد نواصل الحديث عما وقع لسليمان، وخاص ما كان من موته عليه السلام، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.