الدرس في شرح ألفية العراقي 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تعريف الفرض في علم الحديث وتقسيمه إلى مطلق ونسبي، مع شرح كيفية تقييد الفرض النسبي. يقدم أمثلة على ذلك.
يشرح معنى التفرد في الحديث النبوي وتطبيقاته في مختلف طبقات الرواة، مشيراً إلى قبول حديث الحفاظ وخلاف قبول حديث من دونهم.
يتناول اهتمام العلماء بالأحاديث الفردية وتفرداتها، ويشرح التفرد المطلق والنسبي مع أمثلة على تفردات الرواة وأهمية كتب الأفراد.
يشبه الإمام بأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، ويبين تأثير الذنوب على تقلب القلوب بإرادة الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأفراد. قال: الفرض قسمان: فرض مطلق، وحكمه عند الشذوذ سبق. والفرض بالنسبة ما قيدته بثقة، أو بلد ذكرته، أو عن فلان، نحو قول القائل: أو عن فلان، نحو قول قائل: لم يروه عن بكر إلا وائل، لم يروه ثقة إلا ضمرة، لم يروه هذا غير أهل البصرة. فإن يريدوا واحدا من أهلها تجوزا، فاجعله من أولها. وليس في أفراده النسبية ضعف لها من هذه الحيثية، لكن إذا قيد ذاك بالثقة، فحكمه يقرب مما أطلقه. الآن نتكلم على الأفراد، وهذه مسألة الأفراد قسم من الأقسام التي يهتم بها أهل العلل. ولأن الأفراد ذكرناه في الشاذ، وذكره المؤلف أيضا في الشاذ، لعله متعلق بالشاذ غالبا، الشذوذ يكون أيضا بالتفرد. يذكرون بعضهم أن الشذوذ أيضا يكون بالتفرد، كما ذكر الخليل والحاكم. والفرض قسمان: فرض مطلق، وفرض نسبي. فالفرض المطلق هو أن يرويه واحد عن واحد، أن يرويه واحد عن واحد، هذا فرض مطلق. وأما الفرض النسبي فهو فرض مقيد، وقيد بعدة أشياء، يقال: فرض، لكنه نسبي، يقال: تفرد به كذا. هذه التقييدات ذكر هنا قال: بثقة، أو بلد ذكرته، أو عن فلان، نحو قول القائل: لم يرويه عن بكر إلا وائل، لم يرويه ثقة إلا ضمرة، لم يرويه هذا غير أهل البصرة. الآن ذكر عدة قيود تقيد هذا الفرض الفرض النسبي، فهو بعدة أشياء، مثلا أولا يكون تقييده مثلا بالثقة، تفرد به الثقات، تفرد به الثقة فلان، وهذا قد تقدم الكلام عليه. أو بلد ذكرته، تقول مثلا: تفرد به أهل اليمن، أهل البصرة، أهل الكوفة، أهل مكة، أهل المدينة، هذا تفرد أهل البلد، وهو يعتبر من التفرد النسبي. قال مثلا: لم يرو هذا الحديث إلا أهل البصرة، تفرد به أهل البصرة، تفرد به أهل اليمن. أو قال: عن فلان، نحو قول القائل: لم يرويه عن بكر إلا وائل. أنا وائل ابن بكر، أو بكر ابن وائل، ابن بكر، بكر ابن وائل، هذا ما يروي عن أبيه، فإذا تفرد أو عن ابنه، أقصد بكر يروي عن ابنه وائل، وتفرد بذلك. أنا لم يرو بكر إلا عن ابنه، لم يرو إلا عن ابنه بكر ابن وائل عن ابنه وائل عن الزهري عن فلان، فلهذا تفرد بالرواية عن ابنه، تفرد بالرواية عن ابنه. كذلك مثلا المرداس ابن أسلم، أو المرداس الأسلم، تفرد بالرواية عنه من مثلا الشعبي، أيضا ربيع بن كعب الأسلم، تفرد بالرواية عنه من أبو سلمة ابن عبد الرحمن. هذا يعتبر من التفردات أيضا. عمر بن محمد بن جبير ابن مطعم، تفرد عنه بالرواية الزهري، لم يرو عنه إلا الزهري، لم يرو عنه إلا الزهري أيضا من هذه التفردات النسبية. قوله: لم يرو ثقة إلا ضمرة، هذا الحديث يأتي حديث مثلا يرويه أكثر من رواه ضعفاء، لم يرويه إلا ثقة واحد، فيقول العالم: لم يرويه ثقة إلا فلان. وأما الآخرون كلهم ضعفاء. أو يقول: تفرد به أهل بلدة كذا، لم يرويه أحد إلا هم. لكن يقول: فإن يريد واحدا من أهلها تجوزا، فاجعله من أولها. يعني إذا كان يريدون أنهم ينسبونه إلى هذا الإسناد إلى منطقة أو كذا، فيكون من أوله، من أول الإسناد. مثلا: مسدد عن يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن أنس، هذا من أوله إلى آخره بصري، مسدد بصري، يحيى بن سعيد بصري، وشعبة بصري، وقتادة بصري، وأنس بصري، معنى منسوب بالبصريين، لأنه نزل البصرة، فيقال: هذا حديث أهل البصرة. ذكر الحاكم حديث أبي سعيد، حديث أبي سعيد الخدري: «كنا نقرأ بفاتحة الكتاب، ومرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر». فهذا الحديث رواه همام عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد. ورواه أيضا بعضهم من غير طريق همام، من غير طريق قتادة عن أبي ناجي المتوكل عن أبي سعيد، فالإسناد يدور أهله على البصرة. لكن لو كان مثلا أبو سعيد غير أبي سعيد، لأن أبا سعيد يعتبر منها المدينة، جاء إلى البصرة، لكن أكثر وقته كان في المدينة. طيب أيضا رواية معمر، أو عبد الرزاق عن معمر عن همام، أن أبا هريرة يعتبر رواية يمنية، وإن كان أبو هريرة يمني أصله، لكنه سكن المدينة. قال: وليس في أفراده النسبية ضعف لها من هذه الحيثية، معنى ليس أنه إذا كان تفرد به، معنى أنه ضعيف لا. معنى عندما تقول: تفرد به فلان، أو تفرد به فلان، ليس معنى الضعف، وإنما فقط تحكي الحال، الحالة التي حصل فيها هذا الحديث. وهنا أيضا تفرد يذكره أهل العلل، وهو موجود في هذا، لكن في قوله: لا يرويه عن فلان إلا فلان، لكن يأخذونه بأمر آخر. وقد ذكرنا هذا في الغريب، وهو أيضا يستخدمونه في الأفراد، لأن الغريب النسبي والفرد النسبي غالبا واحد، غالبا واحد. فمثلا يكون الزهري مثلا له أصحاب، له عدة أصحاب، مثلا طبقات خمس طبقات. فأول طبقة: طبقة الحفاظ. والثاني طبقة: طبقة الملازمون له مثلا، وإن كانوا ليسوا بحفاظ. أو طبقة الثانية: يجعلونها طبقة الحفاظ الذين لم يرو عنه كثيرا، هم حفاظ، لكنهم لم يرو عنه كثيرا. ثم بعد ذلك تأتي مرتبة الشيوخ. وقلنا: هذه الشيوخ تنقسم لقسمين: قسم ملازمون له، وقسم غير ملازمين له، لكن روي عنه كثيرا. يعني ملازمون له مثلا يروي أكثر من 200 حديث، 300 حديث عن هذا الشخص. طيب فهذا الآن إذا جاء رجل من هذه الدرجة، هو ثقة، لكن قد يخطئ في حديث هذا العالم، قد أيضا يهم أحيانا. وأيضا تجد أكثر حديثه صحيحا عنه. فيأتي بحديث يتفرد به هذا من طبقة الشيوخ. فهذا كما قلنا الذي قصده من بالتفرد ذكرناه في الشاذ. من قصد هذا الخليلي، الخليلي قصد بالثقة هو الذي في درجة الشيوخ، ليس الثقة الذي هو درجة الحفاظ. أما الذي في درجة الحفاظ لا خلاف في قبول حديثه. الحافظ إذا تفرد لا خلاف أنه يقبل حديثه. وإنما الخلاف فيمن هو دون الحافظ، الذي في حديثه وهم أحيانا. فمثل هذا إذا تفرد، مثلا على سبيل المثال من أصحاب سفيان مثلا الثوري: أبو مسعود النهدي، وأبو بكر الزبيري، وأيضا محمد بن يوسف الفريابي، وكذلك أيضا غيرهم من هؤلاء الذين لازموا سفيان الثوري، لكنهم يخطئون في حديثه. ومنهم من هذه الطبقة من هو يخطئ أكثر، مثل مؤمل بن إسماعيل، وأيضا كذلك يحيى بن اليمان، وغيرهم من هؤلاء يخطئون في حديث سفيان الثوري. لكن بعضهم يخطئ كثيرا حتى ضعف، مثل يحيى بن اليمان، ومثل أيضا كذلك من ذكرنا الذين يخطئون كثيرا مؤمل بن إسماعيل. وبعضهم يخطئ، لكن خطأه قليل، مثل محمد بن يوسف الفريابي، خطأه قليل، وكذلك أبو مسعود النهدي، موسى بن إسماعيل، وأبو بكر الزبيري، عبد الله بن محمد الزبيري، وغيرهم من هؤلاء. طيب فهؤلاء إذا تفردوا بالحديث، يطلق على الحديث فرد، غريب، تفرد به، فلا ولم يتابع عليه. بل أن هناك من العلماء من يجعل هذا حتى في الثقات الكبار. وهذا ذكر عن يحيى بن سعيد القطان. ولهذا يعدون بعضها العلم هذا تشدد. فكان يحيى إذا تفرد الراوي بحديث، لم يتابعه غيره، فإنه لا يأخذ هذا الحديث، يتوقف فيه حتى يرى من يتابعه. ولهذا قال في حديث من الحديث التي تفرد بها عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر، فقال: أيها بن سعيد، كنت متوقفا في هذا الحديث، لأن عبيد الله لم يتابعه عليه أحد، حتى رأيت أن عبد الله أخوه يرويه كذلك. أن عبد الله يرويه أيضا مثل ما يرويه عبيد الله، فأخذ برواية عبد الله، مع أن أخذ برواية عبد الله مع أنه ضعيف، مع أن روايته ضعيفة، لكن أخذ بها لأجل التقوية. وذكر أن الحافظ بن رجب أن الإمام أحمد يحصل منه أحيانا مثل هذا، لكن ليس مع الأئمة الثقات الحفاظ المشهورون، وإنما مع بعض من هو ليس من الحفاظ الكبار. لكن ذكروا عن أحمد أنه قال في حديث مالك: أنه تفرد به مالك في مسألة من حديث مالك عن الزهري عن أنس: «أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة وعلى رأسه المغفر». فقال الإمام أحمد: تفرد به مالك. لكن هذا ليس من باب الإنكار، وإنما من باب فقط معرفة التفرد، أن مالكا تفرد بهذا الحديث، أن مالكا تفرد بهذا الحديث عن الزهري، لم يروه عن الزهري أحد إلا مالك، ولم يروه عن أنس إلا الزهري، هذا معنى الفرد. فالفرد كما قلنا: فرد المطلق، وفرد النسبي. والنسبة هو ما قيد، فيقيد بالثقة، ويقيد بالبلد، ويقيد فلان عن فلان، أو يقيد حديث فلان. مثلا: حيانا يكون الحديث عن ثابت عن أنس، كلهم يرويه عن ثابت عن أنس، فيأتي رجل فيرويه عن شعبة عن أنس، أقصد عن قتادة عن أنس، فيقول العلماء: لا يعرف هذا الحديث إلا عن ثابت عن أنس. أو يقولون: لم يرويه عن شعبة، لم يرويه عن قتادة عن أنس إلا فلان. مع أن الحديث مشهور، لكن عن ثابت، ليس عن قتادة. ولهذا حيانا يخطئون من يروي هذا إذا كان متأكدون أنه لم يرو أحد هذا الحديث إلا فلان. مثلا حديث: «نهى عن بيع الولاء وهبته»، هذا حديث عبد الله بن عمر، رواه عنه عبد الله بن دينار مولاه، فجزم العلماء فقالوا: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عمر إلا عبد الله بن دينار. فكل من رواه عن غير عبد الله بن دينار فهو مخطئ. الذين رووه عن عبيد الله عن نافع أخطأ. فلهذا فيقولون: هذا الحديث لا يروى إلا عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وهكذا. فلهذا اهتم العلماء بالأفراد، وألف الإمام الدارقطني كتابا كبيرا سماه كتاب الأفراد. واهتم في عصر هؤلاء الحفاظ اهتموا بالأفراد جدا. حتى تجد أن الدارقطني رحمه الله أكثر كتابه: المعجم الأوسط، أكثر الكتاب غرائب وتفردات. ويهتم الإمام الطبراني بهذا حتى تجد الحديث موجود في الصحيحين، لكن بإسناد فيذكره بإسناد آخر يتفرد به. أنا لا يعرف عند الناس هذا الإسناد فيذكره به. وهذا كان مما يتفاخرون به، ويغربون به على المشايخ. وكما ذكر ابن العميد تلك المناظرة التي حصلت عنده بين الطبراني والجعابي. الطبراني حافظ كبير، قال له حافظ الدنيا. والجعابي كذلك حافظ، فتناظر حتى قال الجعابي: معناه كان الجعابي يغلب الطبراني بحفظه، وكان الطبراني يغلبه بكثرة حديثه. حتى قال الجعابي: عندي حديث لا يعرفه أحد، وليس عندك. يقول للطبراني: قال هاتيه. فقال: حدثنا خلف بن الخليفة، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أيوب، وساق الحديث. فقال له الطبراني: أنا أحمد بن سليمان بن أيوب، أنا جئت بحديث منطني، خذه مني عاليا، أنا خليفة أخذ من عندي. فقال ابن العميد: فكأن الوزارة لم تكن، وكنت في مقام الطبراني. معنى من كثرة ما افتخر به. الله أعلم، لكن هذا سياق ابن العميد. وغالبا هؤلاء الأدباء وكذا يغلون في الأمور، أو يصورون ما هم عليه، يصورون ما هم عليه. ليس قد يكون الطبراني ما حس بهذا. والمهم والمهم أن هذه الأمور انتشرت كثيرا عند العلماء، هو مسألة التغريب هذه. حتى حصلت مناظرة مرة بين شاذان القطان وأبو زرعة الرازي. وأبو زرعة من حفاظ الدنيا، وأيضا خاصة أنه أعرف بأهل بلدي. فكلما جاء شاذان القطان بحديث عرفه أبو زرعة وعرف مخرجه. قال: سأتي لك بحديث الآن من حديث أهل بلد لا تعرفه. فجاء له بحديث من حديث الرازيين، فحاول أن يستذكره أبو زرعة لم يستطع أن يذكره، أنا يستطع أن يأتي بهذا الحديث حتى اغتم. فقال أبو علي: قال فخرجت مع أبي زرعة، وكان وكنا في الطريق، فقلت: يا أبا زرعة ألا أقول لك. قال: أقول. قال: الرجل وضعه الآن معنا، هذا كذب، الحديث ليس هذا الحديث موجود عند الرازيين، إنما كذب وقال. تقول هذا. معناه كان أبو زرعة يحسن الظن بالشاذان، ثم عرف وفضحه الله بين الناس أنه يكذب، فوضع الحديث حتى يغرب عليه. وكان يأخذ أجزاء الناس ويرويها ويذكر اسمه فيها. فلهذا فضحه الله، مع أنه حافظ كبير جدا. معناه بمثابة يحيى بن معين وأحمد وكذا. معناه يقارن بهم، لكن سبحان الله القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، والذنوب لها دور في هذا الباب. نسأل الله العافية. فالمهم هذا الذي نذكره إن شاء الله، ونكتفي به والله تعالى.