الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 782، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ بشرح حديث ابن عمر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، مبيناً أن "الفئة" المقصودة هي رسول الله ﷺ وأن الحكم عام وإن نزل في أهل بدر. يفصل الاستثناءين الشرعيين للتولي: التحرف للقتال كالمناورة الحربية، والتحيز إلى فئة للالتحاق بجماعة مسلمة للمدد، مستشهداً بفعل خالد بن الوليد في مؤتة وقول عمر: "أنا لكم فئة".
يناقش المقطع خلاف ابن عمر وعمر رضي الله عنهما في آية التولي إلى فئة (الأنفال: 16)، حيث حصرها ابن عمر بأهل بدر بينما عممها عمر، ويرجح الشيخ قاعدة عموم اللفظ لا خصوص السبب. يؤكد أن الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر، وأن الفئة المقصودة هي جماعة المسلمين أو من يمدهم لا مجرد الهروب من القتال.
يشرح آية النهي عن الفرار (الأنفال: 15-16) مبيناً استثناء التحرف للقتال والتحيز إلى فئة، مستشهداً بسياسة عمر بن الخطاب في مد الجيوش بالإمداد. يميز بين الانسحاب التكتيكي للتزود أو إعادة التنظيم وهو معذور، والفرار الجبان الذي لا عودة فيه وهو من السبع الموبقات يستوجب غضب الله والنار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى في التفسير، أي من السنن الكبرى، التفسير هذا تابع للسنن الكبرى. قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، وهو الصغاني، وهو إمام ثقة، قال: أنبأنا حسان بن عبد الله، وهو ثقة، قال: أخبرنا خلاد بن سليمان، قال: حدثني نافع أنه سأل عبد الله بن عمر، قال: قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة. فقال لي: الفئة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقلت: إن الله يقول في كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾. قال: إنما أنزلت هذه لأهل بدر، لا لقبلها ولا لبعدها. قال: هذا حديث صحيح. قال أبو عبد الرحمن الوادعي: كونها نزلت في أهل بدر لا يدل على أنها لا تتناول غيره، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها الفرار من الزحف. وهذا الحديث: يسأل رجل ابن عمر رضي الله تعالى عنه، فيقول: وما قال: «ولا ندري من الفئة»؟ إن قومًا لا نثبت عند قتال عدوهم معنا نفر، والله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. فهنا الله عز وجل حذر من التولي من الزحف، التولي من الزحف عندما تشتبك الصفوف لا يجوز للمسلم المجاهد أن يولي العدو دبره ويهرب. لكن الله عز وجل أجاز بأمرين اثنين: ﴿ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ ﴾، بمعنى: لأجل خطة يعدها، مثل ما فعل خالد بن الوليد في مؤتة، فإنه رجع بالجيش حتى ظن العدو أنهم جاءهم المدد. ﴿ فَإِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ ﴾: أنا لأجل الخطة أضع خطة، مثلاً أرجع بالجيش ثم أدخل بهم من مكان آخر، أو أرجع أولاً بالجيش أجد أن المكان الذي أنا فيه ليس مناسبًا، فأرجع بالجيش وآتي لهؤلاء الكفار من مكان آخر، أو أنه يرجع بالجيش لأجل أن يتفقوا على خطة أخرى، فيغير في الميمنة ويغير في الميسرة ويغير في القلب (الوسط)، فيحصل تغيرات، فيرجع قليلاً بالجيش حتى تحصل هذه التغيرات ثم يرجع ويقاتل العدو، وغيرها مما يكون فيه خطط القتال. ﴿ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ ﴾: متحيز إلى فئة هنا فسرها جماعة من الصحابة أنه يرجع إلى قومه، يرجع إلى قومه إن كانوا قريبًا رجع إليهم حتى يأتيه المدد منهم، ثم يرجع. لهذا كان عمر يقول لجيوشه: «أنا لكم فئة». كان عمر يقول لجيوشه: «أنا لكم فئة». وهذا يدل على أنه يفسر هذه الآية على غير ما فسرها ابنه، لأن عبد الله بن عمر هنا خصها بأهل بدر، وأن الله عز وجل رخص لهم في التولي، وأنه لا يجوز لأحد أن يتولى إلى فئة إلا أهل بدر. فقال ابن عمر: «إنما أنزلت هذه لأهل بدر، لا لقبلها ولا لبعدها». وهذه الآية في سورة الأنفال في الآيات التي تتكلم على غزوة بدر، فابن عمر رضي الله عنه حصرها على أهل بدر فقط، وأن الله عز وجل أجاز لهم الخروج من الحرب، لكن إما لأجل التحريف أو إلى فئة. لكن عمر رضي الله عنه فسرها بأوسع من ذلك، وهذا هو الصحيح، وكما قال الشيخ هنا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. حتى لو نزلت في بدر، فإن الله عز وجل لم يخصها لهم، والأصل عموم المعنى، العبرة بعموم اللفظ، فيأخذ للأمة جميعًا حتى يأتي التخصيص، آيات التخصيص. وهنا ليس هناك ما يخصص هذه الآية لأهل بدر. والشيخ جاء بالحديث الذي في الصحيحين لأجل يبين أن الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر. وقد يكون، وقد يكون معنى الحديث أو معنى كلام عبد الله بن عمر أنه أراد أن الفرار إنما نهى عنه لأهل بدر. وقد يكون أيضًا ليس المراد هذا، وإنما أراد أن الفرار إلى الفئة مختص بأهل بدر، أن الفرار إلى الفئة مختص لأهل بدر، لأنهم خرجوا ليسوا مستعدين للقتال، وإنما خرجوا للعير، فلما لم يصلوا إلى العير علموا أن قريشًا جاءت بصناديدها وبخيلها تكبرًا وتبطرًا، فاستشار النبي عليه الصلاة والسلام الناس، أي من كان معه، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، فاستشارهم على القتال، فأشاروا إليه بالقتال، قالوا: «لو استعرضت بنا هذا البحر وخضته لخطناه معك، ما سنرجع أبدًا، الذي تريده نحن معك». فعزم النبي عليه الصلاة والسلام على القتال بعد ذلك، وقال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». فالظاهر والله أعلم أن ابن عمر أراد هذا: أن الفرار إلى الفئة إنما يكون لأهل بدر فقط. لكنه كما قلنا جاء عن جماعة من الصحابة، ومنهم عمر، أنه قال: الفئة هي خليفة المسلمين، والفئة هم القوم من أهل الإسلام أن يفر إليهم الرجل، أو يفر إليهم من يقاتل لأجل أن يستريح قليلاً، أو أن يجد المدد منهم. مثلاً لو كان بعض المسلمين يقاتل في بلاد، فرأى أن الجيش ما استطاع أن يمد، أن يمد هؤلاء الذين لم يستطع أن يهزم جيش الكفار، فأراد إمدادًا، فرجعوا إلى بعض المناطق المسلمة، رجعوا إلى بعض المناطق المسلمة، فهذه فئة. فالله عز وجل أجاز مثل هذا. وإنما الذي حذر منه الله عز وجل أن الإنسان يهرب ويبتعد عن الحرب وهو لا يريد أن يرجع، ولا يريد أن يذهب إلى فئة، وإنما هرب من الحرب ومن الزحف، فر من الزحف. فقال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾، أي: إذا لم يكن كذلك، ليس متحرفًا ولا منحازًا إلى فئة، فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم. فللهذا قلنا: كان عمر رضي الله عنه يقول للجيوش: «أنا لكم فئة». يقول: «أنا لكم فئة»، معنى: إذا رجعتم ارجعوا إلي. والمراد والمراد والمراد من كلامه رضي الله عنه: «أنا لكم فئة»، أي: أمدكم، إذا أردتم الإمداد فأتوني، أو أرسلوا إلي وأنا أمدكم بالجيش، أمدكم بالرجال. وقد حصل ذلك كثيرًا في فتوحات الشام، فتوحات العراق، وغيرها من الفتوحات. كانوا إذا رأوا أن العدد كثير، عدد الكفار، أرسلوا إلى عمر بالإمداد، أن يرسلون إلى عمر بالإمداد، وهذا لا يعد من الفرار، وإنما يعد من الإعداد حتى يدخلوا هذه المعركة وهم كفاء لهم. فللهذا حصل من ذلك أمر كثير في معركة فتح دمشق، فإن خالدًا، فإن خالدًا أرسل إلى عمر أنه يريد إمدادًا، لأن الروم جمعوا جيوشهم كلها من كل مكان، جمعوا جيوشهم كلها وجاءوا بها إلى دمشق حتى يمنعوا المسلمين من دخول دمشق، حتى ظن أنهم بلغ عددهم تسعين ألفًا، تسعين ألفًا من هؤلاء الروم، وكان جيش المسلمين أربعة آلاف، فأرسلوا إلى عمر بالإمداد. فقال عمر رضي الله عنه: «إذا أمددتكم متى سيأتيكم المدد؟ سيأتيكم سيتأخر عليكم». فأرسل إلى أبي عبيدة أن يأتي إلى خالد، وأبو عبيدة كان في العراق، أنه يأتي يضم جيشه بجيش خالد، ويكون له الأمر لأبي عبيدة، ويفتحون دمشق. فجاء أبو عبيدة ضاربًا بقريبة من ألفي مقاتل أو نحوها، وصاروا قريب ستة آلاف، وهزم الله عز وجل الكفار وهربوا وفروا، ودخل المسلمون دمشق. فهذا من هذا الباب. فللهذا كان عمر يقول: «أنا فئة لكم»، أنا ترجعون إلي لأجل الإمداد، أو إذا كانت هناك، كما قال أيضًا جماعة من السلف: إذا كانت هناك منطقة من المسلمين فإنه يفروا إليهم، يفروا إليهم. مثلاً الجيش لأجل أن يترتبوا، أو لأجل أن يأخذوا أزوادًا، فعلا الأزواد انتهت معهم، يعني ما سيقاتلون وليس معهم طعام ولا شراب، فيرجعون إلى مكان قريب مثلاً من بلاد المسلمين، ويأخذوا أزوادًا ويأخذوا لهم ماء، ويرجعون إلى الحرب. فهذا مما عذرهم الله عز وجل، هذا ممن عذرهم الله سبحانه وتعالى. وأما الذي يفر ولا يريد أن يرجع أصلًا، فر لأذلة الهزيمة، فهذا الذي قصده الله عز وجل هنا. وأيضًا كذلك في الحديث: أنه من السبع الموبقات الفرار من الزحف. وقوله جل وعلا هنا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. هذا وعيد لمن يفر من الزحف ولا يريد أن يرجع. فهذا ما يكتر في هذه الآية وفي هذا الحديث، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر