الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 714، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع حديث حجاج بن عمر رضي الله عنه: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل»، مع ذكر طرق روايته وتصحيح أسانيده وتأييد ابن عباس وأبي هريرة لصحته. ثم يبين معنى الإحصار لغةً واصطلاحاً في سياق فريضة الحج.
يناقش المقطع خلاف العلماء في تعريف الإحصار، حيث يقصره المالكية والحنفية على منع العدو بينما يوسع الشافعية والحنابلة ليشمل المرض مستدلين بحديث ضباعة بنت الزبير. كما يوضح حكم الاشتراط عند الإحرام وصوابه لحديث عائشة، مبيناً أن فائدته إسقاط الهدي عن المحصر إذا تحلل بشرطه.
إذا أصاب الحاج مرض أو مانع آخر حال دون إتمام الحج، فإنه لا يُلزم بذبح الهدي بل يتحلل من إحرامه بموجب الشرط الذي اشترطه عند الإحرام. وهذا يوضح حكمة الاشتراط في تخفيف التكليف عند العجز.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا، مُقَدَّمُ الْعَهْدَةِ، رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد، أبو الحسن البصري، كان حافظاً كبيراً. قال: أخبرنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، الإمام الجليل. قال: حدثنا حجاج الصواف، هو حجاج بن الحجاج. قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين. قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، وهو أبو نصر اليمامي، إمام وحافظ من حفاظ الحديث، إلا أنه كان يُرسل كثيراً، ومراسيله كما قال يحيى بن سعيد: "شبه الريح". قيل له: يا أبا نصر، من هؤلاء الذين تروي عنهم؟ فقال: أترون أننا وجدنا رجلاً يكتب في صحيفة فأخذناها؟ إنما نكتب عن أهل العلم. قال: نكتب عن ناس من أهل العلم. وهذا كلام صحيح، لكن ليس كل أهل العلم هم ثقات، بل هناك من هو ضعيف، ومنهم من يخلق في الحديث، فلذا فذكر الرجل الذي حدث به لابد منه. قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة. وسيأتي أنه رواه عن عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن رافع، عن عكرمة، أي مولى ابن عباس، أبو عبد الله البربري، وهو حافظ كبير وموسوعة من موسوعات العلم، وقد أخرج له البخاري، أما مسلم فلم يخرج له. قال: حدثني حجاج بن عمر رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل». قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: صدق. وحدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، هو الشامي، ثقة. وسلمة بن شبيب، وهو مكي، معنى نزيل مكة، أصله من خراسان. قال: أخبرنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، أبو بكر، فقيه ومحدث، وهو محدث أهل اليمن. قال: عن معمر بن راشد، أبو عروة البصري اليمني، أصله من البصرة ونزل اليمن. قال: عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع. هنا زاد في الإسناد عبد الله بن رافع، وهذا الإسناد أصح من الأول، أن عكرمة لم يسمع من حجاج بن عمر، وإنما سمع هذا الحديث من عبد الله بن رافع الأنصاري، عن حجاج بن عمر، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كسر أو عرج أو مرض»، فذكر معناه. قال سلمة بن شبيب: قال أنبأنا معمر. قال: هذا حديث صحيح، ولا يضر أن عكرمة تارة يرويه عن حجاج، وتارة يرويه بواسطة، فيحتمل أنه رواه عن حجاج ثم ثبته فيه عبد الله بن رافع، ويحتمل أنه رواه عن عبد الله بن رافع ثم تيسر له لقاء حجاج بن عمر فرواه عالياً، والله أعلم. على أن البخاري يقول: رواية معمر ومعاذ بن سلام أصح، يعني التي فيها عبد الله بن رافع، كما في الترمذي. والحديث أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن، وأخرجه النسائي وابن ماجه. فهذا الحديث حديث صحيح، فيه عن ثلاثة من الصحابة: حجاج بن عمر، وصدقه أيضاً أبو هريرة وابن عباس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل». هذه مسألة الإحصار، وقد قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. أنا إذا أحصر الإنسان... إذا أحصر الإنسان، أي منع. الإحصار معناه المنع. إذا منع من أن يؤدي مناسك الحج بعد أن أحرم، أنا بعد أن جاء إلى الميقات وتحرك من الميقات وهو محرم، ثم منع من حجه أو عمرته، من حجه أو عمرته، فهنا إذا لم يستطع أن يدخل إلى الحرم فإنه يتحلل في الحل، مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية، فإنه منع عليه الصلاة والسلام من الدخول إلى العمرة. أنا جاء النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية يريد أن يعتمر، حتى لما قال له... حتى لما قال له بديل الخزاعي، قال له: يا رسول الله... قال له: يا رسول الله. ومعنى "العيبة" الخزاعي: بديل الخزاعي الذي جاء، أو الأقرع بن حابس، الأقرع بن حابس الخزاعي. لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو بالحديبية، بعد أن جلس النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، جاءه الأقرع بن حابس أو بديل بن ورقاء الخزاعي، وكانوا كفاراً لكن كانوا عيبة نصح رسول الله، كانوا ينصحون للنبي عليه الصلاة والسلام. العيبة هو الصندوق الذي يوضع فيه الثياب، وكأنهم يحفظون أسرار النبي عليه الصلاة والسلام. فجاء إليه وقال: يا رسول الله، إن قريشاً قد خرجوا ومعهم العوذ المطافيل. العوذ: معنى النوق ذات اللبن، والمطافيل: أي الأطفال. معهم نساء ونوق وأطفال. أنا خرجوا بكل شيء، وظنوا... معنى أنهم ستكون هناك حرب بينك وبينهم. قالوا: وإنهم نزلوا عند مياه مكة، مياه مكة أو مياه مكة التي هي لا تنقطع. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنا لم نأتِ لحرب أحد، وإنما جئنا معتمرين، فمن صدنا عن ذلك قاتلناه». ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: «وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب، أنا خلاص ما هم لحرب». ولهذا لما تجمع كثير من شباب قريش فأرادوا أن يغيروا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحديبية، فأحاط بهم النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فاستسلموا، ففكهم النبي عليه الصلاة والسلام وتركهم حتى رجعوا إلى مكة. فهم ما كانوا يستطيعون لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم. لكن قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قريشاً قد نهكتهم الحرب، فإن أرادوا أن يمادوا بيني وبينهم ماددت». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يسألون خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». فمنع النبي عليه الصلاة والسلام، ففي الصلح لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسهيل بن عمرو: «إنا نريد أن نعتمر»، فقال له سهيل أو عروة بن مسعود: «أتريد أن يقال إننا أخذنا ضغطة، إننا أخذنا غصباً عنك أنك تدخل؟ فالعرب تتكلم علينا». فقال له سهيل... قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائتوا العام القابل». أما هذه السنة فلا تدخل، لكن ائتوا العام القابل. فهذا إحصار، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، معنى: فاذبحوا هدياً. وجاء عن بعض الصحابة أنه لا يكون التحلل إلا بعمرة كاملة. من أحصر ثم بعد ذلك أتيح له الدخول، فإنه يدخل إلى مكة يطوف ويسعى ويحلق ويخرج، معنى يتحلل بعمرة. وهذا قول جماعة من السلف، من عمر، كما جاء في البخاري. لكن الذي جاء في الآيات وجاء في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتحلل بذبح شاة، يتحلل بذبح شاه. إذا أحصر فإنه يتحلل بذبح شاه. أيضاً هنا مسألة أخرى اختلف العلماء فيها: هل الحصر أو الإحصار يكون فقط بمنع العدو، أم أنه حتى بالمرض؟ فمالك وأبو حنيفة وغيرهم يقولون: إن الإحصار إنما يكون بمنع العدو. والشافعي يقول: أيضاً بالمرض، ألا حتى المرض يكون أيضاً كذلك، وهو أيضاً مذهب أحمد. فاستدل أحمد بحديث ضباعة بنت الزبير الذي في صحيح البخاري، أن ضباعة بنت الزبير رضي الله تعالى عنها، وهي بنت عم النبي عليه الصلاة والسلام، اشتكت، فقالت للنبي عليه الصلاة والسلام: «إني شاكية»، أي مريضة. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ذهبت إلى الحج فاشترطي، وقولي: إن محلي حيث حبستني». جاء في الرواية: تقول: «اللهم إن محلي حيث حبستني، فإن حبسك حابس فقد حللت». واستدل الإمام أحمد بهذا على أن الإحصار يكون أيضاً بالمرض. واستدل أيضاً بهذا الحديث، حديث حجاج بن عمر الأنصاري، أنه قال: «من كسر أو عرج»، أنا أصابه كسر في رجله لم يستطع أن يواصل السير، أو عرج أصابه عرج فلم يستطع أن يواصل السير، فإنه يكون مثل المحصر، فعليه فقد حل، وعليه الحج من قابل. أنا يذبح هدياً، إن لم يشترط يذبح هدياً، وعليه الحج من قابل. معنى: أيضاً يأتي الحج في السنة الثانية، إذا كان لم يستطع حجة تلك الحجة. فإذا مرض مثلاً، جاءه مرض خطير، ودخل وأسعف إلى المستشفى، ومرت أيام الحج وهو لا زال في العلاج، فهنا يتحلل بهدي. وقيل كما قلنا: يتحلل بعمرة كاملة، كما جاء عن عبد الله بن عمر في الصحيح، يتحلل بعمرة كاملة. وهذا أحوط: أنه يتحلل بعمرة كاملة، يطوف ويسعى ويحلق ثم يخرج، ثم يخرج من مكة، ويأتي العام القابل، العام الذي سيأتي، يحرص على أنه يأتي إن استطاع، وإن لم يستطع يأتي العام الذي بعده، وهكذا. فلذا فالصحيح في أقوال أهل العلم: أن الإحصار يكون بالعدو، ويكون كذلك بالمرض. يكون بالعدو، ويكون كذلك أيضاً بالمرض. معناها: إذا مرض أو حصل له ما يمنعه من الذهاب إلى الحج أو إلى العمرة، فهنا... فهنا يحل في مكانه، إن كان في الحل أو في الحرم، يحل في مكانه، يذبح شاة ويتحلل، ثم يخرج من ذلك المكان ويرجع إلى أهله. وأيضاً مسألة الاشتراط، مسألة الاشتراط أيضاً حصل فيها خلاف بين أهل العلم. عندما اشترط، فكان ابن عمر ينكر الاشتراط، وأيضاً جاء عن بعض الصحابة أنهم كانوا ينكرون الاشتراط. لما سئل ابن عمر عن الاشتراط كما في البخاري، قالوا: «ما لهم يشترطون؟» وإنما كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أحصر طاف بالبيت وسعى وحلق وخرج. عن أنه ينكر الاشتراط، سواء كان في حج أو في عمرة. إذا... إذا رأى من نفسه أنه سيحصر وسيمنع. والصحيح: أن الاشتراط يجوز، وقد جاء كما قلنا في البخاري في حديث عائشة، لما النبي صلى الله عليه وسلم أمر ضباعة بنت الزبير أن تشترط، أن تشترط، فقال: «اشترطي، فقولي: اللهم محلي حيث حبستني، اللهم محلي حيث حبستني». وما فائدة الاشتراط؟ فائدة الاشتراط أنه يسقط الهدي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: «فقد حللت». قال لها: «فقد حللت». فإذا اشترط الإنسان، يرى مثلاً عنده مرض من الأمراض التي قد تعتريه هناك ولا يستطيع أن يحج، فيشترط. يشترط إذا مع الإحرام، إذا أحرم يشترط، ويقول: «اللهم محلي حيث حبستني». فإذا جاءه مرض أو غيره ولم يستطع أن يكمل الحج وفاته، فإنه لا يذبح شيئاً، وقد تحلل بشرطه، وقد تحلل بشرطه. فهذا فائدة الاشتراط. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.