الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 716، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر الشيخ مقبل بن هادي الوادعي سند حديث أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث حث على الصدق ونهى عن الكذب. ويبين أن الحديث موقوف على أبي بكر وصح أيضاً مرفوعاً، ويربطه بحديث ابن مسعود في فضل الصدق.
يبيّن المقطع أن المعافاة نعمة عظيمة تشمل البدن والدين والمال والأخلاق، وأن من يسأل الله العافية مع طلبه للدنيا ينال البركة والسلامة من العوائق. ويستدل بأحاديث نبوية وقصة أبي سعيد الخدري على أن الاستعفاف والتوكل على الله يورث الغنى والصبر، وأن المعافاة كالبركة في كل أمر.
يؤكد المقطع على عظمة نعمة المعافاة وفضل سؤال الله العافية، وينهى عن الحسد الذي هو تمني زوال النعمة عن الأخ المسلم. كما يحذر من البغضاء والتقاطع والتدابر لما تسببه من قطيعة وعداوة، ويأمر بالأخوة الإيمانية الصادقة القائمة على المحبة في الله ونصرة المسلم لأخيه.
توضح الآية أن الأصدقاء في الدنيا يتحولون إلى أعداء يوم القيامة إلا المتقين الذين ينالون الأجر العظيم في الجنة. أما من بنى صداقاته على المصالح الدنيوية فتتحول تلك العلاقات إلى عداوة في الآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: «مسند أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان رضي الله تعالى عنه» أو «رضي الله تعالى عنهما» لأن أباه أسلم في الفتح. قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه، وقال من النكتة الحديثية: إنهم يقولون هناك رجل أو أربعة من الصحابة كلهم أسلم، معنى كلهم صحابة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أربعة: محمد بن عبد الله بن أبي بكر الصديق، محمد بن عبد الله صحابي، وعبد الله أيضا صحابي، أو محمد بن عبد الرحمن، أقصد محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة، فمحمد صحابي وأبوه عبد الرحمن صحابي وجده أبو بكر صحابي، وكذلك جده أبو قحافة وهو عثمان أيضا صحابي أسلم في الفتح. وقال: وأبو بكر الصديق هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل هذه الأمة، بل جزم كثير من أهل العلم أنه أفضل الناس بعد النبيين، أفضل الناس بعد النبيين هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه، محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، وهو إمام في السنة، وله كتاب السنن كتاب عظيم، رحل فيه ومكث فيه سنوات وهو يؤلفه. قال: حدثنا أبو بكر، وهو ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن المغيرة بن عباس العبسي بن المغيرة بن إبراهيم بن شيبة العبسي، من بني عبس، وهو قبيلة من قبائل الحجاز، لكن أكثرهم سكنوا الكوفة. وقال: وعلي بن محمد، وهو الطنافسي الكوفي، كذلك. قال: حدثنا عبيد بن سعيد، والظاهر أنه طنافسي أو غيبي. قال: سمعت شعبة بن الحجاج بن ورد، شعبة بن الحجاج بن ورد العتكي، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث. قال: عن يزيد بن خمير، قال: سمعت سليم بن عامر، وهو شامي ثقة من القدماء. قال: سمعت سليم بن عامر يحدث عن أوسط بن إسماعيل البجلي، وأوسط بن إسماعيل من المخضرمين. قال: أنه سمع أبا بكر حين قبض النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام هذا عام الأول، ثم بكى أبو بكر، ثم قال: عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار، وسلوا الله المعافاة، فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيرا من المعافاة، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا». قال: هذا الأثر بهذا السند موقوف، وهو حسن، ولكنه قد جاء مرفوعا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام كما رواه أبو داود، وقد جاء مفرقا في عمل اليوم والليلة، لعلنا إن شاء الله نذكرها عند المرور عليها. فهذا الحديث صح مرفوعا وموقوفا، والظاهر هو الموقوف أظهر من المرفوع، لكن أحيانا أبو بكر ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأحيانا يقول: لأن قوله: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام هذا عام الأول، ثم بكى، ثم قال: عليكم بالصدق» كأنه يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال هذا، ولهذا جاء مرفوعا في بعض الروايات: «عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم الكذب فإنه مع الفجور وهما في النار». وهذا مثل حديث عبد الله بن مسعود: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا». فالصديق هو الذي يكثر الصدق، يصدق مع الله، وأيضا يصدق في حديثه. وأما الكذب، أو الذي يكذب في حديثه، فهو بعيد عن الصديقية، وكذلك الذي لا يصدق مع الله لا يصدق في أعماله، وإنما يفعل الأعمال وعنده فيها أغراض دنيوية. ثم قال: ﴿وَسَلُوا اللَّهَ الْمُعَافَاةَ﴾، في رواية: ﴿وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ﴾. والعافية هي من الأمور العظيمة التي يعطيها الرب جل وعلا بعض عباده، والعافية تكون في عدة أمور: عافية من ناحية الأمراض، وعافية من ناحية الشهوات، وعافية أيضا كذلك من ناحية الأموال وهو التعفف، وكل ذلك عافية. وعافية أيضا من ناحية الأخلاق، يعافيه الله عز وجل من الأخلاق السيئة، ويعافيه الله عز وجل كذلك من أن يقع فيما يغضب الله جل وعلا. فاسألوا الله العافية، فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيرا من المعافاة، أن يعافيك الله عز وجل من هذه الأمور. فمن المعافاة في الجسد لأجل الأمراض قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده» أي من الأمراض. ومن المعافاة في الدين قول النبي عليه الصلاة والسلام في صباحه ومساءه: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي». فهذا فيه المعافاة في مثل هذه الأمور. وأما المعافاة في المال فقول النبي عليه الصلاة والسلام لكثير من الصحابة أن أمرهم بالتعفف منها، قوله لأبي سعيد الخدري لما جاء أبو سعيد ولم يجد طعاما في البيت، قالت له أمه: اذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعله يجد لك طعاما أو يجد لك مالا. قال: فذهبت فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيني شيئا، أنا استحيت أن أقول له: يا رسول الله ما عندنا طعام أو ما عندنا مال. فأحس بي النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا أبا سعيد. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «من يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر». قال: فما سألته، فما سألته بعد ذلك. فهنا التعفف: من يستعفف يعفه الله، أي من يستعفف عن أموال الناس فلا يسألهم شيئا، فيعفه الله عز وجل بعد ذلك فلا يجعله يسأل الناس، ويغنيه الله عز وجل. ومن يستغني يغنيه الله، يضع في قلبه القناعة. وأيضا المعافاة في غيرها كما قلنا، وقد شملت هذه المعافاة في الحديث الذي ذكرناه في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك العفو والمعافاة في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والمعافاة في ديني ودنياي وأهلي ومالي». فهذا كله يكون فيه المعافاة. فإذا عافاك الله عز وجل في أهلك ومالك ودينك فأنت على خير عظيم، وينبغي للمرء أن يسأل الله عز وجل المعافاة في كل شيء، فإن الرجل قد يعطى الشيء لكن إذا لم يعافيه الله فإنه قد لا يبارك الله عز وجل له فيه. فالمعافاة تعتبر مثل البركة، المعافاة تعتبر مثل البركة في الأمور. فإذا سألت الله عز وجل شيئا فاسأل معه المعافاة، فاسأل معه المعافاة خاصة من أمور الدنيا، إذا سألت الله عز وجل وطلبت منه شيئا من أمور الدنيا أن يصلحك الله عز وجل فتأتي بالمعافاة، أو أن يصلح لك سيارتك، يصلح لك بيتك، يصلح لك أولادك ويعافيهم، تدعو لهم بالمعافاة. ذكروا عن الإمام أحمد أنه سأل الله عز وجل شيئا، قال: لكن نسيت أن أسأله أن يكون مع المعافاة. فلهذا إذا سأله مع المعافاة فإنه يوفق إلى الخير، يوفق إلى ذلك الشيء بدون أن تحدث له عوائق. قد يعطيه الله عز وجل هذا الشيء الذي طلبه لكن تكون معه عوائق، فإذا كان هذا الشيء مع المعافاة فإنه لا يصاب بشيء بل يتنعم بذلك الشيء الذي أعطاه الله عز وجل. فالمعافاة شيء عظيم ونعمة عظيمة، من أعطيها فقد أعطي خيرا كثيرا. والنبي عليه الصلاة والسلام أيضا كان يقول: «لا تتمنوا لقاء العدو، لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاسألوا الله العافية، إذا لقيتموهم فاسألوا الله العافية»، معنى أن يعافيكم الله من شر هؤلاء. قال: «فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين، في رواية بعد الإخلاص، خيرا من المعافاة». ثم قال: «ولا تحاسدوا». والحسد هو تمني زوال النعمة عن أخيه، لا يجوز للمسلم أن يتمنى زوال النعمة عن أخيه، سواء يتمنى أن ترجع إليه أو أن لا ترجع إليه، وهو أعظم، وهو أعظم، أي أقصد أنه في التحريم أن الإنسان يحسد ويتمنى أن تزول النعمة عن أخيه وهو لا يريدها لنفسه، فقط يريد أن يحرم أخاه هذه النعمة. بل بعضهم من كثرة حسده أنه يدعو على أخيه، يقول: اللهم اذهب عنه هذه النعمة وأزل عنه هذه النعمة. وهذا ليس قلب رجل صاف، العبد المؤمن يكون لينا، يكون ناصحا، كذلك يحب الخير لأهل الإسلام، فلا يحب أن يذهب الله عز وجل عنهم الخير حتى لو كان بينه وبينه عداوة، حتى لو ظلمه لا يدعو عليه أن الله عز وجل يزيل عنه النعمة. بعضهم يقول: اللهم اجعل فلانا فقيرا، ما لك ولفلان؟ ادعُ لنفسك، لا تدعو لفلان أن الله عز وجل يزيل عنه النعمة، فتتمنى زوال هذه النعمة وتحسده عليها، فهذا لا يجوز. قال: «ولا تباغضوا» أي بين أهل الإسلام، لأن البغض يأتي بالقطيعة، والمسلم أخو المؤمن، أخو المؤمن. وكذلك جعل الله عز وجل بين أهل الإيمان رابطة المحبة، رابطة المحبة، فلا يحب إلا لله عز وجل ويحب من يحب الله. فهذا المؤمن للمؤمن، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. وقال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم» أي محبتهم «في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوا تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر». فهؤلاء أخوة أهل الإيمان، فلا ينبغي أن يكون بينهم التباغض، فإن التباغض يورث العداوة ويورث القطيعة ويورث غير ذلك. قال: «ولا تقاطعوا» لأن بعد البغض يكون التقاطع، فلا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه، فمن هجر أخاه فوق ثلاث، فإذا التقيا فخيرهما الذي يبدأ بالسلام. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هجر أخاه سنة فكان كقتله، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، أو كسفك دمه». من هجر أخاه سنة فكأنما سفك دمه، أي كأنما قتله، فلا يجوز هجر المؤمن فوق ثلاث. ويجوز الثلاث من باب التأديب مثلا أو من غيره. أما الهجر في الدين لأجل الدين لأنه يغضب الله ولأنه يأتي بالبدع أو غير ذلك فهذا يجوز، فقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه خمسين يوما وأمر بمقاطعتهم. قالوا: «ولا تدابروا» لأنه بعد القطيعة التدابر أن يعطي بعضهم بعضا الدبر، أن إذا التقى يعطيه دبره حتى لا يتكلم معه، حتى لا يخاطبه، فهذا يسمى تدابرا وهو تقاطع أيضا، لكن التدابر قد يكون أعظم من التقاطع، قد يكون التقاطع يجلس لكن لا يكلمه، لكن التدابر لا يجلس معه أبدا، فإذا رآه في طريق أعرض عن هذا الطريق، فهذا تدابر. قالوا: «وكونوا عباد الله إخوانا». فهذا الواجب على أهل الإسلام، المؤمن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه، «بحق امرئ مسلم أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كونوا عباد الله إخوانا». وهذا لمن أراد وجه الله، ولهذا من الثلاثة الذين يرسخ الإيمان في قلوبهم ويجدون حلاوته: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأيضا كذلك رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، فيجعل أخوته في دين الله جل وعلا. ﴿وَالْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾، المتقون هم الذين يحظون بالأجر العظيم في جنات الله جل وعلا في أخوتهم، وأما من جعل أخوته لدنيا ولمصالح فإن هذه تتحول إلى عداوة يوم القيامة، والله تعالى أعلم.