التبيان في آداب حملة القرآن 48

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 48، ألقاها

استحباب القراءة الطيبة وأثرها

يستحب الاستماع للقرآن من أصحاب الأصوات الحسنة كما كان يفعله السلف، وتؤثر القراءة الجميلة على السامع وتذكره بالآخرة.

تأثير القراءة الجميلة على السامعين

تؤثر قراءة القرآن بصوت جميل على السامع وتذكره بالآخرة، وقد كان هذا عادة الصالحين مثل عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري.

آداب قراءة القرآن في المجالس

يستحب قراءة القرآن في بداية ونهاية مجالس الحديث، وينبغي للقارئ اختيار الآيات المؤثرة التي تحرك القلوب وتذكر بالله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال أن أبي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»، فصلٌ في استحباب طلب القراءة الطيبة من حسن الصوت. قال رحمه الله تعالى: اعلم أن جماعاتٍ من السلف كانوا يطلبون من أصحاب القراءة من أصواتٍ حسنة أن يقرأوا وهم يستمعون. وهذا متفقٌ على استحبابه، وهو عادة الأخيار والمتعبدين وعباد الله الصالحين، وهو سنةٌ ثابتةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد صح عن عبد الله بن مسعود قال: «لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ عليَّ القرآن، فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت على هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: حسبك الآن. فالتفتُ إليه فإذا عيناه تذرفان». رواه البخاري ومسلم. وروا الدارمي وغيره بأسانيدهم أن عمر رضي الله عنه كان يقول لأبي موسى الأشعري: «ذكرنا بربنا»، فيقرأ عنده. والآثار في هذا كثيرة معروفة. وقد مات جماعة من الصالحين بسبب قراءة من سألوه القراءة، والله أعلم. قال النووي رحمه الله تعالى هاهنا أو ذكر مبحثًا من مباحث آداب القرآن، وهو أن السلف والصالحين رضي الله عنهم وأرضاهم في كل زمن ومكان يحبون استماع القرآن من غيرهم ممن عُرف بالصوت الجميل الحسن، لأنهم بسماعهم ذلك يحصل لهم ما يحصل من التدبر والتأمل والتفكر في كلام الله تبارك وتعالى. وهي سنة كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه. وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فلما قال له: «كيف أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري». فقرأ عليه عبد الله بن مسعود ما قرأ من سورة النساء حتى بلغ قول الله جل وعلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: «حسبك الآن». فنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا عيناه تذرفان يبكي، صلوات الله وسلامه عليه، متأثرًا بتلك القراءة، متأثرًا بما سمع من كلام الله تبارك وتعالى. وهذا الأمر من فوائد سماع الأصوات الجميلة، ولا سيما إن كانت معتدلة ليس فيها من المخالفة ولا من المنكرات، بل تكون أصواتًا جميلة حسنة. من سمعها تذكره بالآخرة، كما جاء في أثر عمر أنه قال لأبي موسى -وأبو موسى معروف بالصوت الجميل- حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود». فقرأ عليه رضي الله عنهما. قرأ أبو موسى على عمر رضي الله عنهما جميعًا. وهذه عادة -كما سمعتم- كانت عادة الصالحين كذلك. بل ربما شخص يمر بقارئ وهو لا يعلم أنه يسمعه، فيمكث يستمع إلى صوته متأملًا متدبرًا متفكرًا، كما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم حينما مر ليلة ومعه أبو بكر وعمر، فإذا بعبد الله بن مسعود يقرأ القرآن. وجاء في بعض الرواية أنه يقرأ سورة النساء يسحلها سحلا -أن يقرأها قراءة طيبة جميلة- فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يستمع لقراءته. حتى قال: «من أحب أن يأخذ القرآن غضًا طريًا كما أنزل يأخذ عن ابن أم عبد -أي عن عبد الله بن مسعود-». وهكذا ربما مر ببيوت الأشعريين فسمع صوت أبي موسى الأشعري، فمكث يستمع إلى صوته. فلما أصبح قال: «يا عبد الله بن قيس -أو موسى الأشعري- اسمه عبد الله بن قيس، قال: يا عبد الله بن قيس لو رأيتني وأنا أستمع إلى قراءتك البارحة». فهذه عادة الصالحين أنه إذا سمعوا قراءة طيبة حسنة يمكثون يستمعون يتدبرون. وتكون سببًا في خشوعهم، سببًا في بكائهم، سببًا في تذكرهم أمور الآخرة، في تذكرهم كذلك أمور المعاد، في تذكرهم كذلك نعم الله جل وعلا، في تذكرهم أمورًا عظيمة. تكون سببًا لتحرك قلوبهم وكذلك لتحرك أعينهم. قال رحمه الله تعالى: وقد استحب بعض العلماء أن يستفتح مجلس حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويختم بقراءة قارئ حسن الصوت. استحب بعض العلماء أن يستفتح مجلس التحديث ويختم بقراءة قارئ حسن الصوت ما تيسر من القرآن. وهذا كما ذكر رأي بعض العلماء. بعض العلماء كان إذا افتتح مجلس التحديث استفتحه بقراءة شيء من القرآن، وبعضهم كذلك يختمه بقراءة شيء من القرآن. والمحدثون الأول -الأئمة رحمهم الله تعالى- وقبلهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وأتباع بإحسان لم يكونوا يفعلوا هذا الفعل. وخير الهدي هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه صحابته والسلف والأئمة الكرام. قال: ثم إنه ينبغي للقارئ في هذه المواطن أن يقرأ ما يليق بالمجلس ويناسبه، وأن تكون قراءته من آيات الخوف والرجاء، من آيات الخوف والرجاء والمواعظ والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والتأهُّب لها، وقصر الأمل ومكارم الأخلاق. أي أنه ينتقي إذا طُلب منه أن يقرأ ينبغي له أن ينتقي الآيات المؤثرة التي تحرِّك القلوب وتحرِّك كذلك الأرواح، تعلِّقها بالله تبارك وتعالى وتذكِّرها بالله تبارك وتعالى. فإن هذا مطلب مما طالب استماع القراءة أن تكون تلك القراءة سببًا في خشوعه، سببًا في وعظه، سببًا في تذكيره، سببًا في قوة ازدياده في قوة محبته، وكذلك رغبته، وازدياده في طاعة الله تبارك وتعالى، إلى غير ذلك من المعاني. فينبغي لمن طُلب منه قراءة القرآن أن يكون فطنًا فقيهًا ينتقي ما ينتقي الآيات التي تكون مؤثرة على سامعها. فنسأل الله تبارك وتعالى التوفيق وسداد أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إنه قريبٌ مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابة أجمعين.

شاركنا على