التبيان في آداب حملة القرآن 16

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 16، ألقاها

آداب المعلم مع الطالب ومتطلبات تعامله

ينبغي للمعلم أن يتعامل مع الطالب برحمة وحنان، وأن يكون لينًا ومتواضعًا مع تلاميذه، مع الصبر على جفاء الطالب وسوء أدبه.

التواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان

التواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان والإسلام أمر مطلوب، وهو رفع في الحقيقة وعز، وقد جاءت آثار عن السلف في هذا المعنى.

الدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بدعاء الله تعالى أن يمن على المتحدث بالعلم النافع والعمل الصالح، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 15 جمادى الأولى 1435هـ - 16/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل، وينبغي أن يحنو على الطالب، أي وينبغي للمعلم أن يحنو على الطالب، أي يحصل منه نوع حنان وعطف. قال: ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه ومصالح ولده، ويجري المتعلم مجرى ولده في الشفقة عليه والإتمام لمصالحه والصبر على جفائه وسوء أدبه. ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان، فإن الإنسان معرض للنقائص، لا سيما إذا كان صغير السن. وهذه أمور يذكرها -أو ذكرها- الإمام النووي رحمه الله تعالى، وكأنها عن تجربة: أن المعلم مع طلبته ينبغي له أن ينظر إليهم بهذا المنظار، بنظر، بنظرة الأب الشفيق على أبنائه، الذي يحوطهم بنصحه، يحوطهم برعايته، يحوطهم برحمته. وهكذا يقوم بإصلاح شأنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وربما تعرض المعلم لما ذكره رحمه الله تعالى من شيء من سوء الأدب، من قلة الأدب، من عدم المبالاة بالمعلم، بكلام المعلم، وما شابه ذلك. فكما ذكر رحمه الله تعالى، بالنسبة للمعلم ينبغي له أن يكون عنده شيء، أن يكون عنده صبر، وأن ينظر إلى هذا الطالب نظرة الوالد إلى ولده. الوالد إذا رأى من ولده شيء، إذا رأى من ولده شيء من ذلك، رأى في ولده شيء من سوء الأدب، من اللامبالاة بكلام أبيه، وما شابه هذا. كيف يصنع الأب؟ يحاول أن يصلح ذلك الولد، أن يهذبه، وأن يؤدبه، وأن يوجهه إلى التي هي أقوم، مع الصبر والرحمة، مع الصبر والرحمة. وكذلك ينبغي أن يكون المعلم مع طلبته. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير، وأن يكره له ما يكره لنفسه من الشر مطلقًا. فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وهذا الحديث كما هو ظاهر منطوقه: أن المؤمن كلما كمل إيمانه فإنه يحب لأخيه ما يحبه لنفسه. ومفهومه أنه يكره لأخيه ما يكرهه لنفسه، فله منطوق ومفهوم. قال رحمه الله تعالى: والحديث متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه. قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أكرم الناس علي جليس الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعتم أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلتم». وفي رواية: «إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني». وهذا فيه معنى ما تقدم: أن يحب له ما يحب لنفسه، وأن يكره له ما يكره لنفسه، حتى إنه من حبه له، ومن كراهة أن يحصل له مكروه، حتى الذباب، من حبه وحرصه عليه، يحب أن لا يقع الذباب عليه. لكن تأمل إلى قوله: «أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إليه»، فهذا فيه معنى من معاني الطالب الحريص، الطالب الحريص على العلم، على الانتفاع، على التزود. فمثل هذا يكرم، ومن كان دونه يوجه وينصح، وكذلك يهذب بالتي هي أحسن، فلا إفراط ولا تفريط. هذا الكلام في حقه، من في حق المعلم. وسأتي معنا في حق المعلم، أي في حق الطالب: أنه ينبغي له أن يتأدب بآداب بين يدي معلمه، كما سيأتي بإذن الله جل وعلا. لكن هاهنا بدأ بالمعلم؛ لأنه هو المقدم، وهو الذي يتعلم المتعلم منه العلم والأخلاق والآداب. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن لا يتعظم على المتعلمين. طيب، قبل هذا أثر ابن عباس رضي الله عنه، أثر ابن عباس رضي الله عنهما، كما ذكر المحقق، قال: ضعيف، أخرجه البخاري في «الأدب المفرد». والخطيب الفقيه والمتفقه. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن لا يتعظم على المتعلمين، بل يلين لهم ويتواضع معهم؛ لأن هذا الفعل مشين، مشين بآحاد الناس، أن يترفع على غيره، فكيف بخواصهم، ممن يعرفون ما قال الله جل وعلا، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الترفع والتكبر على آخرين؟ فهؤلاء أولى أن لا يترفع على أحد من البشر، أي من أهل الإيمان، فضلا عن أن يترفع عن طلبتهم وتلاميذهم، الذين هم كما تقدم بمنزلة أبنائهم وأولادهم. لذا كما ذكر: ينبغي له أن يكون لينا، أن يكون متواضعًا، أن يكون حنونًا، أن يكون شفيقًا، أن يكون عطوفًا، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: فقد جاء في التواضع لآحاد الناس أشياء كثيرة معروفة، منها قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله». وما تواضع أحد لله، لأجل الله جل وعلا، هذا لأحد الناس، فكيف بخواص الناس من طلبة العلم؟ فهذا أولى وأولى. قال رحمه الله تعالى: فكيف بهؤلاء الذين هم بمنزلة أولاده، مع ما هم عليه من الاشتغال بالقرآن؟ أي أنهم من أهل القرآن، وأهل القرآن أهل إكرام؛ لأنهم كما تقدم في أهل القرآن: أنهم أهل الله تبارك وتعالى وخاصته. قال: فكيف بهؤلاء الذين هم بمنزلة أولاده، مع ما هم عليه من الاشتغال بالقرآن، ومع ما هم عليه من حق الصحبة وترددهم إليه؟ وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: «لينوا لمن تعلمون، ولمن تتعلمون منه». وهذا الحديث ذكره الخطيب في «الفقيه والمتفقه»، والله أعلم بسنده. قال رحمه الله: وعن أبي أيوب السختياني، عن أيوب السختياني، قال: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعًا لله عز وجل. وهذه وصية عظيمة، في أن العالم كلما ازداد علمًا، كلما ازداد تواضعًا. ومن جملة ذلك: أنه يضع التراب لأجل أن يتواضع، وأن يعرف قدر نفسه. وقد جاءت في ذلك آثار وآثار عن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، في هذا المعنى يتعجب منها المتعجب. فأمر التواضع أمر مهم لجميع أفراد أهل الإسلام؛ لأنه رفع في الحقيقة، وعز في الحقيقة كما تقدم: «وما تواضع عبد لله أو أحد لله إلا رفعه الله». فمن أسباب الرفع التواضع، ولي الجانب لأهل الإيمان. قال الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، فأهل الإيمان بينهم رحمة، بينهم تعاطف، بينهم تراحم، بينهم تواضع. قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداع له سائر الجسد بالحمى والسهر». فأهل الإيمان هذا حالهم. قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، خفض الجناح: التواضع، السكينة لأهل الإيمان فيما بينهم، هذا أمر مطلوب، ومرغب فيه شرعًا. ومن باب أولى بين العالم والمتعلم أن لا يترفع العالم على تلاميذه، ومن باب أولى العكس: أن لا يترفع التلاميذ على شيخهم. بل الواجب التواضع من الجهتين. ذكر في ترجمة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه كان رحمه الله تعالى من صنيعه وعمله أنه كان إذا تعسرت عليه مسألة، إذا تعسرت عليه مسألة ما فتح الله جل وعلا عليه بها، فماذا كان يصنع؟ قالوا: كان يمرغ وجهه بالتراب، ويقول: «يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني». قال: فيفتح عليه. نسأل الله تبارك وتعالى أن يمن علينا بالعلم النافع والعمل الصالح. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على