الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 12، ألقاها
ينبغي لحامل القرآن وطالب العلم الإبتعاد عن أعراض الدنيا الفانية وعدم قصد طلب العلم للمال أو الجاه. الحرص على الدنيا يفسد الدين كما يفسد الذئبان الجائعان زريبة الغنم.
حب الرئاسة والثناء من الداء الخفي الذي قد يعرض لطالب العلم، فيجب الإخلاص لله رب العالمين. الإخلاص في طلب العلم وتعليمه هو من أهم الأمور التي يحتاج إليها طالب العلم.
يناقش التحذير من طلب العلم أو تعليمه لأجل الدنيا، ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يُشدّد على أهمية أن تكون النية خالصة لوجه الله تعالى في طلب العلم وتعليمه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: فصلٌ، والفصل كما مر معنا مرارًا يطلق ويراد به ما يفصل به عن غيره من المواضيع، وهو عبارة عن مسائل من جنس واحد، أو مباحث من جنس واحد. قال رحمه الله تعالى: فصلٌ في الإعراض عن أعراض الدنيا، الإعراض أي النأي والابتعاد والتجانب عن أعراض الدنيا، أي عن ملذات هذه الدنيا الفانية، وسمي ما يكون في هذه الدنيا من ملذات من أموال وغيرها عراضًا؛ لأنه يعرض على الإنسان وسرعان ما يذهب. وقوله: عن أعراض الدنيا، في الإعراض عن أعراض الدنيا، أي الابتعاد والنأي عن مطامع وملذات الدنيا، أي هذا مما ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم، ومن باب أولى العالم أن يكون في سيره إلى الله جل وعلا عازفًا عن النظر بقلبه وعينيه إلى الدنيا، بل يأخذ منها ما يكون سببًا لعيشه وبلاغه، ولا تكون أصلاً ورأسًا في حياة الإنسان. إنما يكون الإنسان في سيره إلى الله جل وعلا يتزود ويسارع ويكافر من الأعمال الصالحة، أما الدنيا فينتفع بها وتكون سببًا من أسباب العون على العمل الصالح، هكذا كان الصالحون رضي الله عنهم ورحمهم الله ينتفعون من الدنيا لهذا الغرض؛ بمعنى أن تكون لهم عونًا وبلاغًا في طاعة الله جل وعلا، وفي التزود من الخيرات والمسارعة إلى ما يرضي رب الأرض والسماوات. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن لا يقصد به، أي لا يقصد بالعلم الذي يطلبه والعلم الذي يتعلمه، وينبغي أن لا يقصد به توصلاً إلى عراض من أعراض الدنيا، لا يكون همه في طلب العلم لأجل هذا المعنى، هذه هم دانية وهم هابطة وهم ترذي صاحبها والعياذ بالله. قال: وينبغي أن لا يقصد به توصلاً إلى عراض من أعراض الدنيا من مال أو رياسة أو وجاهة، من مال الأمر واضح، المال معلوم، أو رياسة كذلك، أن لا يكون سببًا للرياسة، أو وجاهة كذلك، لا يكون سببًا في الوجاهة. وقد جاء في حديث كعب ابن مالك رضي الله عنه وأرضاه: «ما ذئبان جائعان أرسل في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على دينه من حرص المرء لدينه على المال والجاه»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بمعنى أن من أعظم أسباب فساد الأديان الحرص على المال والحرص على الجاه، وشبهها بالذئبين الجائعين. قال: علم رحمهم الله تعالى، والتشبيه بالذئاب خاصة دون غيرها من السباح، قال: ما علم من عادة الذئاب أنه إذا دخل الذئب في زريبة غنم، ولو كانت مملوئة بالغنم، لا يأخذ حاجته ويمضي، بل لا بد أن يبطش بها، ثم بعد ذلك يأخذ نهمته ويمضي، فيفسد الزريبة فسادًا عظيمًا، وهكذا حرص الإنسان على الدنيا والمال تفسد دينه فسادًا عظيمًا إن لم يتداركه الله تبارك وتعالى بمنه ورحمته. قال رحمه الله تعالى: أو ارتفاع على أقرانه، كذلك هذا في معنى من معاني المباهاه، ومعنى من معاني الرياسة، وهذا كذلك كما قال من قال من السلف رحمهم الله تعالى: آخر داء يخرج من الصالحين الشهوة الخفية، هذا الداء وصفه بعض السلف بأنه آخر داء، وهو لا يخرج سريعًا، بل ربما صاحب الصالحين حتى يوفقهم الله تبارك وتعالى، أو يوفق من شاء سبحانه وتعالى على ترك هذه العلة وهذا الداء الخفي. هذا الداء الخفي حب الرئاسة وحب الثناء، والعلامة النووي رحمه الله تعالى ذكر هذا الباب بعد الباب الذي قبله لمناسبة ظاهرة، وهي أن الغالب في طالب العلم أو في السائر إلى الله جل وعلا أنه ربما عرض له عوارض، ربما عرض له عوارض، هذه العوارض تكون سببًا لتغيير نيته ولتلف نيته ولتعطيل نيته، تارة تكون هذه العوارض بحب نظر الناس إلى عمله وسماع الناس لعمله، وهذا يفرِّع عن أن يُثني عليه الناس وأن يرتفع في أعين الناس، فينال منهم إما ثناءً وإما عرضًا من أعراض الدنيا. فالأول في الباب الأول، والثاني في هذا الباب، في هذا الفصل الذي ذكره رحمه الله تعالى، الإخلاص يقابله الرياء من حيث حب الثناء والذكر الحسن بين الناس، أو لأجل حب الرئاسة والجاه والتفوق على الأقران، وكلاهما داءٌ خفي، نسأل الله تبارك وتعالى لنا ولكم جميعًا السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى: أو صر في وجوه الناس إليه أو نحو ذلك، قال: ولا يشين المقرئ إقراءه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، أي حتى هذه الدسيسة ينبغي له أن يتفطن لها المقرئ، أي العالم الذي يعلم الناس أو من كان يعلم الناس ولو لم يكن عالمًا، أن يتفطن لهذه كذلك الدسيسة، لا يكون كذلك غرضه؛ يعني يكون عنده شيء من التنبه لمسألة الرئاسة، لمسألة الأموال، لمسألة العرض من أعراض الدنيا. لكن يفتح عليه الشيطان بابًا آخر، فيكون علمه لأجل أن ينال نوع من الاحترام من الإجلال من المودّة بين من يقرؤون عليه، لا ينبغي أن يكون تعليمه لأجل شيء من هذه الأمور؛ لأجل ثناء، لأجل مودّة، لأجل احترام بين الناس، بل ينبغي أن يكون تعليمه لوجه الله رب العالمين جل وعلا. والله تبارك وتعالى إن علم من نيتك خيرًا وصلاحًا وسدادًا وأنك تريد الخير، فإن ربنا تبارك وتعالى هو الذي يعز من شاء، وهو الذي يذل من شاء، وهو الذي يرفع من شاء، وهو الذي يخفض من شاء، وهو الذي يغني من شاء، وهو الذي يمسك عن من شاء، بيده الخير سبحانه وتعالى، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فهذه دسائس وخفايا ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لها، وهذه الأبواب وهذه الفصول في هذا الباب هي من أحسن الفصول التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى، ومن أعظم ما يحتاج إليه طالب العلم هو التذكير بأمور النيات؛ بأن تكون النية خالصة لله رب العالمين جل وعلا في عمله، في سيره، في طلبه للعلم، في تبليغه للعلم، في كل شيء، ولو بأدنى شيء يبلغه للناس. لا يلتفت إلى ثناء الناس، ولا إلى أيدي الناس، ولا إلى أنظار الناس، بل ينظر إلى ربه جل وعلا: هل قابل منه ذلك العمل؟ هل رضي عنه بذلك العمل؟ هل ارتفع درجة بذلك العمل؟ فإن رضي الله تبارك وتعالى عنه فلا يضره أن يسخط عليه غيره، والعكس بالعكس، إن سخط عليه ربنا تبارك وتعالى فلا ينفعه أن يرضى عليه من يرضى عنه من الناس؛ لأن البشر بعادتهم اليوم يرضى عنك وغدًا يسخط عليه إلا من رحم الله. قال رحمه الله تعالى: سواء كان الرفق مالًا أو خدمة وإن قل، لا ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه ما أهداها إليه، هذه أدنى شيء ينبغي له أن يتنبه لها الطالب، وأن يتنبه لها كذلك المعلم، أن هذه الأشياء ينتبه لها، لا يكون غرضه لشيء من هذه الأمور. نعم، إن أهدي إليه هدية لا لشيء، لا لأجل أن يتميز الطالب عند ذلك المعلم بشيء من المزايا، وإنما من باب تهاد تحاب، فهذا أمر واسع، ومن باب «من صنع لكم معروفًا فكافئوه»، هذا أمر واسع، لكن الطالب والمعلم لا يعلم وينظر إلى هذا المعنى، وإذا حصل شيء من ذلك فلا يكون ذلك سببًا لحصول تمييز لذلك الطالب بسبب تلك الهدية، بل يعامل الناس معاملة واحدة، ويقدم من يستحق التقديم من حيث إذا رأى الطالب أحد الطلبة حريصًا على العلم، مجتهدًا فيه، مقبلاً على الخير، هذا يميز لأجله هذا المعنى، لا لأجل عطاءه، لا لأجل ثناءه، لا لأجل شيء مما قد يشينه ما عليه المعلم. قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، وعيد شديد من عمل عملاً لأجل الدنيا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ أي يعمل لأجل حرث الدنيا، أعراض الدنيا، مصالح الدنيا، قال: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما قد نؤتيه كلها منها، أي شيئًا منها، بعضها نؤتيه منها، ثم قال: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ يوم القيامة ليس له من عمله، ليس له في عمله نصيب، ذهب عمله؛ لماذا؟ لأنه عمل لأجل مقابل في الدنيا، وقد حصل عليه، فليس له في الآخرة من نصيب. وفي هذا تنبيه كذلك للمعلمين الذين يعلمون الناس مقابل أجرة يطاعونها، إما من دولة وإما من جهة من الجهات، أن لا يكون العلم لأجل ذلك الراتب، لأجل ذلك العوض، لأجل ذلك المقابل، وإنما يعلم لأجل الله رب العالمين جل وعلا، وما جاءه من راتب لأجل تفرغه لتعليم أبناء المسلمين يأخذه، ولا يكون أصل تعليمه للناس، لأبناء المسلمين لأجل هذا الراتب، وإنما ذلك الراتب يكون سببًا لتفرغه لتعليم المسلمين، فيستعين به على قضاء ما يحتاج إليه من أمر معاشه ومن يعول. قال رحمه الله تعالى: وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾، وهذا فيه وعيد شديد لمن عمل العمل لا يريد بذلك إلا الدنيا، لا يريد وجه الله، وإنما يريد الدنيا، إما رئاسة، وإما عرضًا عاجلاً في الدنيا، لا يريد وجه الله تبارك وتعالى، نسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية. قال رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»، وهذا الحديث ذكر المحقق عندنا بأنه حديث ضعيف، رواه أبو داود وغيره، ومعناه يدل عليه ما تقدم في الآياتين السابقتين، حيث المعنى صحيح لما تقدم، معناه في الآيتين السابقتين. وهذا الحديث كما ذكر المحقق بأنه ضعيف؛ لأن أبا زرع الرازي وكذا الدارقطني أعلاه، أما أبو زرع فأعله بالوقف، لكن من حديث أبي ذر، والدارقطني أعلاه بالإرسال، أي من حديث أبي هريرة، قال: رواه أبو داود بإسناد صحيح، ومثله أحاديث كثيرة، أي في الباب، حديث كثيرة بهذا المعنى. قال: وعن أنس وعن حذيفة وكعب ابن مالك رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من طلب العلم ليماري به سفهاء ويكاثر به العلماء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار»، قال: رواه الترمذي من رواية كعب ابن مالك، وقال: «أدخله الله النار»، والحديث حسن بمجموع طرقه، هذا الحديث حسن بمجموع طرقه وشواهده، وشاهد من ما تقدم ذكره. من طلب العلم ليماري به سفهاء، أي لأجل المناظرات والمجادلات ليظهر علمه وقوته العلمية، قال: ويكاثر به العلماء، إذا جاء العلماء جلس بينهم ويذكر المسائل حتى يقال بأنه قد وصل من التحقيق والعلم ما لم يصل إليه غيره، يكاثر به العلماء، يزاحم به العلماء وإن لم يكن منهم، ويدل على فساد الطوية وسوء النية. قال: أو ليصرف به وجوه الناس إليه، الرئاسة لأجل الرئاسة، قال: «فليتبوأ مقعده من النار»، وفي الرواية الأخرى: «أدخله الله النار»، نسأل الله السلامة والعافية. وتعلمون حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، وذكر منهم عالم، وفي رواية قارئ للقرآن، يؤتى به يوم القيامة، فيقال: ما صنعت بعد أن يعرفه الله وتبارك وتعالى بنعمه، فيقول: يا رب تعلمت فيك القرآن وعلمته الناس، فيقال له: كذبت، إنما تعلمت ليقال: فقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب إلى النار، والعياذ بالله. فالحذر الحذر الحذر منا جميعًا عن هذه الدسائس، أو من هذه الدسائس، نسأل الله تبارك وتعالى السلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، إنه قريب مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.