شرح فتح المجيد 123

الدرس في شرح فتح المجيد 123، ألقاها

شرح حديث طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه

يشرح الحديث ويبين معنى طوبى أنها شجرة في الجنة، ويستشهد بأحاديث وآثار أخرى. يبين أن الحديث حسن بمجموع شواهده.

وصف نعيم الجنة وفضل الجهاد

يصف نعيم الجنة وما أعده الله لأهلها، ويبين فضل الجهاد وصفات المجاهدين الذين يبتغون وجه الله تعالى.

بيان ضعف أحاديث منسوبة إلى العلماء

يبين ضعف أحاديث وأبيات نسبت إلى عبد الله بن المبارك والفضيل بن عياض، ويوضح العلل في السند والنكارة في المتن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «طوبى لعبد» أي وهو يشرح قول النبي صلى الله عليه وسلم «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسي في سبيل الله» الحديث. قال أبو السعادات: «طوبى اسم الجنة»، طوبى اسم الجنة، وقيل: هي شجرة فيها، أي من أهل العلم. قال: «إن طوبى هو اسم من أسماء الجنة»، من أسماء الجنة طوبى، وقيل: هي شجرة فيها، وقيل: هي شجرة فيها، أي في الجنة. قال: «ويؤيد هذا» أي يؤيد أنها شجرة في الجنة، قال: ما روى ابن وهب بسنده عن أبي سعيد قال: رجل يا رسول الله وما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرة مئة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها». وهذا الحديث رواه ابن جرير في تفسيره من حديث أبي سعيد الخدري كما ذكر، وهو من طريق دراج عن أبي الهيثم، ورواية دراج فيها ضعف، ولا سيما عن أبي الهيثم فإنه يطيب فيه جدا. قال: «ورواه الإمام أحمد»، قال: حدثنا حسن بن موسى، قال: سمعت عبد الله بن لهيعة، حسن بن موسى والأشيب وهو ثقة من مشايخ الإمام أحمد، قال: سمعت عبد الله بن لهيعة، قال: حدثنا دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك؟ قال: «طوبى لمن رآني وآمن بك، ثم طوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يراني». قال له رجل: وما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرة مئة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها». قال الشيخ: وله شواهد في الصحيحين وغيرهما. قوله رحمه الله تعالى عن هذا الحديث أخرجه أحمد كما ترون، فيه علتان، فيه علتان: الأولى عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، لكن هو متابع كما في الإسناد الأول، فتابعه عمر بن الحارث، ففيه العلة الأخرى وهي رواية الدراج عن أبي الهيثم، رواية الدراج عن أبي الهيثم وهي رواية ضعيفة كما تقدم، ولكن للحديث شواهد، ولكن للحديث شواهد. فمن هذه الشواهد ما جاء في الصحيحين عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، جاء من حديث سهل بن سعد، وجاء أيضا من حديث أبي سعيد، ومن حديث أنس وأبي هريرة وأسماء بنت أبي بكر، بعضها في الصحيحين أو بعضها في أحدهما، وبعضها في خارج الصحيحين، وأسانيدها صحيحة، وكلها فيها أنهم ذكروا وصف الشجرة في الجنة، ذكر وصف الشجرة في الجنة، وأن الراكب يسير في ظلها مئة عام، يسير في ظلها مئة عام، أي في ذكر الشجرة أما له طوبى، أما له طوبى شجرة في الجنة مسيرة مئة عام، مسيرة مئة عام. فهذا الحديث كما سمعتم هذا اللفظ قد جاء كذلك له شواهد، فقد رواه ابن جرير في تفسيره بسند رجاله محتج بهم إلا شهر بن حوشب ففيه ضعف، ففيه ضعف. وكذلك رواه ابن جرير من طريق أو من حديث أبي أمامة الباهلي، وفيه سعيد بن يوسف وهو الرحب، حديثه محتمل للتحسين أو محتمل لقبول في الشواهد والمتابعات. وكذلك رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى من حديث أبي أمامة بلفظ «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يراني» سبع مرات، وفي سنده أيمن وهو ابن مالك الأشعري، وثقه ابن حبان وتفرّد بالرواية عنه قتادة. فالحاصل من هذا أن الحديث حسن بمجموع شواهده، الحديث حسن بمجموع شواهده، والله تعالى أعلم. فالحديث حسن لغيره، الحديث حسن لغيره، ففيه أن طوبى شجرة في الجنة، أن طوبى شجرة في الجنة لهذه الشواهد المذكورة في الباب. فشهر بن حوشب حديثه في الشواهد، ودراج عن أبي الهيثم حديثه في الشواهد، وكذلك الطريق الأخرى الذي هو طريق أيمن بن مالك الأشعري حديثه في الشواهد، وحديث أبي أمامة الآخر الذي فيه الرحب سعيد بن يوسف الرحب أيضا في الشواهد والمتابعات. مع ما سمعتم أن أصل الحديث في الصحيحين، مع أن أصل الحديث كما سمعتم في الصحيحين من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم. فالظاهر والله أعلى وأعلم أن الحديث ثابت بمجموع هذه الحديث الطرق، والله أعلى وأعلم. والشاهد منه أن طوبى شجرة في الجنة. قال رحمه الله: «وقد روى ابن جرير عن ابن وهب ها هنا أثرا غريبا عجيبا»، رواه ابن جرير بسند حسن إلى ابن وهب، رواه ابن جرير هذا الأثر بسند حسن إلى ابن وهب، ولكن ابن وهب أخباري ثقة، أخباري ثقة، ومعنى أخباري أنه يخبر عن الكتب السابقة، يخبر عن الكتب الإسرائيلية. قال رحمه الله تعالى: «قال وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه ها هنا أثرا غريبا عجيبا»، قال: وهب رحمه الله تعالى: «إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها»، زهرها قياط وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها تافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة. فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم الملائكة من ربهم يقودون نجبا مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح من حسنها، ووبرها كخز المرعز من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس واستبرق. قال: «فينزونها ويقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه»، قال: «فيركبونها»، قال: «فهي أسرع من الطائر وألطف من الفراش»، نجبا من غير مهنة، يسير الراكب إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلته أذن صاحبتها، ولا تركوا راحلة، تركوا الأخرى. قال: «ولعل الصواب ولا ورث راحلة ورث أخرى» كما نبه عليه محقق تفسير الطبري، يعني ولا ورث راحلة ورث أخرى، هذا محتمل. قال: «حتى إن شجرة لتتنحى عن طريقهم لأن لا يفرق بين الرجل وأخيه»، قال: «فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظر إليه»، فإذا رأوه قالوا: «اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإكرام». قال: «فيقول تبارك وتعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقه رحمتي ومحبتي، مرحبا بعباد الذين خشوني بالغيب وأطاعوا أمري». قال: «فيقولون: ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدرك حق قدرك، فأذلنا بالسجود قدامه». قال: «فيقول الله تعالى: إنها ليست بدار نصب، إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة». قال: «فسألوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته». فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: «ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا، ربي فآتني مثل كل شيء كان فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا». فيقول الله تعالى: «لقد قصرت بك اليوم أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، وسأتحفك بمنزلتي لأنه ليس في عطاء نكد ولا قصر يد». قال: «ثم يقول: اعرضوا على عباد ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم ببال». قال: «فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم». فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة، في كل قبة منها جارية من الحور العين، كل جارية منهن عليها ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح طيب إلا قد عبق بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة أو القبة، حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة. قال: «يرى نخرهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء»، يريان لهم من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى لهما مثل ذلك. ثم يدخل إليهما فيحيانهم ويقبلانه ويعانقانه، ويقولان له: «والله ما ظننا أن الله يخلق مثله». ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة، ثم ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له. قال: «وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن ابن منبه وزاد: فانظروا إلى مواهب ربكم». وزاد: «فإذا بقباب في الرفيق الأعلى وغرف مبنية من الدر والمرجان، وأبوابها من ذهب وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس واستبرق، ومنابرها من نور يفور من أبوابها، وعرائسها نور مثل شعاع الشمس، عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء». قال: «وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يجهزها نورها، فلولا أنه مسخر إذن لالتمع الأبصار». فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان منها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان منها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر. قال: «مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشرفها قباب من لؤلؤ، وبرجها غرف من المرجان». فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم قربت لهم براذين من ياقوت أبيض منفوخ فيها الروح، تحتها الولدان المخلدون، بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتهها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سروجها سرر موضونة مفروشة بالسندس والاستبرق. قال: «فانطلقت بهم تلك البراذين تزف بهم ينظرون رياض الجنة». فلما انتهوا إلى منازلهم وجدوا الملائكة قعودا على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم. فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم وما سألوا وتمنوا، وإذا على كل باب قصر من تلك القصور أربعة جنان: جنتان ذواتا أفنان، وجنتان مدهمتان، وفيهما عينان ضخاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام. فلما تبوأوا منازلهم واستقروا قرارهم، قال لهم ربهم: «فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟» قالوا: «نعم وربنا». قال: «هل رضيتم سوابغ ربكم؟» قالوا: «ربنا رضينا فارض عنا». قال: «فبرضاي عنكم أحللتكم داري ونظرتم إلى وجهي». فعند ذلك قالوا: «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب». قال الشيخ رحمه الله: «وهذا سياق غريب وأثر عجيب، ولبعضه شواهد صحيحة»، هذا كلام نحو كلام الإمام ابن كثير في تفسيره: «أن هذا سياق غريب وأثر عجيب، ولبعضه شواهد صحيحة»، أي لبعض ألفاظه شواهد في الصحيحين. أما بهذا السياق بهذا الأسلوب مجموعا فهو سياق غريب. قال رحمه الله تعالى: «وقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، ضروع كلها ترضي عصب أهل الجنة، وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة». رواه ابن أبي حاتم، ولكنه لا يصح، هذا الأثر لا يصح. قال: «قوله آخذ بعنان فرسي في سبيل الله»، قال: أي في الجهاد، قال: أي في الجهاد أو قال: أي في جهاد المشركين. قال: «قوله أشعث مجرور بالفتحة»، مجرور بالفتحة لأنه اسم لا ينصرف في الوصف، قال: «ووزن الفعل»، ومعلوم أن من علل مانع الصرف الوصف وتلك وزن الفعل. قال: «ورأسه مرفوع على الفاعلية»، قوله «ورأسه مرفوع على الفاعلية» وهو طائر الشعر، أشغله الجهاد في سبيل الله عن التنعم بالإدهان وتسريح الشعر. قال: «قوله مغبرة قدما هو بالجر صفة ثانية لعبد». قال: «قوله إن كان في الحراسة هو بكسر الحاء»، أي حماية الجيش عن أن يهجم العدو عليهم. قوله «كان في الحراسة» أي غير مقصر فيها ولا غافل، وهذا اللفظ يستعمل في حق من قام بالأمر على وجه الكمال، على وجه الكمال، أي إن كان في الحراسة كان في الحراسة أي قام بالأمر على ما أريد منه. قال: «قوله وإن كان في الساقة كان في الساقة» أي في مؤخرة الجيش، أي يقلب نفسه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه إن كان ليلا أو نهارا رغبة في رضا الله، رغبة في رضا الله وطالبا لثوابه ومحبة لطاعته. قال ابن الجوزي: «قال وهو خامل الذكر لا يقصد السمو»، وهو خامل الذكر لا يقصد السمو، أي لا يقصد العلو في الأرض، بل يريد وجه الله جل وعلا. فهو إن كان في الحراسة فهو في حراسة، وإن كان في الساقة فهو في الساقة، يقوم بالأعمال على أتمها وأحسنها ابتغاء وجه الله جل وعلا. قال: «وقال الخلخالي: المعنى اعتماره لما أمر وإقامته حيث أقيم»، لا يفقد من مكانه، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة. انتهى. قال: «وفيه فضل الحراسة في سبيل الله»، قولهم «إن استأذن لم يؤذن له» أي إذا استأذن على الأمراء ونحوهم لم يأذنوا له لأنه لا جاه له عندهم ولا منزلة، لأنهم ليس من طلابها، أي ليس من طلاب الجاه والمنزلة، بل يحب الخمول ويحب التواضع والسكينة. قال: «وإنما يطلب ما عند الله لا يقصد بعمله سواه»، قوله «وإن شفع بفتح أوله وتانيه»، قولهم «لم يشفع بفتح الفاء مشددة»، يعني لو ألجأته الحال إلى أن يشفع في أمر يحبه الله ورسوله لم تقبل شفاعته عند الأمراء ونحوهم، لماذا؟ لما تقدم، لأنهم ليس من أصحاب الجاه ولا من أصحاب الرئاسات. قال: «وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا: رب أشعث مدفوع من الأبواب لو أقسم على الله لأبره»، جاء في بعض الروايات «رب أشعث أغبر مدفوع من الأبواب لو أقسم على الله لأبره». وهذا يدل على مكانة هؤلاء عند الله جل وعلا، وإن لم تكن لهم مكانة في أعين بعض الناس، لم تكن لهم مكانة في أعين بعض الناس، ولكنهم عند الله جل وعلا لهم المكانة العليا، حتى أن أحدهم لو أقسم على الله لو أقسم على الله في أمر لأبره الله جل وعلا، وهذا من إجلال الله جل وعلا وإكرامه لذلك العبد، فإن الله جل وعلا يبر قسمه. قال الحافظ: «فيه ترك حب الرياسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع» انتهى. كما ترون هذا توجيه إلى هذا المعنى، وهذا مناسب لهذا الباب، وهذا مناسب لهذا الباب أن الإنسان كلما كان أبعد من الرياسة والشهرة كان أبعد من حظوظ الدنيا، وكان عمله إلى الله جل وعلا خالصا، وإلى الله جل وعلا أرغب، وبالله جل وعلا كذلك يكون أوثق. بخلاف من أحب الرئاسة أو أحب الشهرة، فإنه ينقص من عمله بحسب التفاته إلى هذه المعاني، بحسب التفاته إلى هذه المعاني. لذا قال: «ترك حب الرياسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع» انتهى. قال: «وروى الإمام أحمد أيضا عن مصعب بن ثابت»، مصعب بن ثابت أي ابن عبد الله بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان وهو يخطب على منبره: «إني محدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم». قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها». والحديث كما ذكر رحمه الله تعالى رواه الإمام أحمد وغيره، رواه الإمام أحمد وغيره. والإمام أحمد رحمه الله تعالى رواه من طريق مصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزبير عن عثمان، قال: أن عثمان بن عفان بغير ذكر عبد الله بن الزبير، بغير ذكر عبد الله بن الزبير. ووضح هذا جماعة، ومصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزبير ضعيف، وهو كذلك لم يدرك عثمان بن عفان، إذن السند فيه علتان. الأولى ضعف مصعب، والثانية أنه لم يدرك عثمان، ورؤية هذا الحديث من طريق أخرى بذكر عبد الله بن الزبير، رؤية هذا الحديث من طريق أخرى بذكر عبد الله بن الزبير أي من طريق مصعب بن ثابت أن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان بذكر عبد الله بن الزبير بين مصعب وبين عثمان. ولو صح هذا الإسناد لكان صحة ما انتفت العلة، علة الانقطاع، لكن بقيت العلة الأخرى وهي علة ضعف مصعب. قال: «واضح جماعة ومع هذا فإن الحديث الصواب فيه من غير ذكر عبد الله بن الزبير»، كما ذكر ذلك الإمام الدارقطني في العلل، ذكر الخلاف على مصعب في ذلك: أن منهم من يرويه عن مصعب بذكر أبيه، ومنهم من يرويه عن مصعب بغير ذكر أبيه عن عثمان مباشرة. قال: «وهو الأصوب»، وهو الأصوب. فإذن الحديث لا يصح للعلتين السابقتين: الانقطاع والضعف. قال: «وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك»، قال: عبد الله بن محمد قاضي نصيبين، قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة أنه أملأ عليه عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، ووعده الخروج وأنفذها معه إلى الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين ومئة. قال: «أي هذه الأبيات كتبها الإمام عبد الله بن المبارك إلى من؟ إلى الفضيل بن عياض»، وكان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى كان مرابطا عند الحرم في الحرم. قال: «يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب، من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب، أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب، ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب، ولقد أتانا مما قال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب، لا يستوي وغبار خير الله فيه أنثمرئ ودخان نار تلهب، هذا كتاب الله ينطق بيننا، ليس الشهيد بميت لا يكذب». الحاصل أنه كما ترون فيه معاتبة من عبد الله بن المبارك للإمام الفضيل بن عياض، معاتبة من هذا لهذا، وذكر في القصة أن الفضيل بن عياض أرسل إلى عبد الله بن المبارك يدعوه إلى ما إلى أن يأتيه إلى الحرم ويرابط معه، فكتب له عبد الله بن المبارك هذه الأبيات. قال: «فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأته فقال: ذريف تعيناه». فقال: «صدق أبو عبد الرحمن ونصحني». ثم قال: «أنت ممن يكتب الحديث؟» قلت: «نعم». قال لي: «أكتب هذا الحديث وأملأ علي»، الفضيل بن عياض قال: «حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيله». فقال: «هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟» فقال: «يا رسول الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت فضل المجاهدين في سبيل الله، أما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك حسنات؟». طيب الحديث بطوله إلى آخره، وأولا بالنسبة لهذه الأبيات، بالنسبة لهذه الأبيات وهذه القصة فإنها لا تصح. أولا لأنها من طريق محمد بن عبد الله بن المطلب أبي المفضل الشيباني، قال الخطيب البغدادي في تاريخه: «وكان يروي غرائب الحديث وسؤالات الشيوخ». قال: «فكتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني، ثم بان كذبه، ثم بان كذبه، فمزقوا حديثه وأبطلوا روايته». وكان بعد يضع الأحاديث للرافضة، وذكر أيضا أنه كان ممن يسرق الحديث، أنه ممن يسرق الحديث. وذكر أيضا عن الدارقطني رحمه الله تعالى أنه كذبه، أن الدارقطني رحمه الله تعالى كذب هذا الرجل الذي هو محمد بن عبد الله وهو راوي هذا الحديث أو هذا القصة عن عبد الله بن محمد، هذا أي قاضي نصيبين، هذا أمر. والأمر الثاني أيضا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة لم يوقف له على ترجمة فيما ذكره العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وكذلك العلامة الوادعي رحمه الله جميعا. وثالثا ذكر شيخنا العلامة الوادعي رحمه الله تعالى أن في الأبيات نكارة، أن في الأبيات نكارة، وذلك أن السلف رحمهم الله تعالى يستبعد كل البعد أن يصف العبادة بأنها لعب، أن يصف العبادة بأنها لعب، لأنه قال: «يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب». وهل يصف مسلم فضلا عن إمام من أئمة المسلمين بأن العبادة لعب؟ الجواب لا، فهذه كذلك نكارة في المتن. فهذه كذلك نكارة في المتن إلى جانب ما سمعتموه من كون الراوي راوي هذه الأبيات مع هذا الحديث كذاب. طيب هذه أمور ثلاثة. الأمر الرابع أيضا مما يدل على أن الرجل كذلك ممن يسرق الحديث، وكما ذكر أنه يرفع حديثا، أنه ذكر هذا الحديث عن الفضيل، ذكر الحديث الذي في آخره قال: «وأملى علي الفضيل بن عياض حدثنا منصور بن المعتمر إلى آخره»، منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة الحديث المذكور، الحديث المذكور أصله في البخاري، أصله في البخاري. ولفظه أصله في البخاري من طريق أبي الحسين عن أبي صالح عن أبي هريرة، والحديث فيه كما جاء في هذا الحديث قال: «رجل يا رسول الله علمني»، إلى آخره، إلى قول «لا أستطيع ذلك»، إلى قول «لا أستطيع ذلك». فقال في الأخير: «فوالذي نفسي بيده إن فرس المجاهد ليستن»، إلى آخره، إلى آخره من قول أبي هريرة. ورواه الترمذي من طريق سهيل بن أبي صالح، من طريق سهيل بن أبي صالح. الأول من طريق أبي حسين عن أبي صالح، والثاني من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة. وذكر الجزء الأول منهما واضح. يا جماعة هذان يعني أحاديث تروى أو هذا الحديث يروى من طريق من إما من طريق أبي حسين وإما من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبي صالح. وأما منصور بن المعتمر فإنه لا يروي عن أبي صالح، لذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «لم يرو منصور عن أبي صالح ذكوان، وروى عن أبي صالح باذان، وروى عن أبي صالح باذان». واضح جماعة ملا، معنى هذا أن منصور لو كان هو ابن المعتمر لو كان هو ابن المعتمر كما في هذا الإسناد، فيلزم أن يكون أبو صالح ها هنا من؟ باذان. وأبو صالح باذان ضعيف أو ضعيف جدا، واضح هذا جماعة ملا. فالحاصل أن الحديث من حيث هو ثابت، أما هذه القصة مع هذه الأبيات لا تصح، والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على