الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 47، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل مسألة مستقر الأرواح بعد الموت وتفاوت درجاتها بحسب إيمانها وكفرها وصلاحها وفسادها. ذكر المؤلف أن الأرواح تتفاوت في مستقرها.
هذا الفصل يفصل في مستقر أرواح المؤمنين والشهداء، حيث تتمتع أرواح المؤمنين بشجر الجنة وتعلق بها حتى يرجعها الله إلى أجسادها يوم القيامة. أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش.
يناقش هذا الفصل آراء العلماء حول بئر برهوت ومكان أرواح الكفار، حيث يرجح العلامة الألباني أن أرواح الكفار تستقر في سجين وليس في بئر برهوت. الخلاف في هذه المسألة كبير.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة، وأرواح المؤمنين تحت العرش، وأرواح الكفار والفجار في برهوت، وهي في سجين. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة، والتي يذكرها بعض من أهل العلم تحت مبحث مستقر الأرواح، فذكر ما يتعلق بأرواح الشهداء، وما يتعلق بأرواح المؤمنين، ثم ثلثًا بأرواح الكفار والفجار. وهذه مسألة أخواني في الله، تم الخلاف والنزاع في ذكر حقيقة هذه المسألة، وهناك كتب قد اختصت وتميزت بذكر الخلاف في هذه المسألة. وخلاصة هذا المبحث إخواني في الله، علينا أن نعلم أن الأرواح في مستقرها تتفاوت باختلاف إيمانها وكفرها، وعلى حسب صلاحها وفسادها، فكلما كانت النفس على منزلة عالية من التعبد والتدين لله جل وعلا، فإن الروح لها المنزلة العليا، وهكذا العكس بالعكس. فأرواح الشهداء، قال مؤلف رحمه الله تعالى: واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش. وقبل أرواح الشهداء هناك أرواح أعلى، وهي أرواح الأنبياء، فإن أرواح الأنبياء لها منزل أعلى وأعظم من أرواح الشهداء. ويؤيد هذا ما جاء في الصحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم، في حديث عائشة، كان يقول: «اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى». فأرواح الأنبياء في منازل عالية. وثم بعد ذلك تأتي أرواح الشهداء، أرواح الشهداء كما قال مؤلف رحمه الله تعالى: واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة. وجاء ذلك كما في صحيح مسلم، من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أرواح الشهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة تحت العرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلكم القناديل». فهذه ميزة جعلها الله جل وعلا لأرواح الشهداء، بأنها تكون في جوف طير خضر، وهي كذلك بنفس الوقت تسرح وتمرح وتأتي وتجيء في الجنة كيف شاءت وحيثما أرادت، وهذا خاص بأرواح الشهداء. وأما ما يتعلق بأرواح المؤمنين، قال مؤلف رحمه الله تعالى: وأرواح المؤمنين تحت العرش. كذلكم أرواح المؤمنين في الجنة. ويكذلك مسألة للعلماء في ذلك أقوال في تحديد أين مستقر أرواح المؤمنين، منهم من قال في المنطقة الفلانية، ومنهم من قال عند القبور وفي فناء القبور، ومنهم من قال عند أبواب الجنة. والصحيح الذي دلت عليه النصوص أنها في الجنة، أن أرواح المؤمنين في الجنة، وهذا منقول عن جماعة من صحابة، وكذلك عن قول جماعة من المحققين من أهل العلم. ومما يؤيد هذا المعنى أن أرواح المؤمنين في الجنة، ما جاء من حديثه كأبي مالك عن أبيه مرفوعًا، قال عليه الصلاة والسلام: «نسمة المؤمن طير تعلق من شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة». قوله عليه الصلاة والسلام: «نسمة المؤمن طير تعلق»، وهنا ننبه كلمة تعلق بمعنى تأكل، تعلق بمعنى تأكل من شجر الجنة، لأنه يوجد من بعض العلماء من المحدثين كتبها تعلق في شجر الجنة، لا يستعلق وإنما تعلق، ومعنى تعلق أي تأكل، معنى تعلق أي تأكل من ورق الجنة. فقوله عليه الصلاة والسلام: «نسمة المؤمن أي روح المؤمن طير تعلق من شجر الجنة»، فهي من أرواح المؤمنين في الجنان. وهذا الحديث قال عنه ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا إسناد صحيح عظيم. والسر في وصف العظمة لهذا الإسناد خاصة لأنه نقل عن ثلاثة من الأئمة، فقد ذكر الإمام أحمد عن الشافعي عن مالك هذا الحديث. فالحاصل إذن عندنا أرواح الأنبياء في أعلى المنازل، وعندنا أرواح الشهداء في جوف طير خضر تسرح وتمرح في الجنة، وأرواح المؤمنين جعلها ربنا جل وعلا في جوف طير. قد يقول قائل: إذا ما الفرق بين أرواح المؤمنين عن أرواح الشهداء؟ الفرق أن أرواح الشهداء تنتقل حيث شاءت، وهناك مسائل كثيرة، لكن نبأ على مسألة يذكرها بعض العلماء، نبأ عليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مع القول بأن أرواح المؤمنين في الجنة، إلا أن لها تعلق بالبدن، وضرب مثل رحمه الله تعالى بحال النائم، فالنائم جسده في الدنيا في فراشه، وأما روحه تجول في مشارق الدنيا وفي مغاربها. وهكذا المؤمن جسده في قبره، وأما الروح فهي تتمتع بالجنة، فهذا الذي له قوله نبي «نسمة المؤمن طير تعلق من شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة». هذا ما يتعلق بأرواح أهل الصلاح من الأنبياء والشهداء ومن المؤمنين. بقي قول المؤلف رحمه الله تعالى: وأرواح الكفار والفجار في برهوت. وفي رواية وقراءة بئر هوت، بئر هوت أو بئر برهوت بضم برهوت، هذه البئر كما ذكر بعض المؤرخين كالياقوت الحموي رحمه الله تعالى أنها في حضرموت، ومنهم من قال أنها بين عدن إلى حضرموت في منتصف الطريق، المهم هذه بئر ويذكر في وصفها أنها بئر عميقة جدًا بحيث لا يمكن النزول إليها. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بأن هذه الأرواح في هذه البئر. وابن القيم رحمه الله تعالى يراجع هذا المبحث في كتاب الروح، سرد الأقوال المذكورة والمأثورة عن من ذكر هذا القول من أن أرواح الكفار والفجار في بئر برهوت، وذكر أنه لم يصح في ذلك شيء، لم يصح حديث أو نص موقوف عن أحد من السلف في أنه ماذا ذكروا أن أرواح الكفار في برهوت، فما صح شيء. لكن تنبيه على مسألة، ابن حزم رحمه الله تعالى ذكر هذه المسألة، ولكنه قال: ضعف الأدلة الدالة على أن أرواح الكفار في بئر هوت، لكن أتى بعبارة قال: أن هذه المقالة من أن أرواح الكفار في بئر هوت أو في بئر برهوت أنها من قول الرافضة. ابن قيم رحمه الله تعالى علق على ذلك، وقال رحمه الله تعالى: ليس كما قال، بل قاله جماعة من أهل السنة، ليس كما قال، بل قاله جماعة من أهل السنة، أي يوجد من أهل السنة ومن ينتسب إلى السنة من العلماء من ذهب إلى هذا المذهب. فهي ليست مقالة من الرافضة، بل هو قول جماعة من أهل السنة تبنوا هذا المذهب وتبنوا هذا الرأي، ويرون أن بئر برهوت وأن أرواح الكفار موجودة في هذا البئر. لكن على القول على هذا القول، فهو لم يثبت شيء دليل صحيح صريح في هذا الباب. وأما قول المؤلف: وهي في سجين، نعم هي في سجين، والسجين هي مبالغة من السجن، مبالغة من السجن، وهو المكان الضيق. نعم، أرواح الكفار في سجين، وليس فيه براهوت، وإنما في السجين، والسجين هي الأرض السفلى، والسجين هي الأرض السفلى. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى هذا المذهب على أن أرواح الكفار في سجين، وقد رجح ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى، ويرجع لهذا المبحث ما ذكره في كتابه البديع الآيات والبينات في عدم سماع الأموات. فالشيخ الألباني يرجح أن بعض الآثار قد صحت عن الصحابة في ذكر أن مستقر أرواح الكفار في سجين، فهذا إخواني في الله ملخص هذه المسألة ما يتعلق بمستقر الأرواح، فأما أرواح أهل الإيمان والصلاح فهي تتفاوت في الجنة على حسب إيمانها وتعبده لله جل وعلا، فأعلى العليين للأنبياء والرسل، من ثم للشهداء، ومن ثم لأرواح المؤمنين. وأما أرواح الكفار فهي في سجين على القول الصحيح في هذه المسألة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.