الجواب الكافي 48

الدرس في الجواب الكافي 48، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مظاهر الخوف من الله تعالى عند الصحابة والتابعين

كان الصحابة والتابعون يمتازون بخوفهم الشديد من الله تعالى، مع اجتهادهم في الأعمال الصالحة، وكانوا يخشون عدم قبول أعمالهم والنفاق. هذا الخوف كان دافعًا لهم للتواضع والاستمرار في الطاعات.

التواضع والخوف من النفاق عند الصحابة

رغم اجتهادهم في الطاعات، كان الصحابة يخشون على أنفسهم ويتواضعون، وكانوا يرون أنفسهم مقصرين دائمًا. كان أبو بكر وعمر بن الخطاب من أبرز الأمثلة على هذا التواضع والخوف من الله.

استعمال المعاريض في الكلام وحدود المزاح

استعمل الصحابة المعاريض في الكلام لدفع الإحراج، كما هو واضح في قصة عمر بن الخطاب مع حذيفة بن اليمان. كما أن للمزاح حدودًا معينة في الآداب والمعاملات، وزيادته عن الحد تؤدي إلى الخروج عن الآداب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبرك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله تعالى: خوف الصحابة من الله. قال رحمه الله تعالى: ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم، وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف. ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والأمن. فـ«الصديق» رضي الله عنه يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن. ذكره أحمد عنه. وذكر عنه أيضًا أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. وكان يبكي كثيرًا، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا. وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل. وأتى بطائر فقلبه، ثم قال: ما صيد من صيد، ولا قطعت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح. ولم احتضر، قال لعائشة: يا بنية، إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة، وهذا الحلاب، وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب. وقال: والله لو ددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد. وقال قتادة: بلغني أن أبا بكر قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب. وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض، وعاده. وقال لابنه وهو في الموت: ويحك، بأخدي على الأرض، عساه يرحمني. ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر الله لي ثلاثًا، ثم قضى. وكان يمر بالآية في ورده بالليل، فتخيفه، فيبقى في البيت أيامًا، يعاد، يحسبونه مريضًا. وكان في وجهه رضي الله عنه خطان أسودان من البكاء. وقال ابن عباس: مصر الله بك الأمصار، فتح ذك الفتوح، وفعل، فقال: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر. وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر يبكي حتى يبلل لحيته. وقال: إني بين الجنة والنار، لأدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير. وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بكاه وخوفه، وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى. قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل. وهذا أبو الدرداء رضي الله عنه كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة، أي قال لي: يا أبا الدرداء، قد علمت، فماذا عملت فيما علمت؟ وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت، لما أكلتم طعامًا على الشهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة، ولا دخلتم بيتًا تستضلون فيه، ولا خرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم. ولوددت أني شجرة تعضد، ثم تأكل. وكان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع. وكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد. وددت أني لم أخلق. وعرضت عليه النفقة، فقال: عندنا عنز نحلبها، وحمر ننقل عليها، ومحرر يخدمنا، وفضل عباءة، وإني أخاف الحساب فيها. وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، جعل يرددها ويبكي حتى أصبح. وقال أبو عبيدة عامر بن الجراح: وددت أني كبش فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي، وحسوا مرقي. قال البخاري في صحيحه: باب خوف المؤمن أن يحبط عمله ولا يشعر. قال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. وذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: أنشدك الله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني في المنافقين- فيقول: لا. ولا أزكي بعدك أحدًا. فسمعت شيخنا يقول: ليس مراده أني لا أبري غيرك من النفاق، بل المراد أني لا أفتح على نفسي هذا الباب، فكل من سألني: هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأزكيه. وقريب من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله أن يدعو له أن يكون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال: سبقك بها عكاشة. ولم يرد أن عكاشة وحده، وحق بذلك ممن عداه من الصحابة، ولكن لو دعا له لقام آخر وآخر، وانفتح الباب، وربما قام من لم يستحق أن يكون منهم، فكان الإمساك أولى. ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذه النقولات الواردة عن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم من الصحابة، وهكذا عن التابعين رحمة الله تعالى عليهم بإحسان، الذين اتبعوا بإحسان. فهذه النقولات تدل على خوف هؤلاء الصالحين، مع ما كانوا عليه من الاجتهاد العظيم في العبادة. فكانت عندهم الأعمال الكثيرة والعبادات، وكان عندهم الزهد في هذه الدنيا، وكان عندهم من الطاعات الشيء الكثير. إلا أنهم مع ذلك كانوا على خوف عظيم. أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام رضي الله عنهم، ترضى عنهم في كتابه الكريم، ووعدهم بالجنة، وأثنى عليهم، وهم أحياء يسيرون على الأرض، وقد بشروا بالجنة، ونالوا رضا رب العالمين جل وعلا عنهم، وزكاهم. ومع هذا كانوا يخافون على أنفسهم، وهكذا التابعون لهم بإحسان كانوا على عمل عظيم، وعلى مسابقة ومسارعة في الأعمال الصالحات، ومع هذا كانوا على خوف عظيم. نحن اليوم جمعنا بين الأمن والتقصير، عندنا التقصير العظيم، وعندنا النقص، وعندنا الخلل، وعندنا الزلات، ومع هذا من منا قد بلغ مبلغًا في الخوف إلا من رحم الله. أولئك مع ما كانوا عليه كانوا على خوف، فجمعوا بين العمل والخوف والرجاء. وأما كثير من الناس اليوم -إلا من رحم الله- فقد جمعوا بين التقصير والأمن، عندهم تقصير، ومع هذا يرون أنفسهم قد بلغوا الغاية. وهذا لضعف الإيمان، وإلا فإن الإيمان إذا كان عظيمًا في قلب العبد، فإنه يرى نفسه دائمًا مقصرًا، ويرى نفسه دائمًا مفرطًا، مع اجتهاده في طاعة الله عز وجل. أما من عنده الأعمال اليسيرة والقليلة، ويرى نفسه قد بلغ القنطرة، هذا دليل على ضعف الإيمان. فهذه النقلات الكثيرة تدل على هذا. نقل رحمه الله تعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا عليه من الجد والجهاد في العمل، وبلغوا الغاية في ذلك، ومع ذلك في غاية الخوف. بخلاف من جمع بين التقصير بل التفريط والأمن. وتكر عن الصديق أنه قال -كما نقل إمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الزهد- أنه قال: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن. سبحان الله، وهو الصديق الذي ذكره الله جل وعلا في كتابه الكريم، والذي قال فيه مثلًا: «لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا»، ومع هذا يقول هذا الكلام. وكان يمسك لسانه رضي الله تعالى عنه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. يعني أوقعه في المهالك. اللسان سبب للوقوع في كثير من المهالك. مع أنه رضي الله تعالى عنه إنما كانت لسانه في الخير، كانت لسانه في الخير وفي العلم والدعوة، ومع هذا يعاتب نفسه ويعترف بتقصيره رضي الله تعالى عنه وارضاه. وكان كثير البكاء، كان إذا قام في صلاته كأنه عود لعظيم خشوعه رضي الله تعالى عنه في صلاته. وجئ إليه بطائر قلبه، قال: ما من صيد صيد، ولا قطعت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح. فمعناه أن ما يحصل للناس من الذنوب، ما يحصل للناس من المصائب والابتلاء والبلاء وغير ذلك، إنما بسبب التفريط وبسبب الذنوب والمعاصي. وقال كلامًا عظيمًا حين احتضاره، وعند احتضاره لأم المؤمنين عائشة ابنته رضي الله تعالى عنها: كان عنده عباءة، وعنده حلاب، لبيت المال، ليس له، فلم ينسَ ذلك، ولم يغفل عن ذلك في آخر لحظات حياته، وعند احتضار، فأمر عائشة أن تسرع به إلى ابن الخطاب؛ لأنه كان خليفة من بعده رضي الله تعالى عنه. وهذا يدل على خوفهم وعلى حرصهم. أما اليوم تجد الإنسان عنده من حقوق الناس أموال وأشياء وغير ذلك، السيارات للدولة، لبيت مال المسلمين، وإلى آخر ذلك، ولا يتكلم بهذا، لا يقول لأولاده: السيارة ليست لي، ليست سيارة للدولة، وهذا البيت ليس ملكي، وإنما للدولة أو كذا. هذا لضعف الخوف. ومن كان عنده خوف فإنه ينظر فيما حواليه، ينظر في ماله: هل له أم لغيره؟ لأنه سيحاسب على هذه الأشياء. فكانوا على هذا الخوف العظيم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ونقل عن قتادة بلاغًا أنه بلغه عن أبي بكر أنه قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب. سبحان الله، مثل هذا الكلام يدل على تقوى عظيمة عند هؤلاء، الخوف وإخلاص. ثم نقل عن عمر بن الخطاب أيضًا رضي الله تعالى عنه ما كان عليه من الخوف. كان إذا قرأ بعض آيات القرآن يبكي. ونقل هنا أنه إذا قرأ قوله جل وعلا: �ي: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، يبكي ويشتد بكاؤه، بل يمرض، يعاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يتأثر بالقرآن، يبكي، فيتعب، فيمرض، فيعاد رضي الله تعالى عنه. وعند موته قال لابنه: ضع خدي على الأرض، لعل الله يرحمني. وهكذا نقل عن عمر ما قاله ابن عباس: مذكرًا له بأن الله مصر به الأمصار -يعني فتح- لأنه في عهد عمر كثرت الفتوحات، كثرت الفتوحات في عهد عمر رضي الله تعالى عنه. فابن عباس يذكره بهذا عند موته، كأنه يقول له: عندك لك الثواب، فأنت الذي مصر الله بك الأمصار، فتحت بلاد كذا، وفتحت بلاد كذا، وفتوحات عظيمة، وفعلت وفعلت. ومع هذا يقول رضي الله تعالى عنه: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر. كما يقال: لا لي ولا علي، صف، لا أطالب بشيء، لا لي ولا علي، لا لي ولا علي. معناه: أسلم، يطلبون السلامة، إذا سلمت الحمد لله، من تبعك الحساب. كما يقال: إيش لك؟ ما شيء، وإيش عليك؟ ما عليك شيء، لا لك ولا عليك. فمعناه: أنت سالم، وسلمت. وهذا من تواضعهم رضي الله تعالى عنه، وإلا فله عند الله جل وعلا قصر في الجنة، أخبره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين دخل الجنة، ورأى قصرا لعمر بن الخطاب، وعنده جارية. قال: لمن هذا القصر؟ قال: لعمر بن الخطاب. حتى قال لعمر: وددت أني أدخله، لكن تذكرت غيرتك، تذكرت غيرتك، فمشيت وذهبت، فبكى عمر رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، أعليك أغار؟ أعليك أغار؟ ومع هذا يقول: لا لي ولا علي. سبحان الله. ويأتي إلى حذيفة، ويقول: هل سماني مع من سمى من المنافقين؟ عمر الذي يفر منه الشيطان، كما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إياك يا بن الخطاب، والله ما رأى الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا آخر». يقول لي حذيفة: هل سماني مع من سمى من المنافقين؟ مع أن الصحابة ما كانوا يأمنون عن أنفسهم، كما في البخاري عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يخافون النفاق على نفسه. نفاق العملي، ليس النفاق الاعتقادي، النفاق العملي الذي يتعلق بخلف الوعد، وكذلك ما يتعلق بشيء من عدم صدق الحديث، مع أنهم كانوا أصدق الناس حديثًا، وكانوا أوفى الناس وعدًا، وكانوا كذلك أرحم الناس. قضى الله تعالى عنهم وأرضاهم. ولكن هو الخوف الذي كانوا عليه. ولذلك قال الحسن: لا يأمن النفاق على نفسه إلا منافق، ولا يخافه إلا مؤمن. لا يخافه إلا مؤمن، ولا يأمنه إلا منافق. فقال لو حذيفة: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا. ولا أزكي بعدك أحدًا. معناه: أنني سأسكت، ولن أتكلم؛ لأنه كل ما جاء سائل، جاء عمر: هل سماني؟ قال: لا، عنها زكاه أنه ليس من المنافقين. جاء آخر: هل سماني؟ قال: لا. هل سماني؟ قال: لا. فيكون يزكي. فقال: ولا أزكي بعدك أحدًا. وهذا مثل ما جاء في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن رضي الله تعالى عنه، قال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت منهم. قام رجل آخر، قال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت منهم. قام الثالث، قام الرابع، وقام الخامس، وقام السادس، وقام السابع، تتابعوا. متى يقف هذا؟ متى يقف هذا؟ هل سيقف؟ ما سيقف؟ وهكذا جاء عن حذيفة. وقال عمر: لا، سيقفل الكلام. لا، كم عدت الصحابة؟ كل الصحابة سيأتون، وكلهم سيأتي عن حذيفة: هل سماني؟ هل سماني؟ هل سماني؟ إلى متى؟ لا أبدًا. من إغلاق الباب. ولا أزكي بعدك أحدًا. لا يأتي أحد يقولي: وأنا خلاص هذا عمر قد قال. وكما قال في حديث السبعين ألفًا: أنت منهم. إذا فتح الباب، قام الآخر، يصدع الله منه. كلهم يريد أن يكون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب. يقول: أنت منهم، قام الآخر: أنت منهم. هل سيقفون؟ ما سيقفون، سيتتابعون. كم عددهم؟ وربما يقوم بعد ذلك من ليس بأهل لهذا. في عهد الصحابة منافقون، بل كانوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. إذا تتابع الصحابة: هل سماني؟ يقال: لا. هل سماني؟ لا. هل سماني؟ قام منافق يقول: هل سماني؟ ماذا سيقول له؟ حرج، أضطر الباب. وهكذا أنه مثلًا قال لكل أحد: أنت منهم. أنت منهم. قام من ليس منهم، فماذا سيقول له؟ فمعناه: فيه إحراج، ومعناه في هذا الموضع استعمال المعاريض. وذلك قاله العلماء: المعاريض في المعاريض مندوحة عن الكذب. في المعاريض مندوحة عن الكذب لدفع الإحراج، للحاجة. لكن الناس توسعوا في هذا، الناس اليوم توسعوا في التورية، وتوسعوا في المعاريض من غير حاجة، وإنما يجوز استعمال المعاريض للحاجة، ولدفع الحرج. يأتي شخص يتصل: أخوك موجود؟ يريده مثلًا. نسأل الله العافية. ما هو في خير جلسة، أو ذهاب إلى مكان، أعوذ بالله، ليس بطيب. ما أحد، أخي هنا. ما أحد هنا. هذا ما هو كذب، هذا معارض. وفعلًا ما هو في الكيس، أخوك هو في البيت، يمكن أن يكون موجودًا عندك. يقول لك أحد: أخوك؟ لا، لا أحد هنا. ما هو هنا. وهنا ما هو في الكيس، نعم. وهكذا. فهذه معاريض. يقرأ الباب: أبوك موجود؟ لماذا تقول لها الآن: أبوك موجود في البيت؟ يمكن عندك واقف عندك، ما هو موجود، كان في كيس، حتى في رأسك ما هو موجود. المهم أنه يفهم أنه غير موجود، وينهب. لماذا؟ لأن هذا محرج، وطلبه في ضرر، سواء كان على نفسك، لكن الناس يتوسعون في هذا، ما في حاجة. تعبان، يدعينا، ولا مثلًا هو ما يريد، ما في ذلك الحاجة التي تجعله يتصل بها. ما أحد يقول له: ما أحد. طيب، ليش ما أحد؟ ورجل يمكن مسكين، وطيب، ويريدها في خير، بل ربما وعدها، ربما وعدها، وقال: تعالي، استعدي، وجعد البيت، وقاله: قل له: ما أحد. وربما يوري ويساوي، يتوري: قل له: ما أحد. كيف أنت وعدته؟ لكن هذا يدفع به الذين ما ينفع معهم إلا مثل هذا. وناس يأتون في أوقات غير مناسبة، أو من هؤلاء الذين لا ينتفع الإنسان بصحبتهم، فحين إذن تستعمل هذه المعاريض. أما التوسع فيها فيوصل إلى الكذب، وتنتزع ثقة الناس منك، تنتزع ثقة الناس منك. دار أوك، تكثر من هذا. لكن هو بقدر كالملح في الطعام، إذا زاد عن حده فسد الطعام، صار ما للطعام شهوة، ولا لذة. لكن هو شيء مثل المزاح، المزاح له وقت، له إذا زاد خرج عنه. وكل شيء له حد في الآداب، وفي المعاملات. ونقف هنا إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم وبركاته، وعلى آله وصحبه.