الدرس في الجواب الكافي 32، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
ناقش المقطع أهمية الاستعداد للموت وعذاب القبر مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. كما تطرق إلى وعيد شرب المسكر وذكر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم يتوعد فيه شارب المسكر بأن يسقى من طينة الخبال.
النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من شرب المسكرات ويبين عاقبتها، حيث يحرم شاربها في الدنيا من شرب الخمر في الآخرة. انتكاس الفطرة يجعل الناس يرون الخبائث طيبات، فيجب على المسلم الابتعاد عن كل ما حرمه الله.
يشرح المقطع سبب صوت الأطيط الذي يصدر من السماء، وهو نتيجة ثقل الملائكة الساجدين لله عليها. كما يبين أن هذا الصوت لو سمعه البشر لكان له تأثير كبير عليهم.
يصف المقطع أحداث يوم القيامة حيث تقبض أرواح المؤمنين وتقوم الساعة على شرار الخلق، ويحذر من اتخاذ القبور مساجد وعذاب من يدركهم الساعة وهم أحياء.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وفي المسند أيضا عنه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ بصر بجماعة، فقال: «على ما اجتمع هؤلاء؟» فقيل: على قبر يحفرونه، ففزع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتقدم بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر، فجثا على ركبتيه، فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى -أي الأرض- من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: «إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا». وهذا الحديث فيه وصية من وصايا النبي عليه الصلاة والسلام بالاستعداد لهذا اليوم الذي هو يوم الانتقال من هذه الدنيا إلى الآخرة، والاستعداد لتلك الحفرة التي سندخلها جميعا. ففزع النبي عليه الصلاة والسلام حين رأى القبر، وجثا على ركبتيه، ما يدل على فظاعة القبر وهول الموقف. ولذلك بكى عليه الصلاة والسلام حتى بل الثرى -أي الأرض- من دموعه، ثم أوصى بهذه الوصية العظيمة. والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح ابن ماجة، وفي «الصحيحة». وبعض العلماء ضعفه بهذا السياق؛ لأن في سنده محمد بن مالك الجوزجاني، وهو مختلف فيه. قال رحمه الله: وفي المسند، من حديث بريدة، قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما، فنادى ثلاث مرات: «يا أيها الناس، أتدرون ما مثلي ومثلكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فأبصر العدو فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس، أوتيتم -ثلاث مرات-». وهذا الحديث فيه ضعف؛ لأن في سنده بشر -أو بشير بن المهاجر الغنوي-. قال فيه الإمام أحمد: منكر الحديث. وقال فيه ابن عدي، وكذلك ابن حجر -رحمة الله عليهما-: مرجئ متهم، متكلم فيه. وذكر الحافظ ابن حجر في «التقريب»: صدوق له حديث. فالحديث فيه ضعف كما سمعتم. وذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى؛ لأنه من الأحاديث التي تورث الخوف من عذاب الله جل وعلا، ومن الوقوع في محارم الله جل وعلا. وأهل العلم يذكرون مثل هذه الأحاديث، وإن كان فيها شيء من الضعف، لكن ليس فيها الضعف الشديد أو النكارة في متنها، فيستشهدون بمثل هذه الأحاديث في مثل هذا الباب -باب الوعيد- وغير ذلك. وربما صح عندهم، ذكروه؛ لأنه يرونه حسنا أو صحيحا لدلالة الشواهد عليه، فيذكرون ذلك. قال رحمه الله: وفي صحيح الإمام مسلم رحمه الله، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل ما أسكر حرام، وإن على الله عز وجل عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال». قيل: وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار». وهذا فيه وعيد شديد لمن شرب المسكر، وهذا شامل للخمر وللمخدرات وغير ذلك مما يسكر؛ فكل ما يسكر فهو حرام، مما يذهب العقل فهو من المسكرات. فمن شرب المسكر توعد بهذا الوعيد العظيم، وهو أن يسقيه الله جل وعلا يوم القيامة من طينة الخبال. ولما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن طينة الخبال، قال: «عرق أهل النار»؛ يعني يسقى من عرق أهل النار. أهل النار وهم في النار يعرقون، لهم عرق ولهم عصارة، هذا العرق وهذه العصارة -عصارة أهل النار وعرق أهل النار- يسقى بها من شرب المسكر، يسقى بها ويتجرعها من شرب المسكر. وهذا يدل على أن هذا الأمر كبير، أي شرب المسكرات. والأسف الشديد اليوم أن الناس تهاولوا شرب المسكرات، تهاولوا شرب المسكرات؛ فهناك من يتعاطى المخدرات، ومنهم من يتعاطى القات، وربما فيه شيء من الإسكار، وغير ذلك، وبعض الحبوب التي فيها شيء من الإسكار مما تؤثر على العقل، فيخشى عليه من هذا الوعيد أن يسقى يوم القيامة من عرق أهل النار، ومن عصارة أهل النار الذي هو طينة الخبال. فليحذر المسلم وليبتعد عن المسكرات بشتى أنواعها، ولا يتهاون في شيء منها. يبتعد حتى عن الدخان، يبتعد عن الشمة، ويبتعد عن كل ما لا فائدة منه؛ كل ذلك من الخبائث، والخبائث حرمت. قال جل وعلا: ﴿حِلت لَهُمُ الطَيباتُ وَحُرِّمَت عَلَيهِمُ الخَبائِثُ﴾، أحل لهم الطيبات وأحرم عليهم الخبائث. وهكذا في بيان دعوته عليه الصلاة والسلام يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. فكل هذه الأمور من الخبائث، لكن لما انتكست الفطرة، انتكست فطرة الناس، صاروا يرون هذه من الطيبات. صاروا يرونها من الطيبات لانتكاس الفطرة. وإلا فعند أصحاب الفطر السليمة الذين لم تنتكس فطرتهم، فإنهم يرونها من الخبائث. حتى صغار السن، الصغار على الفطرة، ربما إذا ميزوا وقيل لهم: هذا من الخبيث أو من الطيب؟ قالوا: خبيث. نعم، إذا جئت إليهم بالدخان، وقيل لهم: استنشقوا مثل هذا، ما رأيكم في رائحته؟ طيبة ولا خبيثة؟ سينفرون منه، ولا خبيثة. وهكذا كذلك فيما يتعلق بالأمور الأخرى، الشمة وغيرها. الفطرة سليمة، لكن انتكست الفطرة. يقول لسان حالهم أو مقالهم: هذه من الطيبات. وإذا قلت لبعض الناس: هذا من الخبائث، يقول: الله، هذه من الطيبات، من الطيبات! سبحان الله! فالفطرة انتكست، كما قال نبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه جل وعلا، كما في صحيح مسلم رحمه الله، من حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه، قال الله جل وعلا: «وإني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين»؛ أي فزاغوا، «فاجتالتهم عن دينهم، وأحلت لهم ما حرمت عليهم». فالفطرة إذا انتكست، نسأل الله العافية والسلامة، يرى ما ليس بحسن حسن، ويرى الخبيث طيبا، بل وربما يرى الطيب خبيثا. وإلا لو كانت الفطرة سليمة، فإنها تميز بين الطيب حقا والخبيث، والنافع من الضار، والخير من الشر، والمعروف من المنكر، والحق من الباطل، إلى آخر ذلك. قال رحمه الله تعالى: والخمر من شربها في الدنيا حرم شربها في الآخرة. هناك في الآخرة خمر، أنهار من خمر لذة للشاربين، خمر لا غول فيها ولا هم ينزفون؛ يعني خمرا ما تذهب بالعقول، وإنما خمر فيها لذة غاية اللذة، لا يمكن أن توصف، ولا يعلم لذتها إلا الله جل وعلا. فيحرم من شرب الخمر في الدنيا من الشرب من الخمر يوم القيامة، الخمر اللذيذة التي لا تذهب بالعقول، وإنما هي في غاية اللذة. فالحذر الحذر من شرب المسكرات. قال رحمه الله تعالى: وفي المسند أيضا، من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون. أطت السماء، وحق لها أن تأط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجدا لله، يسبح الله. لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى». وهذا الحديث يبين فيه النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة أنه يرى ما لا يرون، ويسمع ما لا يسمعون؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام استفاض الله جل وعلا به من أنه يرى أمورا، ويسمع أشياء لا يراها الناس. الله جل وعلا أسمعه شيئا من عذاب القبر، فمر بقبرين، قال: «إنهم ليعذبان». وهكذا يرى من خلفه عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك أيضا أنه يسمع ما يسمع من أطيط السماء. الأطيط هو الصوت، الآن مثلا الكرسي إذا قعد عليه الشخص، صدر منه صوت. نحن نسميه ماذا؟ باللغة العامية: يعني صوت. صوت الرحل كذلك إذا صعد عليه الشخص يخرج منه هذا الصوت، يقال له: أطيط. فالنبي عليه السلام يخبر أن السماء أطت، صدر منها هذا الصوت، وهو الأطيط. ما السبب؟ قالوا: حق لها أن تأط، حق للسماء أن تأط ويصدر منها هذا الصوت؛ لماذا؟ لسبب ذلك، لسبب هذا الأطيط، وهو ما عليها من الملائكة، ما عليها من الملائكة المسبحة لله، الساجدة لله جل وعلا. فما من موضع أربع أصابع -هذا موضع أربع أصابع، كم يحتل من الحيز؟ شيء قليل- فالنبي يقول: ما من موضع أربع أصابع في السماء -وتأملوا هذه السماء، أي انبساطها من هذه الجهة إلى الجهة الأخرى، ومن هذه الجهة إلى الجهة الأخرى- إلا وعليها ملك ساجدا لله جل وعلا. وهذه علا كثرة الملائكة، وتسبيح هؤلاء الملائكة لله جل وعلا، وتعظيمهم لله سبحانه وتعالى، حتى أن السماء أطت، وصدر منها هذا الصوت. وهذه دلالة على تعظيم ملائكة الله جل وعلا لربها سبحانه وتعالى. لكن الناس لا يعلمون ذلك، فهم في غفلة عن هذا. وإلا إذا سمعنا مثل هذا الصوت من السماء، فيكون هذا مما يورث الخوف العظيم. لكن من رحمة الله جل وعلا بعباده أنه لم يسمعهم ذلك. كيف لو أسمعنا عذاب من يعذب في القبر؟ كيف لو أسمعنا الله جل وعلا عذاب من يعذب في القبر؟ هل يهنأ لنا طعام؟ هل يهنأ لنا شراب؟ أبدا، لا يهنأ لنا الطعام، ولا الشراب، ولا النزهة، ولا حتى الضحك، لأن همنا وشغلنا بما سمعنا. لكن من رحمة الله جل وعلا بعباده أنه لم يسمعهم ذلك. ولذلك البهائم غير المكلفة تسمع؛ لأن الحكمة في حقها منتفية تسمع، أما الثقلان فلا يسمعون؛ لأنه لو سمعوا لصعقوا. وذلك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم، عن عبد الله بن عمر وغيره: «لو لا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم شيئا من عذاب القبر، من عذاب القبر». لو لا أن تدافنوا -أي لو لا أن تدفنوا بعضكم بعضا- فلو سمع الناس شيئا من عذاب القبر، هل سيجفن بعضهم بعضا؟ ما سيجفن بعضهم بعضا، سيهربون، وهكذا. ما يسمع النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الآيات العظيمة، ومنها ما يخبر به الأمة، أخبرهم بعذاب القبر، وأخبرهم بما يسمع من عذاب القبر، وأخبرهم كذلك بما يسمع من أطيط السماء، وسبب ذلك. نعم، وليس الخبر كالمعاينة. الخبر ليس كالمعاينة. الخبر خبر، لكن إذا عاين الإنسان ذلك، فالأمر آخر. الآن نحن ذكرنا في كتاب الله بالعذاب يوم القيامة، وفي السنة النبي عليه الصلاة والسلام بالقبر وما يكون في القبر من العذاب والسؤال والحساب، نسمع، لكن هل هذا كالمعاينة؟ إذا عايننا الصحف تتضاير يوم القيامة، الشمس تكور، البحار تسجر، والنجوم تتناثر، الجبال تنهد، هذه أخبار كلها علمناها من كتاب الله أو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هل هذا كالمعاينة؟ إذا عايننا الجبال وهي تنهد، والبحار تسجر، تصير نارا، والنجوم تتناثر، ليس الخبر كالمعاينة. وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى. قلت لك: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق. أهل الإيمان من فزع يومئذ آمنون. حتى هذه الأمور العظيمة، الله جل وعلا أمنهم منها، فتقبض آخر أرواح أهل الإيمان ببعث ريح يبعثها الله جل وعلا، تقبض أرواح أهل الإيمان، فلا يبقى على الأرض إلا الكفار، شرار الخلق. حتى جاء في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «حتى لا يقال في الأرض: الله، الله». حتى لا يقال في الأرض: الله، الله. فتقوم القيامة. فتلك الأهوال الشديدة، الأهوال العظيمة، يرونها أولئك، وأما أهل الإيمان فبحمد الله فقد خبضت أرواحهم. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». حتى يأتي أمر الله، المعنى هنا الأمر ببعث الريح، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك. أمر الله بأن يبعث الريح، ليس حتى يأتي أمر الله وهو أن تقوم الساعة. تقوم الساعة، تسير الجبال، وتهدي الجبال، وتسجر البحار، لا، تقبض أرواحهم، يأتيهم أمر الله جل وعلا حيث تأتي تلك الريح، فتقبض أرواح أهل الإيمان، فلا يبقى على الأرض إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق». قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس عذابا من يتخذ القبور مساجد، ومن تدركهم الساعة وهم أحياء». وهذا الحديث فيه الوعيد العظيم لهؤلاء. انتهى الوقت، ونواصل إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.