الدرس في الجواب الكافي 64، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المحور حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ظهور نكتة سوداء في قلب المؤمن عند ارتكاب الذنب، وتزول بالتوبة والاستغفار، مؤكداً أن القلب هو أعظم الجوارح تأثراً بالمعاصي وأن للذنوب آثاراً مدمرة في الدنيا والآخرة.
يبين المحور أن التوبة الصادقة تتطلب ترك الذنب والاستغفار وصلاة ركعتين لصقل القلب، مستدلاً بالآية والحديث وقصة الصحابي على أن اتباع السيئة بالحسنة يمحوها ويكفر الذنب.
يوضح المحور أن الإصرار على المعاصي يؤدي إلى تراكم السواد وسيطرته على القلب المسمى بالران، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، وحديث حذيفة بن اليمان عن اسوداد القلب حتى يصير كالشاة الربداء.
يفسر المحور معنى "الشاة الربداء" الواردة في أثر حذيفة رضي الله عنه بأنها الشاة السوداء المنقطة بحمرة، توضيحاً لحال القلب عند تغيره واسوداده بالذنوب.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا الحديث قاعدة صحيحة، صححها العلامة الألباني رحمه الله وغيره من أهل العلم والحديث. بيّن النبي عليه الصلاة والسلام فيه خطر الذنوب والمعاصي، وأن الإنسان إذا وقع في الذنب، والمؤمن إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء. هذه النكتة السوداء هي أثر الذنب، فالذنوب لها آثار على القلوب، ولها آثار على الجوارح، كما أن لها الآثار في الآخرة من عذاب الله، من استحقاق عذاب الله جل وعلا. فهكذا لها آثار على الجوارح، وأعظم الجوارح التي تتأثر بالذنوب هو القلب، هو القلب أعظم الجوارح تأثراً بالذنوب. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن القلب، أي قلب المؤمن، إذا أذنب المؤمن تنكت فيه هذه النكتة السوداء، على القلب ظلمة المعصية، سواد المعصية. فإذا تاب ونزع، يعني وترك تلك المعصية وذلك الذنب، واستغفر الله، صُقِل قلبه، أي صُفي من تلك النكتة السوداء التي نُكتت في قلبه جراء فعله الذنب وعاقبة فعله المعصية. وهذا يدلنا على أن الإنسان، وأن المؤمن عليه إذا أذنب أن يسارع في التوبة والترك، أي ترك الذنب وترك المعصية والاستغفار. وإذا صلى ركعتين، كذلك قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا تاب يصلي ركعتين، ركعتي التوبة من الذنب والمعصية لله جل وعلا، لأن ذلك من الحسنة التي تمحو السيئة، فالحسنات يذهبن السيئات، والحسنات تمحو السيئات، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، كما قال جل وعلا، وكما قال عليه الصلاة والسلام: «واتبع السيئة الحسنة تمحوها، وخالق الناس بخلق حسن». وذلك الصحابي الذي جاءت قصته في الصحيح، حين قبل امرأة لا تحل له، وجاء تائباً، جاء تائباً وأتى للنبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بما فعل، وأنه قد قبل امرأة لا تحل له. فسأله النبي عليه الصلاة والسلام: «أشهدت معنا الصلاة؟» قال: نعم. فنزل قول الله جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فدل هذا على أن اتباع الذنوب والمعاصي، واتباع السيئات بالحسنات، من أسباب محو تلك السيئات وتكفير تلك الذنوب. وهذا الحديث يدل على هذا أيضاً، فإن العبد إذا تاب ونزع واستغفر الله صُقِل قلبه، أي صُفي من ذلك الران الذي على قلبه. لكن إذا زاد، زاد السواد، وإن زاد زادت، أي تلك النكتة وذلك السواد، سواد تلك الظلمة، سواد مع سواد، نكتة سوداء مع نكتة سوداء، قال: «حتى تعلو قلبه»، تسيطر على القلب وتظهر على القلب، فيكون للذنب الظهور على القلب والتسلط على القلب. بمعنى أن العبد يكون في هذا الحال على خطر عظيم، إذا علا الذنب القلب وظهر عليه، صار الذنب ظاهراً على القلب، أي عالياً عليه مستحكماً عليه. فهذا هو الران الذي إذا علا القلب بسبب ما كسب العبد من الذنوب والمعاصي، كان ذلك من أعظم أسباب الهلاك. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل في قوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». فلما ران على قلوبهم ما يكسبون، فعلت تلك الذنوب وتلك الآثام في القلب، كان ذلك من أسباب هلاكهم واستحقاق ذلك الوعيد الذي توعدهم الله سبحانه وتعالى به، فكانوا فجاراً بسبب الإصرار على الذنوب والمعاصي والإكثار منها، حتى سيطرت هذه الذنوب والمعاصي على القلب. ثم قال رحمه الله تعالى: وقال حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما: «إذا أذنب العبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، حتى يصير قلبه كالشاة الربداء». وهذا الأثر عن حذيفة يدل على الحديث السابق، إلا أنه فيه قول حذيفة رضي الله تعالى عنه: «حتى يصير قلبه كالشاة الربداء». الشاة الربداء هي الشاة السوداء المنقطعة بحمرة، السواد المنقطع بحمرة،