الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 13

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 13

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

هجرة المسلمين إلى الحبشة وإيمان النجاشي

هاجر المسلمون إلى الحبشة فرارا بدينهم، واستقبلهم النجاشي ملك الحبشة بإحسان، وآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سماعه كلام جعفر بن أبي طالب. لقد كان النجاشي ملكا نصرانيا أحسن جوار المسلمين.

لقاء جعفر بن أبي طالب بالنجاشي وتلاوة القرآن

التقى جعفر بن أبي طالب بالنجاشي وعرض عليه الإسلام، وتلا عليه آيات من سورة مريم، مما أثر في النجاشي وأساقفته، فرفض تسليم المسلمين إلى قريش. ثم رد جعفر على أسئلة النجاشي حول عيسى بن مريم بما يتفق مع تعاليم الإسلام.

تفاصيل حول الهجرة وموقف النبي صلى الله عليه وسلم

تروي أم سلمة تفاصيل هجرة المسلمين إلى الحبشة واستقبال النجاشي لهم، كما تذكر حادثة سبق المهاجرين الأوائل بالهجرة ورد النبي صلى الله عليه وسلم على عمر بن الخطاب بشأنها. يبرز المقطع أيضا جواز النعي والصلاة على الغائب إذا لم يصلى عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام محمد الله في كتابه «الجواب الصحيح من بدل دين المسيح» فصل: وكان قبل قصة نجران قد آمن به كثير من اليهود والنصارى رؤساءهم، غير رؤسائهم، لما تبين لهم أنه رسول الله إليهم، كما آمن به النجاشي ملك الحبشة، وكان نصرانيا هو وقومه. وكان إيمانه به في أول أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لما كان أصحابه مستضعفين في مكة، وكان الكفار يظلمونهم ويؤذونهم ويعاقبونهم على الإيمان بالله ورسوله، فهاجر منهم طائفة، منهم عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وجعفر بن أبي طالب، وغيرهم من الرجال والنساء إليه. وكان ملكا عادلا، فأرسل الكفار إليه رسلا بهدايا ليردهم إليهم، فامتنع من عدله أن يسلمهم إليهم حتى يسمع كلامهم. فلما سمع كلامهم وما أخبروه به من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وآواهم. ولما سمع القرآن، قال: «إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة». ولما سألهم عن قولهم في المسيح عليه السلام، قالوا: «نشهد أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسها رجل». فقال النجاشي لجعفر بن أبي طالب: «والله ما زاد عيسى ومريم على ما قلت هذا العود». فنخرت أصحابه، فقال: «وإن نخرتم، وإن نخرتم». فبعث ابنه وطائفة من أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع جعفر بن أبي طالب. وقدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر. وقد ذكر قصتهم جماعة من العلماء والحفاظ، كأحمد بن حنبل في المسند، ومجاهد في الطبقات، وأبي نعيم في الحلية، وغيرهم. وقد ذكرها أهل التفسير والحديث والفقه، ومتواترة عند العلماء. قال أحمد: حدثني أخو إبراهيم بن سعيد، عن أبيه، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا، اعتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جردين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة. وكان أعجب ما يأتيه منا إليه الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية. ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمر بن العاص، وأمروهما أمرهم. وقالت: «ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، ثم اسألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم». قالت: «فجاءا وقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار». فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفع إليه هديته قبل أن يكلم النجاشي، ثم قال لكل بطريق منهم: «إنه قد صار إلى بلد الملك منا غلمان سفها، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، فقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم. فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم». فقالوا لهما: «نعم». ثم إنهما قربا هداياهما إلى النجاشي، فقبلها منهما، ثم كلماه، فقالا له: «أيها الملك، إنه قد صار إلى بلدك منا غلمان سفها، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، فقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم إليهم، وهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه». قالت: «ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة، وعمر بن العاص، من أن يسمع النجاشي كلامنا». وقالت: «وطارقته حوله صدقوا: أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى بلادهم وقومهم». فقالت: «فغضب النجاشي، ثم قال: لا، والله، إذن لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قوما جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم، فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم». فإن كانوا كما يقولون، أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قال: «ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم». فلما جاءهم رسوله، اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: «ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟» قالوا: «نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، كائن في ذلك ما هو كائن». فلما جاءوه -زاد أبو نعيم-: وقد دعا النجاشي أساقفته، ومعهم مصاحفهم حوله. فلما جاءوه، فسألهم، قال: «ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم؟» قالت: «فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب». فقال: «أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. قلنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله وحده، لنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، والنهي عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام». قالت: «فعدد عليه أمور الإسلام». قال: «فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا». فعدى علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهروا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك، أيها الملك». قالت: «فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟» قالت: «فقال له جعفر: نعم». فقال له النجاشي: «فاقرأه علي». فقرأ عليه صدرا من سورة مريم: ﴿كِفَ احْتَرَمَ رَبُّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَاهُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا فَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾. قالت: «فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم لما سمعوا ما تلي عليهم». ثم قال النجاشي: «إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة». ثم قال لعبد الله بن أبي ربيعة، وعمر بن العاص: «انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا، ولا أكافئهما». قالت: «فلما خرجا من عنده، قال عمر بن العاص: والله لآتيَنَّه غدا، فأعيبهم عنده، ثم أستأصل به خضراءهم». قالت: «فقال له عبد الله بن أبي ربيعة -وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تفعل، فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا». قال: «والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد». قال: «ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما». فأرسل إليهم، فاسألهم عما يقولون فيه. قالت: «فأرسل إليهم يسألهم عنه». قالت: «ولم ينزل بنا مثله». فاجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض: «ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟» قالوا: «نقول والله فيما قاله الله، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، كائن في ذلك ما هو كائن». فلما دخلوا عليه، قال لهم: «ما تقولون في عيسى بن مريم؟» فقال له جعفر: «ما نبتغي أن نقول فيه إلا الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، هو عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول». قال: «فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عودا، ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود». فتناخرت طارقته حوله حين قال ما قال، فقال: «وإن خرتم الله، اذهبوا، فأنتم شيوم بأرضي، والصيوم الآمنون، من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم». فما أحب أن لي حمرا ذهبا، وإني آذيت رجلا منكم. والدبر بلسان الحبشة: الجبل. «ردوا عليهما ما جاء به هداياهما، فلا حاجة لنا بها». فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فأخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيه، فأطيعهم فيه. قالت: «فخرجا من عنده مطرودين، مردود عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار، مع خير جار». قالت: «فوالله إنا على ذلك، إذ نزل به -يعني من ينازعه في ملكه-». قالت: «فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفنا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه». وروى عبد الله بن عامر بن الزبير، عن أبيه، قال: «ما نزل بالنجاشي عدوه من أرضه، جاء المهاجرون، فقالوا: إنا نحن نخرج إليهم، فنقاتل معك، وترى جزاءنا، ونجزيك بما صنعت بنا». فقال: «إن الذي ينصره الله خير من الذي ينصره الناس». يقول: «الذي ينصره الله خير من الذي ينصره الناس». فأبى ذلك عليهم. قال: «وجاءنا إلى حديث أم سلمة، قالت: وصار النجاشي وبينهما عرض النيل». قالت: «فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم، ثم يأتينا بالخبر؟» قالت: «فقال الزبير بن العوام: أنا». قالت: «وكان من أحدث القوم سنا». قالت: «فنفخنا له قربة، فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها منتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم». قالت: «ودعونا الله أن ينصر النجاشي على عدوه، وأن يمكن له في بلاده». قالت: «والله إني على ذلك متوقعين لما هو كائن، إذ طلع الزبير يسعى، ويلوح بثوبه، ويقول: ألا أبشروا، فقد أظهر الله النجاشي على عدوه». فوالله ما علمت فرحنا فرحة مثلها قط. قالت: «فرجع النجاشي، وقد أذل الله عدوه، ومكن له في بلاده، واستوثق عليه أمر الحبشة، وكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقد روى جملة هذه القصة أبو داود في السنن، من حديث أبي موسى. وفي الصحيحين، في حديث أبي موسى، قال: «بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه، أنا وإخوان لي، أنا أصغرهم، في بضع وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده». قال جعفر: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا، وأمرنا -يعني بالإقامة- فأقيموا معنا». قال: «فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا». قال: «فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر، فأسهم لنا منها، وما قسم لأحد غائب عن فتح خيبر غيرنا، إلا لمن شهد معنا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم». قال: «فلم رأى ناس من الناس يقولون لنا -يعني آل السفينة- سبقناكم بالهجرة». قال: «ودخلت أسماء بنت عميس -وهي ممن قدم معنا- على حفصة زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه». فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: «من هذه؟» قالت: «أسماء بنت عميس». فقال عمر: «الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟» قالت أسماء: «نعم». فقال عمر: «قد سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم». فغضبت، وقالت: «كلا، والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله تعالى وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم». قالت: «وإن الله لا أطعم طعاما، ولا أشبع جوعا، حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم». ونحن كنا نؤذى ونخاف. وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسأله. والله لا أكذب، ولا أزيد، ولا أنقص على ذلك. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: «يا رسول الله، إن عمر قال كذا وكذا». قال: «وما قلت له؟» قالت: «قلت كذا وكذا». قال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان». قالت: «فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالا، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح، ولا أعظم في أنفسهم، مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال أبو بردة: «قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإنه ليستعيد هذا الحديث مني أخراجه في الصحيحين: البخاري ومسلم». وأخرجا في الصحيحين، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة، في اليوم الذي مات فيه، قال: «استغفروا لأخيكم». وعنه، رضي الله عنه، قال: «نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي يوم توفي، فقال: استغفروا لأخيكم، ثم خرج بالناس إلى المصلى، فصفوا وراءه، فصلى عليه، وكبر أربع تكبيرات». أخرجاه. وقال جابر بن عبد الله، رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على أصحم النجاشي، فكبر عليه أربعا». أخرجاه في الصحيحين. هذا الكلام الظاهر من المؤلف -رحمه الله تعالى- أراد به -رحمه الله- أن يستدل على أن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام لم تكن خاصة بالعرب، بل كان النصارى ممن دعي لهم، وأسلم ليس رجل من عامة النصارى، بل ملك من ملوكهم، وهو النجاشي. وباقي ما ذكر ظاهر. وأما قوله: «نعى النجاشي»، المراد بالنعي: الإخطار بوفاته، والصلاة عليه، لأنه لم يصل عليه. ففيه بيان النعي الجائز، وهكذا الصلاة على الغائب، على الوجه الجائز، وهو إذا لم يصل عليه. فقصة الهجرة ثابتة من طرق كثيرة، كما أشار المؤلف -رحمه الله-. وإن كان بعض التفاصيل فيها ضعيف، بيانه.