الدرس في التعليق على الجواب الكافي 61، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح ابن القيم منافع الإيمان وفضائل المؤمنين، حيث يرفع الله درجاتهم ويمنحهم النصر والعزة. كما يشير إلى معية الله لهم ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة.
يتناول المقطع نتائج المعاصي وخطورة الكفر والنفاق، موضحًا أن عدم الإيمان سبب كل شر، بينما الإيمان سبب كل خير. كما يشير إلى أن الابتلاءات للمؤمنين خير لهم وتكفير لذنوبهم.
يشرح تعليق حذيفة على تزكية النبي وأهمية التزكية الشرعية وارتباطها برسالة النبي، حيث أشار إلى عدم تزكيته لأحد بعد وفاة النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، ومنفعته رفقة المؤمنين وحسن دفاع الله عنه، فإن الله دافع عن الذين آمنوا. وفاته كل خير، رتبه الله في كتابه على الإيمان، وهو نحو مئة خصلة، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها. فهذه غالبا العاصي والمعرض يحرمها، يحرم هذه الوجوه العظيمة التي يعدها الله عز وجل والمقامات الرفيعة والدرجات العلى. فقد يكون معه أصل الإيمان الذي يدخله الجنة، لكن هذه الوجوه الزائدة في الدنيا والآخرة قد لا يتحصلها، تفوت عليه. قال: فمنها الأجر العظيم في قول الله عز وجل: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، يفوته هذا الأجر العظيم. ومنها الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة، أن الله يدافع عن الذين آمنوا. لأنه صاحب المعاصي هان نفسه وهان على الله، ومن يهن الله فما له من مقرب. فلهذا إذا هان على الله عز وجل، فإن الله لا يدافع عنه. وكذلك أيضا نسوا الله فنسيهم، فمن نسي الله تركه الله وتخلى عنه كما تقدم. قال: ومنها استغفار الملائكة حملة العرش له، لقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، قال: «الملائكة تستغفر لهم وتترحم عليهم». فأولئك يكونون في حفظ الله. قالوا: ومنها موالاة الله لهم، ولا يذل من والاه الله، ولا يذل من والاه الله. قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، أنا الله عز وجل وليهم وناصرهم ومحبهم. وأما العبد الذي غضب الله عز وجل عليه وكرهه، فمن ذا الذي يكون وليه؟ قالوا: ومنها أمره ملائكته وتثبيته، إذ يوحي ربك إلى الملائكة: ﴿أَنِي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهذه الآية نزلت في الحرب، في الثبات في الحرب. وأن من ثبات أهل الإيمان أن العدو يخافهم مسيرة شهر. قالوا: ومنها ومن ثباتهم كذلك أنهم لا يتزعزعون، وليس في قلوبهم قلق، بل قلوبهم مطمئنة. قالوا: ومنها أن لهم الدرجات عند ربهم والمغفرة والرزق الكريم، درجات في جنات الله جل وعلا، وفي الدنيا مغفرة ورزق كريم. وكما قال الله عز وجل: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، فيعطيهم الله عز وجل أمورا في الدنيا من الغفران، وكذلك جلب الرزق وتيسيره لهم، وغيرها من أمور الدنيا. قالوا: ومنها العزة، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون. العزة بدينهم، العزة لا يذلون للكفار، ولا يستسلمون لهم، بل يعلمون أنهم هم الأعلون، وأن الله معهم، ولن يتركم ولن يتركهم رب العالمين سبحانه وتعالى. فلهذا فهم أعزاء، ولما ترك الناس الإيمان وبعدوا عن شرع الله عز وجل، أذلهم الله، وصاروا في ذلة. ولن تزول هذه الذلة حتى يراجعوا دينهم، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». قالوا: ومنها معية الله له الإيمان، وأن الله مع المؤمنين. ومنها الرفعة في الدنيا والآخرة، يرفع الله الذين آمنوا منهم والذين أوتوا العلم درجات. رفع في الدنيا كما قال العلماء، ورفع في الآخرة رفع في الدنيا، أن الله عز وجل يحبهم، وأيضا يجعل لهم الهيبة، وأيضا احترام في قلوب أهل الإيمان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر: «إن هذا القرآن يرفع به أقواما ويضع به آخرين». فيرفعهم الله عز وجل الدرجات العلى. ولهذا أهل العلم من رفعة الله عز وجل لهم في الدنيا أن جعل كل شيء يستغفر لهم، حتى الحيتان في بحرها، والنملة في جحرها، يستغفرون لمعلم الناس الخير. قعود رفعة عظيمة، ولا شك أنه إذا كان مخلصا وصادقا مع الله، فإن الله عز وجل أيضا يؤوي إليه قلوب أهل الإيمان بالرفعة والاحترام والهيبة. ولهذا لما شرفت بعض نساء هارون الرشيد فرأت رجلا معه ناس يسألونه ويحفون به، قالت: ما هذا؟ قالوا: هذا عالم خراسان عبد الله المبارك. قالت: هذا الملك، لا ملك هارون الذي لا يأتيه الناس إلا رغبة فيما عنده في الدنيا، لكن العالم يأتيه الناس رغبة فيما عنده لأجل الآخرة. فلهذا يكون الذين يأتونه يحبونه، وأما الأمير أو الملك أو المسؤول يأتيه الناس ليس حبا له غالبا، وإنما لأجل المال الذي معه، ولأجل أيضا تيسير بعض الأمور التي هم يطلبونها. قالوا: ومنها إعطاؤهم كفلين من رحمته، إعطاؤهم نورا يمشون به، ومغفرة ذنوبهم. قالوا: ومنها الود الذي يجعله الله سبحانه لهم، وهو أنه يحبهم ويحببهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، جاء بتفسيرها عن ابن عباس وغيره: أن يجعل لهم محبة في الخلق في الدنيا والآخرة. وكما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم، حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: يا جبريل، إني أحب فلانا فأحبه. فيحبه جبريل، وينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه. ثم يوضع له القبول في الأرض». قالوا: ومنها أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف، فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فلا خوف عليهم في الدنيا، ولا هم يحزنون في الدنيا والآخرة. فلا خوف عليهم أي في الآخرة، ولا هم يحزنون أي في الدنيا، وكذلك في الآخرة. قالوا: ومنها أنهم المُتَمَنَّى عليهم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا إلى صراطهم في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، هؤلاء الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. قالوا: ومنها أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء، وليس لغيرهم. ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، أنه كأنهم لا يسمعون ولا ينتفعون بهذا الذي يطلع عليه. قال: «أولئك ينادون من مكان بعيد، وهو عليهم عمى». بدلا يكون هدى يكون عمى عليهم. ولهذا قال الله عز وجل في المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾، معنى ما يفهمون ما يقوله الله عز وجل، معنى ما يقرأ لهم الكتاب، ولا يفهمون ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بل إنه إذا نزلت سورة وزادتهم رجسا إلى رجسهم، وزادتهم عمى. قالوا: والمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير، وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه الإيمان. وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه عدم الإيمان. فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئا يخرجه من دائرة الإيمان؟ كل شر في الدنيا -معنى الشر إذا كانت عقوبة- وأما إن لم تكن عقوبة فهي خير، أن الابتلاء للعبد خير يرفع الله عز وجل به درجات، ويمحو الله عز وجل به من سيئاته. فلهذا فالابتلاء والمرض وغيره ليس بشر للمؤمن. لهذا من الخطأ تسميته شرا. بعضهم يقول مثلا في المرض: زال الشر. فهذا ليس صحيحا، الشر للمؤمن أو المرض للمؤمن خير، يكفر الله عز وجل به ذنوبه ويرفعه به الدرجات العلى. الابتلاء أيضا الابتلاء بنقص الأموال أو أخذ الأنفس ونقص الثمرات وغيرها، هذا كله يرفع به ربنا جل وعلا درجات العباد. فلهذا فليس به شر، وإنما الشر إذا كان عقوبة لأجل الذنوب. قال: فكيف يحون على العبد أن يرتكب شيئا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبين أن يخرجه من دائرة الإيمان؟ ولو لم يكن أخرجه إلى الكفر، أنا قد يكون يخرجه إلى دائرة الإسلام أي معه الإسلام فقط. قال: ولكن لا يخرجه من دائرة عموم المسلمين، فإن استمر على الذنوب وأصر عليها، خيف عليه أن يرين على قلبه، أن يعلو على قلبه الرين، وهذا الرين هو الذي يبعده عن الخير. إذا عل على قلبه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فإذا عل هذا الرين، طبع على قلب العبد أو كاد أن يطبع عليه، فلا يرى الخير وإنما يرى الشر ويحب الشر. قال: فيخرجه عن الإسلام بالكلية. ومنهاه نشتد خوف السلف، كما قال بعضهم: «أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر». قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس، وفي حديث أبي هريرة أيضا: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار». ويخاف النار، يخاف الكفر، يخاف على نفسه أن يقع في الردة وفي الكفر والنفاق. ولهذا كان كثير من السلف يخاف على نفسه النفاق، ليس فيهم أحد يقول: إيمانه كإيمان جبريل. جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجال العاطف، وكلهم يخاف على نفسه النفاق، كما قال الحسن: «ما أمنه ما خافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق». ما أمن النفاق على نفسه إلا منافق. بل كان السلف رحمهم الله، وهم أهل الإيمان وأهل الصلاة، يخافون على أنفسهم النفاق. فهذا عمر يسأل حذيفة: «أسمعت في رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرا؟» وهو عمر الذي قد بشر بالجنة. فقال حذيفة: «لا، ولا أزكي أحدا بعدك». سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى. طيب إن شاء الله نكمل بهذا. والله تعالى أعلم.