الدرس في التعليق على الجواب الكافي 59، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر ابن القيم أن من عقوبات الذنوب والمعاصي نسيان الله للعبد وتركه بين نفسه وشيطانه، مما يؤدي إلى هلاكه. كما استشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد أن من ينسى الله يترك لشيطانه.
من يترك تقوى الله يُعاقب بأن يُنسى نفسه ومصالحها، فيُهمل في أموره ويتبع هواه، ويخسر سعادته الأبدية مقابل لذات معاصي زائلة. هذا يُفسر حال بعض الناس الذين انهمكوا في المعاصي رغم بقائهم على بعض المظاهر الدينية.
يُناقش المقطع عواقب إهمال العبد لنفسه وطاعة ربه، حيث يُشدّد على أن الله لا يعوض عنه شيء، بينما يعوض كل ما سواه. يُبيّن أن إهمال طاعة الله يؤدي إلى ظلم النفس وخسارتها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، ومن عقوبات ذنوب المعاصي أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه، وهناك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاح. قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون﴾، فهذه عقوبة من أعظم العقوبات أن الله عز وجل يترك العبد ويهين العبد، على الله عز وجل فيتركه ويتخلى عنه، فيتلبس عليه الشيطان. ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. فهذا الشيطان يكون معه قرينا، يؤزه إلى المعاصي ويزين له المعاصي، ويظن نفسه أنه على خير، وهذا بسبب الغفلة التي أصابته عندما ترك شرع الله جل وعلا وترك الطريق الصحيحة وسلك مثل هذه الطرق، طرق الذنوب والمعاصي، وانهمك فيها. فهذا ترك شرع الله فتركه الله، فأنساهم أنفسهم. والنسيان هنا بمعنى الترك، معنى «نسوا الله فأنساهم أنفسهم» أي تركهم الله عز وجل حتى جعلهم موكلون إلى أنفسهم. والإنسان إذا وكل إلى نفسه هلك، ولهذا في الدعاء الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، لأن الإنسان إذا وكل إلى نفسه هلك وغرته نفسه. لكن إذا عانه الله عز وجل فإنه يعان بعون الله سبحانه وتعالى، فلهذا قال الإمام بن قيم رحمه الله في هذه الآية: فأمر بتقواه ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه، «أنا نسي الله» أي بترك تقواه لم يتق الله عز وجل في أموره، فلهذا لم يفعل الأمر ولم ينتهي عن النهي. قال وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحها، «فأنساهم أنفسهم» أي أنساهم مصالحها وأيضا صلاحها وهدايتها، قالوا ما ينجيها من عذابه وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها وسرورها ونعيمها، فكل ذلك نسيه فأنساه الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره. فترى العاصي مهملا لمصالح نفسه، مضيعا لها، وقد أغفل قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطا. بل بعض الناس بسبب انهماك في المعاصي حتى تظن أنهم سلخ من دين الله والعياذ بالله، ما تجد معه إلا أنه ممكن يردد الشهادتين، وبعضهم أيضا يصلي أحيانا، وهذا بسبب أنهم نسوا الله فأنساهم أنفسهم. قال: «قد انفرطت علي مصالح دنياه وآخرة، وقد فرط في سعادته الأبدية واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة، عن لذة المعاصي التي تذهب بسرعة، إنما هي سحابة صيف أو خيال طيف، وكما قيل أحلام نوم أو كظل زائل»، الظل يزول بسرعة لا يتلذت به الإنسان. فقال: «إن اللبيب بمثلها لا يخدع»، كان الرجل اللبيب ذو لب ذو عقل لا يخدع بمثل هذه اللذات التي تكون في هذه المعاصي لأنها لذات ذاهبة. وهذه اللذات تذهب عليه باللذات الدائمة التي هي لذات الآخرة. قال: «وعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهماله لها وإضاعته حظها ونصيبها من الله وبيعه ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن، فضيع من لا غنى له عنه ولا عوض له منه، واستبدل به من عنه كل الغنى أو منه كل العوض»، من كل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إن ضيعته عوض. أن الله عز وجل لا يعوض عنه شيء، فإذا ضيع العبد ربه سبحانه وتعالى فلا يغني عنه شيء، لكن إذا ضيع أي شيء كان من هذه الحياة الدنيا لأجل الله عز وجل فهو في عوض يعوضه الله عز وجل أعظم منه. فالله سبحانه وتعالى يعوض كل ما سواه ولا يعوض منه شيء، ويغني عن كل شيء ولا يغني عنه شيء، ويجبر من كل شيء ولا يجير منه شيء، ويمنع من كل شيء ولا يمنع منه شيء، فكيف يستغنى العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين؟ وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم؟ ولهذا النفس إن لم تعمر بالعلم والعدل والعمل فإنها تبقى على الجهل والظلم، ولهذا إذا لم يعمرها العبد بالطاعة وهي العدل فإن هذه النفس تبقى على ظلمها وجهلها. قال: «فما ظلم العبد ربه، ولكن ظلم نفسه»، وما ظلمه ربه جل وعلا، ولكن هو الذي ظلم نفسه، ظلم نفسه أن جعل هذه النفس في المعاصي والذنوب والمخالفات أهانها بذلك، «وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمون». فهذا ما ذكره الإمام بن قيم رحمه الله في هذه العقوبة، وهو أن من عقوبات هذه المعاصي أن الله عز وجل ينسي العبد يتركه ويخليه لنفسه فيهلك بذلك والعياذ بالله، فتمنيه نفسه المعاصي والذنوب وينهمك فيها، وكأن قلبه ليس من قلب أهل الإيمان والإسلام، فهذا المراد من هذه العقوبة والله تعالى أعلم.