التعليق على كتاب العلم  55

التعليق على كتاب العلم 55

الدرس في التعليق على كتاب العلم 55، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

وجوب الدعوة إلى الله ومراتبها الثلاث: تفصيل مرتبة الحكمة

بيّن الشيخ أن الدعوة واجبة كفاية وشرف الأنبياء، مستدلاً بآية النحل. ثم فصّل المراتب الثلاث مبتدئاً بمرتبة الحكمة التي تُستخدم مع من لا علم له ولا مخالفة بأسلوب ميسر ومتدرج.

أقسام الدعوة: الموعظة وضوابط الترغيب والترهيب

شرح الفرق بين الموعظة والمجادلة، مبيناً أن الموعظة لمن يسمع وينصت مع إعراض، وتستخدم فيها الترغيب والترهيب بحسب حال المدعوين من خوف أو رجاء. كما بيّن ضوابط الجمع بينهما عند الاعتدال.

المجادلة بالتي هي أحسن: مجادلة إبراهيم لنمرود

استعرض كيفية مجادلة من يشبه الخالق بالمخلوق مستدلاً بآيات القرب، ثم ضرب مثال مجادلة إبراهيم عليه السلام لنمرود الذي ادعى الإحياء والإماتة، مبيناً بطلان حجته بأنها مجرد تأخير عقوبة لا إنشاء حياة.

الجدل حول إحياء الموتى ومن يملك الحياة والموت

أوضح أن الحياة أصلها من الله وأن من يبقي الحياة بعدم القتل ليس محيياً بل حافظاً، والموت الحقيقي بقضاء الله. وأشار إلى سياق مجادلة إبراهيم مع النمرود في هذا الباب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: سئل العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله: ما الواجب على طالب العلم والعالم تجاه الدعوة إلى الله؟ فأجاب فضيلته بقوله: الدعوة إلى الله واجبة، ويريد واجبة الوجوب الكفائي، وليس الوجوب العيني، إلا في حالات كما سينبه على ذلك. والدعوة إلى الله شرف لأهلها؛ إذ أنها وظيفة الأنبياء. استشعر هذا أيها الداعية إلى الله أنك تقوم بوظيفة الأنبياء، كل الأنبياء كانوا دعاة إلى الله عز وجل، دعوا قومهم إلى توحيد الله، إلى الفضائل، إلى الطاعة، وآخرهم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأنت كذلك استشعر أنك قائم بوظيفة الأنبياء والمرسلين. قال: فأجاب فضيلته بقوله: الدعوة إلى الله واجبة، كما قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ووجه الشاهد من الآية قوله: ﴿ادْعُ﴾، وهو فعل أمر، ولكن هذا الأمر للوجوب الكفائي كما سيأتي بيانه. قال: وقد جعل الله الدعوة على ثلاث مراتب: الدعوة بالحكمة، يعني القسم من هذه الآية، وبالموعظة، وبالمجادلة. فكيف يستخدم الداعية إلى الله عز وجل المرتبة الأولى؟ ومتى يستخدم المرتبة الثانية؟ ومتى يستخدم المرتبة الثالثة؟ قال رحمه الله: لأن من تدعوه إما أن يكون لا علم عنده، ولا منازع عنده، ولا مخالفة. انظر الداعي أو المدعو، بل المدعو جاهل، جاهل بسيط، لا جهل مركب، وعنده قبول لما يلقى إليه، وما عنده مخالفة، يحتاج لأن يرجع عنها بموعظة أو غير ذلك. لذلك فهو كالأرض الخصبة، متى ما نزل عليها الماء أنبتت الكلأ والعشب الكثير. فهذا يدعى بالحكمة، أن يُعطى من العلم ما يستوعبه وما يستفيد منه بالتدرج، وبوضع الشيء في موضعه. هذا الأول، ولذلك قال: والحكمة هي بيان الحق، وحكمة الحق إن تيسر لك، يعني تبين له الحق بالأسلوب الأمثل والأحسن والأيسر حتى يقبل دين الله سبحانه وتعالى. هذه المرتبة الأولى. قال: والموعظة تكون مع من عنده شيء من الإعراض وتوقف عن قبول الحق، يعني ما عنده سرعة استجابة، عنده منازعة، عنده منازعة وإعراض وتوقف، وليست عنده شبه ولا عنده جدل، يسمع وينصت لكن ما هو مثل الأول، الأول يسمع وينصت ويعمل مباشرة بما يقال عليه، وأما هذا الثاني يسمع وينصت لكنه لا يستجيب، يعني لا يقبل مباشرة، عنده شيء من الإعراض، وعنده شيء من التردد والتوقف. قال: فإنك تعظه بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة أخرى، وبهما جميعًا إن اقتضت الحال ذلك، وهو الموعظة. الموعظة تكون بالترغيب والترهيب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. ومن البصيرة أن يستخدم الداعي الله عز وجل الترهيب في موضع الترهيب، والترغيب في موضع الترغيب، أو بهما جميعًا، يجمع بين الترغيب والترهيب. فمثلًا: أتيت عند أناس عندهم تغليب الرجاء، الله غفور رحيم، الله رحيم بعباده، فليس من المناسب أن تدعوهم بالترغيب؛ لأنهم قد غلبوا هذا الجانب، فأنت تدعوهم بالترهيب، تدعوهم بالترهيب حتى يضعف عندهم جانب الرجاء الذي قد بالغوا فيه. والعكس: أتيت عند قوم غلبوا جانب الترهيب، فهم خائفون وكذلك يائسون قانطون، فأنت تدعوهم بالترغيب. وأما إن أتيت عند قوم لم يغلبوا أحدهما على الآخر، فتدعوهم بهما جميعًا، بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى. فهذه هي الموعظة الحسنة. وأنت إذا نظرت في القرآن، فإنه في مواضع كثيرة يجمع الله عز وجل بين الترغيب والترهيب، وهذا هو الأصل؛ لأن المؤمن ينبغي أن يكون بين الترغيب والترهيب: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. لكن قد تأتي عند أناس عندهم من الجهل فلم يأخذوا بهذا الأمر، وهو عبادة الله عز وجل بالرغبة والرهبة، فلا بأس أن تغلب في الوعظ أحدهما على الآخر. هذا كله راجع إلى بصيرة الداعية، وإلى فطنته وحنكته وحكمته. قال: والمجادلة تكون مع من عنده إعراض ومنازع في الحق، يعني تدعوه لا يسكت لك، يجادل. لا مثلا تدعوه إلى أن يترك الشرك بالله عز وجل، قل لهذا الميت لا ينفع ولا يضر، كيف تدعو من دون الله؟ فهو يعارضك وينازعك، قل: لا، هؤلاء صالحون، هؤلاء يعني شفعاء، هؤلاء صلحاء، فنحن المذنبون المقصرون، فهم يشفعون لنا عند الله. فهذا يحتاج إلى مجادلة بالتي هي أحسن. فتقول له مثلا: قد شبهت الخالق بالمخلوق، فهذا الواسطة والشفاعة إنما هي في حق المخلوق: ﴿اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ﴾، أما في حق الخالق فهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، إذا سألك عبادي ما فرق بين العبد الصالح وبين العبد العاصي، فالله عز وجل يستجيب لعبده إذا دعاه، والآيات في هذا كثيرة. فهذا يحتاج إلى مجادلة بالتي هي أحسن؛ لأن عنده إعراض ومنازعة، بخلاف الأول والثاني. قال: والمجادلة تكون مع من عنده إعراض ومنازعة في الحق، فإنك تجادل بالتي هي أحسن من القول، أو بالتي هي أحسن بالإقناع. ثم ذكر مثالًا في القرآن الكريم فيه المجادلة بالتي هي أحسن، وهي قصة إبراهيم مع ذلكم نمرود الذي كفر بالله العظيم وجادل وخاصم. قال: وانظر إلى مجادلة إبراهيم عليه السلام مع الذي حاجه في ربه، قال الله عن ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 258]. قال: وكيف هذا، يعني كيف أنه يحيي ويميت؟ انظروا مجادلة بالباطل، هذا المسكين الذي ادعى الربوبية وهو الإحياء والإماتة، فإن الإحياء والإماتة من أفعال الله عز وجل، فادعى ذلكم الكافر المجادل فقال: أنا أحيي وأميت. ذكر أهل التفسير أن مراده بالإحياء والإماتة ما ذكره الشيخ هنا. قال: وكيف هذا؟ قال: يؤتى بالرجل مستحقًا للقتل فلا يقتله، وهذا بزعمه إحياؤه. إنسان حكم عليه بالقتل، فلا يُقتل، قال: لا لا تقتله، قال: أنا أحييته. انظر إلى المجادلة والمخاصمة. ويؤتى بالرجل لا يستحق القتل فيقتله، ما عنده شيء، لا يستحق القتل فيقتله، يقول: أنا قتلت هذا. قال: وهذا بزعمه إماتته. قال: يمكن أن يجادل هذا بأن يقال: إنك إذا أوتيت بالرجل المستحق القتل فلم تقتله، إنك ما أحييته، إنك ما أحييته؛ لأن الحياة موجودة فيه من قبل، هو حي أصلًا. هل أنت بدأت حياته؟ هل أنت بدأت حياته؟ هل أنت بدأت حياته حتى تقول أنك أحييته؟ فهذه مجادلة بالباطل. ولذلك قال: إنك ما أحييته؛ لأن الحياة موجودة فيه من قبل، ولكنك أبقيت الحياة بعدم قتله، هو حي أصلًا، فأنت أبقيت حياته لأنك ما بدأت خلقه، فالذي بدأ الخلق ثم يعيده هو الله سبحانه وتعالى. قالوا: يمكن تقول إنه إذا قتل من لا يستحق القتل إنه لم يمته، وإنما فعل سببًا يكون به الموت، فمن الذي أمات هذا الميت بهذا السبب حقيقة؟ هو الله عز وجل، هو الله سبحانه وتعالى. فهذه مجادلة بالباطل. وسيأتي كذلك من كلام الشيخ هذه المجادلة، ما يتعلق بمحاجة إبراهيم لهذا النمرود، فنترك ذلك إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى شكرا.