التعليق على كتاب العلم  23

التعليق على كتاب العلم 23

الدرس في التعليق على كتاب العلم 23، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

المثابرة والتواضع للعلم: ابن عباس والإمام الشافعي

يستعرض المحور أهمية المثابرة والصبر على طلب العلم من خلال قصة ابن عباس رضي الله عنه وهو يتوسد رداءه على أبواب العلماء، واجتهاد الإمام الشافعي رحمه الله في استنباط أكثر من ألف فائدة من حديث واحد في ليلة واحدة، مقدمًا طلب العلم على صلاة النافلة، ومؤكدًا أن التواضع للعلم سبب لرفعة الله للعالم.

أحوال السلف في إحياء الليل واستغلال الأوقات

يسلط المحور الضوء على نماذج السلف الصالح في شدة الحرص على الوقت، كابن أبي حاتم وأقرانه الذين كانوا يكتبون بالنهار وينسخون بالليل حتى فاتهم طعامهم، وجد ابن تيمية الذي يُقرأ عليه في الخلاء، وابن عقيل الذي ساف الطعام لتوفير وقت المضغ، وابن تيمية الذي طالع أكثر من مئة تفسير لمسألة، وابن الجوزي الذي استغل مجالسه في تهيئة أدوات الكتابة.

العبرة بالنملة والتوجيه بالتفاؤل وعدم اليأس

يختتم الدرس بقصة الكسائي الذي تعلم المثابرة من نملة تحمله على عدم اليأس، محذرًا من القنوط ومبينًا بركة العلم في المساجد والحلقات، مع الحث على التفاؤل وإعداد النفس لاستقبال الخير، مختتمًا بالتنويه إلى أن الترجمة من عمل نانسي قنقر.

  • 29 جمادى الأولى 1435هـ - 30/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، في ذكره للأمر الثاني من الأسباب المعينة على طلب العلم، وهو المثابرة والاستمرار على طلب العلم، ثم قال رحمه الله تعالى: "وللسلف الصالح قضايا مشهورة في المثابرة على طلب العلم، حتى أنه يروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل: بما أدركت العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، وبدن غير مأول". وهذا مما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم: أن يسأل عما أشكل عليه، وأن يعقل عما يلقى إليه، وأن يصبر ولا يمل من الطلب والاستمرار فيه. والشاهد منه: "بدن غير مأول". مأول: يعني من الملل. مأول من الملل، يعني لا يمل من طلب العلم، ولا يفتر من الاستمرار في طلب العلم. قال: "وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتي بابه وهو قائل". ومعنى "قائل": يعني نائم، وقت القيلولة، وتكون قبل الظهر. قال: "وهو قائل، فأتوسد رداء على بابه". يتوسد بالرداء، وهو منتظر لهذا العالم أن يخرج ليستفيد منه وليسأله. فانظروا: يتوسد الرداء على الباب، أي صبر. ما في مكيف، وما في كذلك جدران تقيه من هبوب الريح وما تحمل من الأتربة. صبر. "فأتوسد رداء على بابه". هنا مكتوب: "تسفر الريح علي من التراب"، والذي جاء في هذا الأثر كما عند... أو كما في كتاب "الفقيه والمتفقه": "تسفي الريح علي من التراب". "تسفي": ومعنى "تسفي" يعني تحمل الأتربة، فيقع هذا التراب علي. قال: "فيخرج فيقول"، يعني يخرج هذا العالم فيقول: "يا ابن عمي رسول الله، ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟" فأقول: "أنا أحق أن آتيك"، فأسأله عن الحديث. وهذا الأثر أثر صحيح عن ابن عباس، تناقله أهل العلم، وله بداية، والشيخ هنا اختصر. وإلا فأول هذا الأثر: أن ابن عباس ذهب إلى رجل من الأنصار، شاب في سنه من الأنصار، فقال له: "قم لنطلب العلم عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". فقال هذا الأنصاري: "يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إلينا وإليك، وفيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كيف أنت ترى تطلب العلم، والصحابة متوافرون؟ الناس لا يحتاجون إلينا". فتركه ابن عباس، واجتهد في طلب العلم كما جاء في هذا الأثر: كان يتوسد... كان يتوسد رداءه على باب ذلكم العالم، فتأتي الريح فتسفي التراب عليه، حتى يخرج ذلك العالم... حتى يخرج ذلك العالم. وفي آخر هذا الأثر: أن ذلكم الأنصاري رأى فيما بعد ابن عباس، وقد اجتمع عليه الناس، وقد احتاج الناس إلى علمه. فقال هذا الأنصاري: "لقد كان هذا الفتى أعقل مني، لقد كان هذا الفتى أعقل مني". لماذا؟ لأنه ذهب واجتهد في طلب العلم، وذلكم الشاب الآخر الأنصاري ترك طلب العلم، فتحسر على ما فاته من ذلك... من ذلكم العلم والخير، من ذلكم العلم والخير. قال: فابن عباس رضي الله عنه تواضع على العلم، فرفعه الله به. ولم يتكل ابن عباس على دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا له: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". فما قال: "هذه دعوة من الرسول"، وجلس في بيته. وإنما كان كما سمعتم: جد واجتهاد، وصبر ومثابرة على طلب العلم، وعلى تحصيله. قال: "وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يثابر المثابرة الكبيرة". ويروى أيضًا عن الشافعي رحمه الله أنه استضافه الإمام أحمد ذات ليلة، فقدم له العشاء، فأكل الشافعي، ثم تفرق الرجلان إلى منامهما، يعني عند الإمام أحمد. قال: فبقي الشافعي رحمه الله يفكر في استنباط أحكام من حديث، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟". وفي الصحيحين من حديث أنس: "أبا عمير كان معه طائر صغير يسمى النغير، فمات هذا الطائر، فحزن عليه الصبي". يعني كان يلعب به، فمات هذا الطائر، فحزن ذلكم الصبي. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداعب الصبيان، ويكلم كل إنسان بما يليق به. فظل طول الليل يستنبط من هذا الحديث، ويقال إنه استنبط منه أكثر من ألف فائدة. سبحان الله! انظروا إلى فقه العلماء، وإلى صفاء قلوبهم وعقولهم. حديث كهذا الحديث يستنبط منه ألف فائدة. ربما لو قيل لأحدنا: استنبط عشر فوائد أو خمس فوائد، ما استطعنا. ما ليس كذلك الإمام الشافعي، يستنبط من هذا الحديث ألف فائدة. قال: "ولعله إذا استنبط فائدة جر إليها حديث... إليها حديث آخر، وهكذا حتى تتم". فلما أذن الفجر، قام الشافعي رحمه الله، ولم يتوضأ، ثم انصرف إلى بيته. وكان الإمام أحمد يثني عليه عند أهله، فقالوا له: "يا أبا عبد الله، كيف تثني على هذا الرجل الذي أكل فشرب ونام، ولم يقم، وصل الفجر بدون وضوء؟". فكأنهم أنكروا على الإمام الشافعي هذا الصنيع، والإمام أحمد يثني عليه. فسأل الإمام الشافعي... سأل الإمام الشافعي عما ذكره هؤلاء. فقال: "أما كوني أكلت حتى أفرغت الإناء، فذلك لأني ما وجدت طعامًا أطيب من طعام الإمام أحمد، فأردت أن أملأ بطني منه". وهذا لا بأس به: من اشتهى طعامًا فأكل منه حتى شبع، على سبيل الحينية، وليس على سبيل الأغلب، فلا بأس. استدل على هذا بحديث أبي هريرة، لما أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام الإناء الذي فيه اللبن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اشرب يا أبا هريرة". وهو يشرب، وقال له: "اشرب". وهكذا حتى قال أبو هريرة: "يا رسول الله، لا أجد له مسلك". ما معنى "لا أجد له مسلك"؟ يعني ما في له وسع، خلاص، البطن امتلأت، البطن امتلأت. فلا بأس أحيانًا أن يشبع الإنسان. وإلا فالأفضل والأغلب الذي ينبغي أن يكون عليه، خصوصًا طالب العلم، أن يأكل قدر الثلث، كما جاء في حديث المقداد: قال عليه الصلاة والسلام: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن، بحسب امرئ لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه". فليس بعيب أحيانًا، مثلاً: طالب علم ما يذوق اللحم، فعزمه إنسان وقدم له لحم، فرصة لا بأس أن يشبع، مدام الخير موجود، أو قدم له أكل يشتهي، فلا بأس. فهنا قال الإمام الشافعي: "أما كوني أكلت حتى أفرغت الإناء، فذلك لأني ما وجدت طعامًا أطيب من طعام الإمام أحمد، فأردت أن أملأ بطني منه. وأما كوني لم أقم لصلاة الليل، فإن العلم أفضل من قيام الليل". وهذا أمر مشهور عن الإمام الشافعي، أنه يفضل طلب العلم على صلاة النافلة، على صلاة النافلة. وهذا ليس على سبيل الغالب، فطالب العلم يجعل له حظًّا من قيام الليل، فيجمع بين العلم والعبادة. قال: "وقد كنت أفكر في هذا الحديث"، يعني حديث: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟". قال: "وأما كوني لم أتوضأ لصلاة الفجر، فكنت على وضوء من صلاة العشاء، ولا أحب أن أكلفهم بماء الوضوء، أو الوضوء". وإلا فالوضوء أفضل، الوضوء لكل صلاة أفضل، لما جاء في الأحاديث من فضل الوضوء، من تساقط الخطايا، وغير ذلك من الأحاديث التي جاءت في فضل الوضوء. لكن الإمام الشافعي لم يفعل ذلك، ولم يتوضأ حتى لا يكلفهم بماء الوضوء. الشاهد من هذا الحديث: مثابرة الإمام الشافعي، وكذلك إحياؤه للليل طلبًا للعلم، مستخرجًا لفوائد هذا الحديث. والله تعالى أعلم. قال: "أقول: على كل حال، والمثابرة على طلب العلم جاءت نقولات كثيرة عن سلفنا الصالح، حتى لما تقرأ تلك الآثار تقول: هؤلاء ليسوا من البشر، لما أوتوا من نشاط وجد ومثابرة واجتهاد في طلب العلم". جاء عن ابن أبي حاتم رحمه الله أنه هو وبعض أقرانه كانوا يطوفون على المشايخ، يقرأون عليهم، فيكتبون بالنهار وينسخون بالليل. قال: "فذهبنا ذات مرة عند شيخ، فقالوا: هو عليل، يعني مريض، يعتذر عن الدرس". قال: "فوجدناها فرصة، فرأينا سمكة، فاشتريناها". اشتهوا أكل سمكة، فاشتروها. قال: "فذهبنا بها، فحان وقت درس لشيخ آخر". قال: "فذهبنا وتركناها، وجلست حتى كادت أن تنتن". يعني كادت أن تتعفن. لم يجد وقتًا لطبخها، لم يجد وقتًا لطبخها. جد واجتهاد في النهار يطوفون على مشايخ الحديث والعلم، وفي الليل ينسخون ويقابلون ما كتبوه، فلم يجدوا وقتًا لطبخ وطهي هذه السمكة. وهكذا جاء عن ابن رجب يحدث عن ابن القيم رحمه الله أنه قال: "حدثني أخ شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله عن الجد، يعني جدهم صاحب المنطقة، أنه كان يقول له، يعني يقول لأخي شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا دخل الخلاء، اقرأ علي هذا الكتاب، انظر في هذا الموضع". ما يريد أن يضيع وقته. هذا الكتاب يقول... يقول لأحد أولاده: "اقرأ علي هذا الكتاب"، فيقرأ عليه. قال ابن رجب: "يريد أن لا يضيع من وقته شيء، يريد أن لا يضيع من وقته شيء". وهكذا جاء عن أبي الوفاء بن عقيل أنه كان يختار سف الطعام، يعني تبليله بالماء وإدخاله بدون مضغ، بدون مضغ. قال: "لما بينهما من الفرق، يعني بين مضغ الطعام وسف الطعام، فإن المضغ يحتاج إلى زيادة وقت، وأما السف فبمباشرة تدخل إلى المعدة". فمن أجل هذا الفارق اختار سف الطعام على مضغه رحمه الله، فألف أعظم كتاب يسمى كتاب "الفنون"، كما قال بعض أهل العلم: لا يوجد كتاب أضخم وأكبر منه، وأكبر منه. وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله يحدث عن نفسه أنه طالع وراجع أكثر من مئة تفسير من أجل مسألة، يريد أن يقف عليها، وهي مسألة: هل جاء عن الصحابة تأويل في بعض الصفات؟ قال: "فطالعت أكثر من مئة تفسير، فلم أجد ذلك عنهم رضي الله تعالى عنهم". يعني ما عليه الجهمية، الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية من تأويل الصفات، لم يأتي ذلك عن أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طالع أكثر من مئة تفسير. انظروا إلى الجد والاجتهاد والمثابرة في طلب العلم. وهكذا ابن الجوزي يحدث عن نفسه في "صيد الخاطر" أنه وجد في زمان كانوا يجتمعون بما يقع بين الناس من القيل والقال. فقال: "ما أريد أن أقطع هذه المجالس من أجل الوحشة، حتى لا يقع بيني وبين الناس وحشة، ولا أريد أن أجلس معهم لما في ذلك من ضياع الأوقات والأزمان". فقال: "كنت إذا اجتمعت بهم أقصر الكلام"، يعني ما يتكلم كثير، حتى ما يجلسون عنده كثيرًا. قال: "وكنت أقطع الأوراق وأبرئ الأقلام وأرص الأوراق". قال: "لأن هذه الأعمال ما تريد ذهنًا فارغًا، فيجمع بين أن يتكلم مع الناس، ويستغل هذا الوقت فيما يحتاجه في سيره العلمي، من ماذا؟ قص الأوراق، وبرء الأقلام، وكذلك رص الأوراق". فانظروا، فانظروا كيف حرص على وقته، وعلى كذلك زمنه، حتى لا يضيع منه شيء، حتى لا يضيع منه شيء. قال: "أقول: على كل حال، إن المثابر في طلب العلم أمر مهم. فلننظر في حاضرنا الآن: هل نحن على هذه المثابرة؟ لا". أما الذين يدرسون دراسة النظامية، إذا انصرفوا من الدراسة ربما يلتهون بأشياء لا تعين على الدرس. ويريد بالدراسة النظامية: يعني المدارس، دراسة المدارس الحكومية النظامية. قال: "وإني أضرب مثلًا أن لا يكون، وأن لا يوجد له نظير: أحد الطلب في بعض المواد أجاب إجابة سيئة، فقال المدرس: لماذا؟ فقال: لأني قد أيست من فهم هذه المادة، فأنا لا أدرسها، ولكن أريد أن أكون حاملًا لها". كيف اليأس؟ وهذا خطأ عظيم. يجب أن نثابر حتى نصل إلى الغاية. ولذلك هذه المدارس ما فيها بركة كبركة الدراسة في المسجد، وفي حلقات العلم والقرآن، لمن أراد العلم النافع، العلم الشرعي. أما من أراد الدنيا، فهذه المدارس يوجد فيها ذلك. قال: "وقد حدثني شيخنا المثابر عبد الرحمن السعدي رحمه الله أنه ذكر عن الكسائي، إمام أهل الكوفة في النحو، أنه طلب النحو فلم يتمكن. وفي يوم من الأيام وجد نملة تحمل طعامًا لها وتصعد به إلى الجدار، وكلما صعدت سقطت، ولكنها ثابرت حتى تخلصت من هذه العقبة وصعدت الجدار. فقال الكسائي: هذه النملة ثابرت حتى وصلت الغاية، فثابرت حتى صار إمامًا في النحو". هذا المنظر أثر فيه: نملة معها طعام تريد تصعد الجدار، تسقط، تسقط، تسقط، ما يئست، وما يعني تركت الصعود، وإنما حاولت، حاولت، حاولت، حتى تعدت هذه العقبة، فتجاوزت هذا الطلوع. فأثر هذا الموقف في الكسائي، والكسائي مشهور من أئمة اللغة، من أئمة اللغة. فانظروا إلى المثابرة. قالوا: "لهذا ينبغي لنا، أيها الطلب، أن نثابر ولا نيأس، فإن اليأس معناه سد باب الخير، وينبغي لنا ألا نتشاءم، بل نتفاءل، وأن نعد أنفسنا، وأن نعد أنفسنا خيرًا". طيب، نكتفي بهذا إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر