الدرس في التعليق على كتاب العلم 44، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن ابن عثيمين وجوب معاملة المخطئين بالحكمة والرفق لا بالهجر المطلق، مستشهداً بتأثير جماعة التبليغ بحسن أخلاقهم. ثم يوضح أن العلماء كابن باز وابن عثيمين حذروا لاحقاً من الخروج معهم لانحرافهم العقدي والمنهجي رغم حسن خلقهم.
أجمع علماء أهل السنة كابن باز وابن عثيمين والألباني على التحذير من جماعة التبليغ لعدم إنكارهم الشرك ومشاركتهم فيه بحجة الدعوة. اعتبروهم فرقة مبتدعة ضالة لا يجوز الخروج معهم لرفضهم النصح وانحرافهم المنهجي.
يؤكد ابن عثيمين أن طلبة العلم يجب أن يعاملوا العصاة برفق ولين وحكمة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأن الخشونة تنفرهم من الدين. الواجب على الداعية الجمع بين الغيرة والحكمة، فيعرف مواضع الشدة مع المعاندين ومواضع اللين مع عامة العصاة لتحقيق مقصود الدعوة.
يُختتم الدرس ببيان أن ما ذُكر هو المقصود من كلام الشيخ، مع الدعاء للجميع بالتوفيق والحمد لله. يُكتفى بهذا القدر مع تفويض العلم لله تعالى.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فقد سئل العلامة ابن العثيمين رحمه الله تعالى، كما في كتابه "كتاب العلم"، السؤال الرابع: يختلف الكثير من طلبة العلم في معاملة أهل المعاصي، فما التوجيه الصحيح؟ جزاكم الله خيرًا. فأجاب رعاه الله تعالى: نقول: هذه المسألة، وهي أن بعض طلبة العلم إذا رأوا المنحرف خلقيًا أو فكريًا أو عمليًا يكرهونه، ويتخذون من هذه الكراهة نفورًا منه وبعدًا عنه، ولا يحاولون أبدًا أن يصلحوا، إلا من شاء الله من طلبة العلم. وهذا السؤال فيه تصحيح لخطأ بعض طلبة العلم، ولذلك قال هنا: "ولا يحاولون أبدًا أن يصلحوا إلا من شاء الله من طلبة العلم". فبعض طلبة العلم موفقون مسددون في دعوتهم، يحكمون يعاملون المخطئ بحسب خطئه، ويسترشدون في ذلك بكلام أهل العلم. وبعض طلبة العلم عنده خلل، وعنده كذلك خطأ في معاملة المنحرف، سواء كان خلقيًا من أهل المعاصي، أو فكريًا من أهل الأفكار المنحرفة، أو عمليًا؛ أي ممن قد خالف عمله هدي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "إلا من شاء الله من طلبة العلم الذين أنار الله قلوبهم، ويرون أن هجره وكراهته والبعد عنه والتنفير منه يرون ذلك قربة". وهذا لا شك أنه خطأ. يعني: ليس المراد أنه لا يهجر مطلقًا المنحرف، ولكن لا يتوسع في هذا الباب، ويضيق مسألة أو تضيق مسألة هجر المخالف أو هجر العاصي أو إلى غير ذلك؛ لأن هذا الأمر يرجع فيه إلى المصلحة، يرجع فيه إلى المصلحة وإلى استشارة كذلك أهل العلم. فلا يتوسع في هذا الباب؛ فإنك إن فعلت ذلك خسرت أهل مجتمعك، ولم تستطع دعوة العاصي ولا دعوة المخالف. فلذلك ينبغي عليك أن تعتدل في هذا الأمر، وأن تستشير أهل العلم والفضل. قال: وهذا لا شك أنه خطأ، وأن الواجب على طلبة العلم أن ينصحوا، وينظروا: كم من إنسان في غفلة، فإذا نصح استجاب. خصوصًا أهل المعاصي؛ فإن الغالب أنهم أهل غفلة وشهوة، لا أهل عناد، ولا أهل محاربة لدين الله عز وجل، ومشاكسة للدعاة إلى الله، وإنما هم مع شهواتهم. فهؤلاء لو وجدوا كلمة طيبة وأسلوبًا حسنًا، لو وجدوا كلمة طيبة وأسلوبًا حسنًا ورحمة ولطفًا ولينًا، لربما كنت سببًا في هدايتهم، وفي رجوعهم إلى الجادة والصواب. قال: وما أشد تأثير جماعة أهل الدعوة الذين يسمون أنفسهم أهل الدعوة والتبليغ، يشير إلى جماعة التبليغ. ما أشد تأثيرهم على الناس، وكم من فاسق اهتدى فأطاع، وكم من كافر اهتدى فأسلم على أيديهم؛ لأنهم وسعوا الناس بحسن الأخلاق. فلذلك نحن نسأل الله أن يجعل إخواننا الذين آتاهم العلم أن يطعمهم من أخلاق هؤلاء حتى ينفعوا الناس أكثر. وإن كان يؤخذ على جماعة الدعوة والتبليغ ما يؤخذ، لكنهم في حسن الخلق والتأثير بسبب أخلاقهم لا أحد ينكر فضلهم. وقد رأيت كتابًا للشيخ ابن باز، الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، وجهه إلى شخص كتب إليه ينتقد هؤلاء الجماعة، فقال في جملة رده: "أقل عليهم، لا أبا لأبيكم، من اللوم، أو سد المكان الذي سدوا". وكلام الشيخ ابن العثيمين في هذا المقام: أولاً: أن كلامه على هذه الجماعة في هذا الموضع قبل أن يتبين له ما عند القوم من مزالق ومن انحرافات ومن أخطاء، هذا أمر. ومما يدل على هذا ما سنقرؤه عليكم من بعض فتاوى الشيخ ابن العثيمين، وكذلك الشيخ ابن باز، في تحذيرهما من هذه الجماعة، ونصحهما بعدم الخروج مع هذه الجماعة، هذا أمر. الأمر الثاني: أن هؤلاء وإن تصنعوا الأخلاق وأثروا بعض التأثير، إلا أن من أثروا عليه ينضم معهم على بدع وعلى منهج منحرف، فما الفائدة في كونه خرج من معصية إلى بدعة، أو خرج من فسق إلى محدثة؟ وهكذا الشيخ ابن باز عليه رحمة الله، له فتوى يؤيد فيها من ذهب إلى عدم الخروج مع هذه الجماعة. فيحمل، فيحمل ما ذكره العلامة ابن العثيمين في هذا الموضع على أنه قبل أن ينقل إليه ما عند هذه الجماعة من الانحرافات. وإن قال هنا: "وإن كان يؤخذ على جماعة الدعوة والتبليغ"، فالمؤاخذات التي عليهم ما تسعف في عذرهم، وفي استمرارهم على ما هم عليه من هذه الدعوة. وقد ألف العلماء المؤلفات في التحذير من هذه الجماعة، ومنهم: هذا المؤلف "جماعة التبليغ في شبه القارة الهندية: تعريفها وعقائدها" لأبي أسامة سيد طالب الرحمن، وقد نقل في آخر هذا الكتاب فتاوى هؤلاء العلماء في تحذيرهم من هذه الجماعة. وكذلك للشيخ التويجري رحمه الله كتاب كذلك يحذر من هذه الجماعة ويبين أخطاءها وظلالاتها، سماه "القول البليغ للتحذير من جماعة التبليغ". فهذا العلامة ابن باز عليه رحمة الله سُئِل عن الخروج مع هذه الجماعة، فقال: "جماعة التبليغ ليس عندهم بصيرة في مسائل العقيدة، فلا يجوز الخروج معهم إلا لمن لديه علم وبصيرة بالعقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة، حتى يرشدهم وينصحهم". وهذا لا يتأتَّى مع هذه الجماعة؛ لا يحبون خروج العلماء معهم، ولا خروج طلبة العلم معهم، ولا خروج من صحت وسلمت عقيدته معهم، ولا يقبلون النصح. فهم ربما يقعون في الشرك بحجة الدعوة والتبليغ، ولربما طافوا حول القبور من أجل أن يحسنوا أخلاقهم مع الناس وأن يقبل هؤلاء منهم، ولا ينبهونهم على هذا الشرك الصراح الذي وقعوا فيه. ثم قال الشيخ ابن باز عليه رحمة الله: "حتى يرشدهم وينصحهم ويتعاون معهم على الخير؛ لأنهم نشيطون في عملهم، لكنهم يحتاجون إلى المزيد من العلم، وإلى من يبصرهم من علماء التوحيد والسنة". فكم بصرهم علماء التوحيد والسنة، وكم كتبوا لهم الرسائل يحذرونهم من منهج هذه الجماعة: الشيخ الفوزان، والشيخ كذلك التويجري، والمشايخ المعاصرون: الشيخ ابن العثيمين، والشيخ كذلك الألباني، والشيخ مقبل، وغيرهم من المشايخ. وترسل لهم هذه الرسائل، وهم مستمرون على هذه الفكرة، وعلى هذه الدعوة المخالفة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا سئل العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في قوله، أو سئل في خروج البعض مع هذه الجماعة، فقال: نعم، سئل عن الخروج مع هذه الجماعة، فقال رحمه الله تعالى: لما سئل عن الصفات الست وما عند هذه الجماعة، قال: "هذه الصفات الست التي يدعو إليها جماعة التبليغ لا شك أنها صفات حسنة حميدة، ولكنها ليست هي الصفات التي تنحصر فيها صفات الداعين والمدعوين إلى الله عز وجل، بل هم تركوا صفات عظيمة أعظم مما دعوا إليه، أو أعظم من بعض ما دعوا إليه. ولكن هذا اجتهاد منهم. ولهذا كتبنا إلى بعض الناس أن هذه الدعوة قاصرة، وأنه يجب أن يركزوا دعوتهم على ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم دينًا لنا، وهو ما دل عليه حديث عمر، أي حديث عمر في سؤال جبريل النبي عليه الصلاة والسلام عن ماذا؟ عن أركان هذا، أو عن مراتب هذا الدين: الإسلام والإيمان والإحسان". ثم قال في موضع آخر: "قد بلغني عن زعماء لهؤلاء الجماعة في الأقطار الإسلامية خارج بلادنا أنهم على انحراف العقيدة، فإذا صح هذا فإن الواجب الحذر منهم". وهل صح أن عندهم انحراف العقيدة؟ لا شك ولا ريب، الانحراف في العقيدة موجود عند هؤلاء. فمن أعظم انحرافهم أنهم لا ينكرون على من يعمل الشرك الصراح، لا ينكرون، ويعتبرون هذا من أمراض الأمة، من أمراض الأمة. فهم مستعدون أن يجلسوا مع من يدعو القبر، أو يطوف حوله، أو يستغيث به، ولا ينكرون عليه. وهذا انحراف عظيم؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فأقل شيء: إن لم يستطيعوا أن يغيروا بأيديهم أو بألسنتهم، أن يفارقوا هذه المجالس ولا يجلسوا فيها، فهذا أقل مراتب الإنكار. ولكن هؤلاء، وقد ذكر الشيخ الألباني قصة في بعض أشرطته: أن جماعة من هؤلاء أتوا على قوم يطوفون حول القبر، فتشاوروا فيما بينهم: كيف نصنع الآن؟ كيف ندعو هؤلاء؟ فقال لهم أحدهم: نطوف معهم حتى يقبلون، نطوف معهم ثم ندعوهم، نطوف معهم ثم ندعوهم. فطافوا معهم، وقعوا في الشرك بالله سبحانه وتعالى بحجة ماذا؟ الدعوة إلى الإسلام. فأي إسلام بعد وقوع هؤلاء في الشرك والعياذ بالله؟ ولذلك نبَّه أكثر من واحد على أن جماعة التبليغ في عهد هؤلاء العلماء في المملكة خاصة كان معهم بعض، ربما طلاب العلم المبرزين، طلاب العلم المبرزين، وكانوا على عقيدة صحيحة. فلذلك يختلف هؤلاء من بلد إلى أخرى. فبلاد الحرمين ونجد والحجاز وما حولها قد ساد فيها التوحيد، ولكن عندهم من بدع هذه الجماعة، ويخرجون خارج المملكة ويتشربون بفكر هذه الجماعة حتى ساء حالها. ونبَّه على هذا العلامة ابن باز عليه رحمة الله، فقال رحمه الله تعالى: "قال لنا فيهم كلام، ولنا فيهم كلام. واحد على حسن ما بلغنا عنهم، قال: كان معهم أخونا يوسف الملاحي، وكان معهم إسماعيل بن عتيق، كان معهم جماعة، سعد الحصين، ثم سعد الحصين تغير وكتب عنهم خلاف ذلك. فالمعلومات عنهم تنوَّعت، لكن استقر الأمر أن عندهم بعض الجهل في العقيدة، لما بلغنا عنهم من جهة الثقات". وهكذا الشيخ سعد الحصين، لما تحقق أخيرًا كتب عليهم، والشيخ حمود التويجري. نحن نقول: الذي يخرج معهم إن كان قصده الخير، وهو من أهل العلم، يرشدهم ويعلمهم ويوجههم إلى الخير، لعل الله يهديهم؛ لأن عندهم نشاط، عندهم تحمس، عندهم صبر. حبَّذ، وإلا لا يخرج معهم. وهل هذا الشرط متحقق معهم أبدًا؟ هذا شرط عدمي، لا يمكن طالب علم أو عالم يخرج معهم وينصحهم ويوجههم؛ فهم لا يقبلون. وقد نصحهم كبار أهل العلم، وكتبوا لهم التوجيهات والنصائح، فهم أهل هوى، وأهل عناد، وأهل إصرار على ما هم عليه من انحرافات، ومن ضلالات، ومن بدع. فلذلك اتفقت كلمة علماء أهل السنة والجماعة على التحذير من هذه الجماعة، وعدم الخروج معها؛ لا يجوز الخروج معها لأنها فرقة مبتدعة ضالة منحرفة، كما سمعت من كلام أهل العلم. ويريد الشيخ ابن العثيمين من هذا أن بعض طلبة العلم الذين قد يقعوا في قسوة وفي معاملة سيئة مع بعض أهل المعاصي، وبعض أهل كذلك الانحراف الخلق أو الفكر أو إلى غير ذلك، ممن هو ليس بمعاند وليس بصاحب هوى، وإنما يريد من يأخذ بيده، يريد من ينصحه، يريد من يوجهه. فينبغي لطلبة العلم أن يتعاملوا معه برفق ولين وحكمة ورحمة، لعل الله عز وجل أن يهديه، وأن يوفقه إلى إرجاعه إلى جادة الحق والصواب. ثم قال: وحسن الخلق لا شك أن له تأثيرًا عظيمًا في استجابة الناس للداعي. أما إذا رأوا الإنسان خشنًا، فإنهم يسبونه ويذمونه على ما فيه من الأخلاق الشرعية. تجدهم مثلًا يسبونه على لحيته، واللحية أخلاق شرعية، بل هي واجبة. لكن لماذا؟ لأنه تعامل معهم معاملة سيئة، فعاملوه هذه المعاملة السيئة، وهم جهال. فمن جهلهم ربما ينالون من بعض الأمور الشرعية التي التزمها هذا الداعية، فيقعون في هذا الأمر العظيم. قال: ويسبونه على تقصير الثوب، مع أنه من السنة. ويسبونه على المشي حافيًا. لماذا؟ لأنه ليس حسن الأخلاق مع الناس، لا يدعو بالأخلاق، وإنما يدعو بالجفا والغلظة، ويريد أن يصلح الناس كلهم في ساعة واحدة. وهذا خطأ، لا يمكن أن يصلح الناس، أو يصلح الناس في ساعة واحدة أبدًا. أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس، وفي النهاية أخرج من مكة حين تآمر عليه؟ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30]، ليثبتوك: يعني ليحبسوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك. وهي لا شك أعمال عظيمة، وكذلك أخلاق سيئة من هؤلاء مع نبيهم عليه الصلاة والسلام. ومع هذا صبر عليهم. بل أتاه ملك الجبال بعدما دعا أهل الطائف وردوا دعوته واستهزأوا به، فقال له: «لقد أرسلني الله إليك لتأمرني بما شئت، ولو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا». انظر إلى الرحمة المهداة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من تقم لنفسه مع ما لاقى من هؤلاء من الأذى ومن الابتلاء، ومع هذا صبر عليه الصلاة والسلام. ألا فلنقتد بنبينا عليه الصلاة والسلام، ولنتعامل مع الناس بالحسنى بالضوابط الشرعية. قال: فلا يمكن أن تصلح الخلق بمجرد دعوة أو دعوتين، لا سيما إذا لم تكن ذائقًا بينهم. لكن اصبر وأطل النفس، وادعُ بالحكمة وأحسن الخلق، وسيتبين لك الأمر فيما بعد. بالصبر والاستمرار في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ترى الثمار، ترى الثمار. فلا تكن مستعجلًا، ولا تكن كذلك يعني ذا خلق سيء مع من تدعوه. قال: ولشك أن حسن المنطق له تأثير عظيم. ويحكى أن رجلًا من أهل الحسبة، يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أهل الحسبة، مر على فلاح يسني إبله، يعني يطعمها، وكان في أذان المغرب، وكان هذا الفلاح يغني؛ لأن الإبل إذا سمعت الغناء تمشي كأنها مجنونة، يسمونه الحذو، يحذو للإبل فتسرع بهذا الحذو، قال: لأنها تطرب. فكان يغني غافلًا ولا يسمع الأذان. فتكلم عليه رجل الحسب بكلام شديد، قال له: "أي صاحب الإبل"، يعني لما رأى شدة هذا المنكر عليه وفضاضة ألفاظه. قال له صاحب الإبل: "سوف أغني وأستمر في الغناء، وإذا ما ذهبت فالعصا لمن عصى". قال: "لا، اذهب من عندي، وإن ما تذهب سآتي لك بالعصا وسأضربك بهذه العصا". يقول هذا الكلام بسبب أنه جاءه بعنف. فذهب صاحب الحسبة إلى الشيخ القاضي، وقال له: "أنا ذهبت لفلان وسمعته يغني على إبله والمؤذن يؤذن المغرب، ونصحته فلم يستجب". فلما كان من الغد، ذهب الشيخ القاضي إلى مكان صاحب الإبل في الوقت نفسه، فلما أذن جاء إلى الفلاح وقال له: "يا أخي، أذن المؤذن، فعليك أن تذهب وتصلي، فإن الله يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132]". انظر إلى هذا الأسلوب: كلمات طيبة، كلمات فيها من الرحمة، وفيها من الأدب، وفيها من الشفقة. فماذا؟ فقال صاحب الإبل: "جزاك الله خيرًا"، ووضع العصا التي يسوق بها الإبل، وتوضأ ومشى معه. وماذا حصل؟ حصل المقصود. أنت ماذا تريد بدعوتك؟ ما مقصودك؟ مقصودك أن يستجيب هذا المدعو لما تدعوه إليه من الخير ومن البر ومن الطاعة، فليكن بأسلوب حسن. قال: أما الأول لو تمادى معه لحصل الشر. ما هو الشر؟ تضارب معه بالعصا، كان التفاهم بالعصا، قال: وترك الخير. ولكن الثاني أتاه بالتي هي أحسن، فانقاد تمامًا. فلذلك أقول: إن بعض طلبة العلم يكون عنده غيرة، لكن لا يحسنون التصرف. والواجب أن الإنسان يكون في تصرفاته على علم وبصيرة، وعلى قدر كبير من الحكمة. والحكمة كما تقدم هي وضع الأمور مواضعها. فليس معنى هذا أنك لا تشد على مبتدع، وعلى صاحب هوى، وعلى ظالم، وعلى عاص معاند ومحارب. وإنما الكلام على عامة العصاة، وعامة المنحرفين، الذين لو وجدوا إنسانًا وداعية محنكًا حكيماً حليماً ليناً هيناً معهم، لاستجابوا له، ولا ماذا؟ استقاموا وانقادوا لشرع الله سبحانه وتعالى. هذا هو المراد من كلام الشيخ، حفظه الله، رحمه الله تعالى. قال: نسأل الله للجميع التوفيق، والحمد لله رب العالمين. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.