الدرس في التعليق على كتاب العلم 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع معنى الحكمة في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كما بيّنها الشيخ ابن عثيمين، موضحاً أنها وضع الأمور مواضعها بالرفق مع الجاهل المسترشد والشدة مع المعاند. وينبه على خطأ بعض الدعاة الذين يشددون على الجاهلين فينفرونهم مخالفين هدي النبوة في التدرج.
يوضح المقطع ضرورة الجمع بين نظرة الشرع التي تقتضي إقامة الحدود دون مجاملة، ونظرة القدر التي ترحم العاصي لاستيلاء الشيطان عليه. ويستدل بتعليق ابن تيمية وموقف النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الطائف الذين آذوه فرحمهم ودعا لهم.
يستعرض المقطع موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع ملك الجبال في الطائف حيث آثر الرحمة والدعاء، وكذا عيادة الغلام اليهودي ودعوته للإسلام. ويبين أن الداعية الحق ينظر للناس بعين القدر فيرحمهم ويسعى لهدايتهم بالرفق ويفرح بتوبة التائبين.
يؤكد النص على ضرورة أن يتحلى طالب العلم الداعي إلى الله بالحكمة في دعوته، مشيراً إلى أن معنى الحكمة سبق بيانه في آداب طالب العلم. ويختتم بالتأكيد على هذا المبدأ مع ذكر اسم المترجمة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى في كتاب العلم، وفي باب ذكر بعض آداب طالب العلم، وذكر منها الأمر السابع وهو الحكمة، وذكر أمثلة على هذا الأدب من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف كان حكيما في دعوته، فيضع الأمور مواضعها، وكيف كان يعامل الجاهل بالحكمة والتعليم، وإلى غير ذلك. فذكر قصتين: قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، وحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي فيه أنه أجاب على العاطس في الصلاة، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام علمه بأسلوب حسن فيه من الحكمة وفيه من التعليم. قال رحمه الله: ومثال آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وفي يده خاتم ذهب، وخاتم الذهب حرام على الرجال، فنزعه النبي صلى الله عليه وسلم من يده ورمى به، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده». ولما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قيل للرجل: خذ خاتمك انتفع به، فقال: والله لا آخذ خاتما طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس. قال: فأسلوب التوجيه هنا أشد، لأن لكل مقام مقالا. وبهذا يتبين لنا معنى الحكمة، ليس معنى الحكمة أن تغلب جانب الرفق واللين مطلقا. نعم هذا الأصل في دعوتك، لا سيما في دعوة الجاهل والمسترشد، لكن أحيانا قد تحتاج إلى أن تستخدم الشدة إذا كان هذا الشخص ليس بجاهل، ليس بجاهل. وعلى هذا يحمل هذا الحديث. انظر هنا النبي صلى الله عليه وسلم ينزع الخاتم من يد هذا الرجل ويطرحه، هل هذا الأسلوب بمثل الأسلوب الذي تقدم في حديث أنس، في حديث الأعرابي، وحديث معاوية بن الحكم السلمي؟ لا، اختلف الأسلوب لهذا المعنى. فبهذا يتبين لنا أن معنى الحكمة هو أن تضع الأمور مواضعها، متى تستخدم اللين والرفق، ومتى تستخدم الشدة. لكل مقام مقالا، لكل مقام مقال. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: بعض الأوساخ لا تخرج إلا بشيء من الشدة. إذا عندك ثوب فيه وسخ، وهذا الوسخ متعمق في هذا الثوب، فلا يخرج بمجرد غسله بالماء والصابون دون حكه، وكذلك شدة حك هذا الموضع. وهكذا بعض الناس يحتاجون إلى الشدة، يحتاجون إلى الشدة فإنها تنفعهم، أنفع لهم من اللين. وهذا كما تقدم له أحوال، وهذا من الحكمة. فمثل العلامة ابن عثيمين بهذا المثال الثالث ليبين أن الحكمة ليست مطلقا باللين وكذلك الرفق، وإنما قد أحيانا يحتاج الداعي إلى شيء من الشدة. قال: وإذا تأملنا ما عليه كثير من الدعاة اليوم وجدنا أن بعضهم تأخذه الغيرة حتى ينفر الناس من دعوته. لو وجد أحدا يفعل شيئا محرما لوجدته يشهر به بقوة وبشدة، يقول: ما تخاف الله، ما تخشى الله، وما أشبه ذلك، حتى ينفر منه، أو حتى ينفر منه. وهذا ليس بطيب، لأن هذا يقابل بالضد. وهذا كما تقدم في حق الجاهل المسترشد الذي يحتاج إلى دعوة وموعظة حسنة، فهذا لا تشد عليه، ولا تشهر به، ولا تنفره من دعوتك، وإنما حببه إلى هذه الدعوة المباركة، واستخدم معه الرفق واللين. فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا زانه. قال: وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما نقل عن الشافعي رحمه الله ما يراه في أهل الكلام، حينما قال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. هذا قول الإمام الشافعي، وأهل الكلام هم أهل الفلسفة، أهل المنطق، الذين أتوا بثقافات من الهند واليونان وإلى غير ذلك، فعارضوا بها نصوص الكتاب والسنة، فحكم عليهم الإمام الشافعي بهذا الحكم. فقال شيخ الإسلام معلقا على هذه المقولة: قال شيخ الإسلام: إن الإنسان إذا نظر إلى هؤلاء وجدهم مستحقين لما قاله الشافعي من وجه، ولكنه إذا نظر إليهم بعين القدر، والحيرة قد استولت عليهم، والشيطان قد استحوذ عليهم، فإنه يرق لهم ويرحمهم، ويحمد الله أن عفاه مما ابتلاهم به. أوتوا ذكاء وما أوتوا ذكاء، الكلام بمعناه لشيخ الإسلام ابن تيمية. قال: أوتوا ذكاء، أي هؤلاء أهل الكلام أوتوا ذكاء وما أوتوا ذكاء، أو أوتوا فهوما وما أوتوا علوما، أو أوتوا سمعا وأبصارا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء. قال: هكذا ينبغي لنا أيها الإخوة أن ننظر إلى أهل المعاصي بعينين: عين الشرع، وعين القدر. عين الشرع: أي لا تأخذنا في الله لومة لائم، كما قال تعالى عن الزاني والزانية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. فأنت تنظر إلى هذا العاصي بنظرين: نظر الشرع، فإن استحق عقوبة عوقب، وإن استحق تعزيرا عزر، وإن استحق حدا حد، وهكذا. هذا من باب الشرع. لكن كذلك ينظر الداعية إلى هذا من باب القدر، وأنه وقع في هذه المعصية لاستيلاء الشيطان عليه واستحواذ الشيطان عليه، وأنه يود له أن لا يكون في هذا الموضع. فكما تقدم أن أهل السنة أعلم الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق، وهم بهذا مقتدون بنبيهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوذي من قبل المشركين والكفار، ومع هذا كان يرحمهم. لما ذهب إلى الطائف عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الله، فرد أهل الطائف دعوته وسخروا منه، وصلطوا عليه سفهاءهم وأطفالهم، فرموه بالحجارة حتى أدموه عليه الصلاة والسلام. فانطلق بعد ذلك وهو مهموم مغموم عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عائشة قالت له: يا رسول الله، هل مر بك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: «يا عائشة، لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن كلال» - أي أهل الطائف - «فلم يجيبوني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي». هذا الأمر أشد عليه من يوم أحد. يوم أحد ابتلي المؤمنون وابتلي النبي صلى الله عليه وعلا وعلى وسلم بلاء عظيما في ذلك اليوم، شج رأس النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا كسرت رباعيته، ودخلت حلقتا المغفر في وجهه عليه الصلاة والسلام، ابتلي بلاء عظيمة، ومع هذا هذا اليوم يوم العقبة أشد عليه من يوم أحد. قال: «فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب. قال: فنظرت فإذا سحابة، فإذا فيها جبريل، فقال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وما رد عليك، وإن الله أرسل معي ملك الجبال لتأمره بأمرك وما شئت، وإن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين». فجاءه ملك الجبال وأخبره بذلك، وقال: «هذا وما شئت، وإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، ثم قال: أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا، أو قال: من يقول لا إله إلا الله». فانظروا إلى الرحمة المهداة الذي وصفه ربه بذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. هذا هو النظر بنظر القدر. فصبر النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينتقم لنفسه، ورحم هؤلاء، فأخرج الله من أصلابهم من حمل هذا الدين، ونصر هذا الدين، ودافع عن هذا الدين. وكذلك لما عاد ذلك اليهودي، الغلام اليهودي كان مريضا، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى الله، وقال له: قل لا إله إلا الله. فهذا الغلام رفع عينيه إلى أبيه كالمستأذن من أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم. فقال هذا الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ثم بعد ذلك قبض، أي مات هذا الغلام. فقال النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار». يعني بسبب دعوته عليه الصلاة والسلام له وإيمان ذلكم الغلام بالنبي عليه الصلاة والسلام. انظروا إلى الرحمة المهداة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهكذا ينبغي لأتباعه أن يقتدوا به، وأن يكونوا رحماء في دعوتهم، رحماء في دعوتهم، كما قال شيخ الإسلام، وكما قرأنا هذا عنه رحمه الله. قال: هكذا قال: وننظر إليهم بعين القدر، فنرحمهم ونرق لهم، ونعاملهم بما نراه أقرب إلى حصول المقصود وزوال المكره. كما تقدم: إن رأيت أن حصول المقصود وزوال المكره لا يتم إلا بالرفق واللين والموعظة الحسنة فافعل، وإن رأيت أن حصول المقصود وزوال المكره يتحقق بالشدة والغلظة عليهم فافعل. فيكون مقصودك إصلاح هؤلاء وإنقاذ هؤلاء من ظلمات الشرك والكفر والمعاصي والبدع. هذا يكون قصد وكذلك مقصد طالب العلم والداعي إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وهذا من آثار طالب العلم، بخلاف الجاهل الذي عنده غيره لكن ليس عنده علم. حتى الذي يخالفك، ولربما صار في وقت من الأوقات منفرا عنك، فإنه إذا تاب ورجع واستمع وانصاع، فإنك تفرح بذلك. هذا من آثار طالب العلم. ما ينتقم لنفسه، وما يقول: هذه ليست له توبة. لا تحجر واسعا. لا تكون كذاك الراهب الذي جاء عنده القاتل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، قال: هل له من توبة؟ قال: لا، ليس له توبة. قتل تسعة وتسعين فأتم به المئة. لا تكون كذلك، وإنما تفرح بتوبة التائبين، وإن فعلوا بك ما فعلوا في حال انحرافهم، وفي حال تحزبهم وخروجهم عن الصراط المستقيم، طالما أنهم قد تابوا وحسن توبتهم، فعفى الله عما سلف، والله غفور رحيم. فتفرح بذلك، ويود الداعي الله عز وجل أن الناس جميعا يكونون على هذا الهدى وهذا الخير الذي هو عليه، الذي هو عليه. قال: لكن ليس عنده علم، يعني الجاهل، وإنما عنده غيره، فلا تجد هذا المعنى متواجدا فيه، وهو الرحمة والشفقة. قال: فطالب العلم الداعي إلى الله يجب أن يستعمل الحكمة، وقد تقدم معنى الحكمة في أول هذا الأدب من آداب طالب العلم، فنكتفي بهذا. وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر