الدرس في التعليق على كتاب العلم 70، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين الشيخ ابن عثيمين أن طلب العلم وتعليم الناس بعد العشاء يقدم على قيام الليل عند تعذر الجمع بينهما، لأن نفع العلم متعدٍ إلى الغير بينما قيام الليل قاصر على صاحبه. ويستدل بقول الإمام أحمد وقاعدة ترجيح العبادة المتعدية النفع، مع الإشارة إلى أن الأفضل الجمع بين العبادتين إن أمكن.
يوضح المقطع سبب وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بالوتر قبل النوم لانشغاله بطلب العلم أول الليل، ويقيس العلماء على ذلك حال طالب العلم المعاصر. وينبه إلى أن السهر لطلب العلم لا يجوز إن أدى لتفويت صلاة الفجر، مع تناول آداب تصحيح خطأ المعلم في المواد الدينية.
يؤكد النص على وجوب رجوع المدرس عن خطئه وعدم الاستكبار لأن الحق ضالة المؤمن، وينبه إلى أن تنبيه الطالب نعمة من الله. كما يبين آداب الطالب في التصحيح باللطف والانفراد أولاً، ثم العلن إن أصر المدرس، مع الاستعانة بالأعلم عند الحاجة.
يسلط المقطع الضوء على رفض العلماء لقواعد تمنع الرد على المخطئ مثل «نصحح ولا نجرح» و«المجمل والمفصل يحمل الشخص على مفصله»، مؤكداً تعارضها مع أصل الرجوع عن الخطأ. ويؤكد وجوب تصحيح الخطأ حتى لو صدر من عالم مرموق، مع مراعاة الأسلوب الحسن والتفريق بين المتبعين للحق والمعاندين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فسئل فضيلة الشيخ الفقيه العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: أيهما أفضل، مخالطة الناس بعد العشاء لتعليمهم وإرشادهم ونصحهم بحيث لا يمكن قيام الليل، أو اعتزالهم حتى يتم قيام الليل؟ معنى السؤال: يعني عالماً أو طالب علم بعد صلاة العشاء يجلس للناس يعلمهم ويرشدهم ويوجههم، فيأخذوا منه وقتاً من الليل، فربما يكون ذلك سبباً لعدم تفرغه لقيام الليل. فأيهما يقدم؟ هل التفرغ في أول الليل لطلاب العلم ولعامة الناس يعلمهم، أو أنه يترك تعليم الناس حتى ينام مبكراً ثم يقوم الليل؟ هذا هو معنى السؤال. فأجاب الشيخ قائلاً: طلب العلم أفضل من قيام الليل، لأن طلب العلم كما قال الإمام أحمد: لا يعدله شيء لمن صحت نيته. قالوا: كيف ذلك؟ قال: ينوي به رفع الجهل عن نفسه وعن غيره. هذا وجه من أوجه كون العلم أفضل من قيام الليل إذا تعارض الأمران. ووجه آخر: قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي أن العبادة إذا كانت نافلة فتعارضت مع عبادة أخرى، فإن كانت إحدى العبادتين نفعها متعدٍ والأخرى نفعها قاصر، فتقدم العبادة التي نفعها متعدٍ. فمثلا: طلب العلم عبادة، وقيام الليل عبادة، فطلب العلم نفعه متعدٍ ينفع صاحبه وينفع غيره من الناس، فهنا عبادة متعدية، وأما قيام الليل فهي عبادة قاصرة على صاحبها. هذا متى؟ إذا تعارض الأمران ولا يمكن لطالب العلم أن يقوم بهما جميعاً. أما إذا استطاع أن يقوم بهما جميعاً فلا شك أن القيام بالعبادتين هو الأفضل والأكمل، فيجمع بين عبادة نفعها متعدٍ وبين عبادة نفعها قاصر. هذا وجه آخر. قال الشيخ: فإذا كان الإنسان يسهر في أول الليل في طلب العلم ابتغاء لوجه الله، سواء كان يدرسه أو يعلمه، ثم يقوم الليل فهو أفضل كما تقدم. إن استطاع أن يجمع بين الأمرين فهو أفضل. قال: لكن إذا تزاحم الأمران فطلب العلم الشرعي أفضل وأولى. ومن هنا يتبين لك أخي طالب العلم فضل طلب العلم، انظر قدم على كثير من العبادات القاصرة، قدم العلم على نوافل الصلاة وعلى نوافل الصيام، ليدل كذلك أخي طالب العلم على فضيلة العلم وفضل العلم ورفيع منزلة أهل العلم. قال: لكن إذا تزاحم الأمران فطلب العلم الشرعي أفضل وأولى. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة أن يوتر قبل أن ينام. وهذا الحديث في الصحيح، جاء من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث أبي ذر: «أوصاني خليلي بثلاث: أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام، وأن أوتر قبل أن أنام». قال العلماء: وسبب ذلك أن أبا هريرة كان يحفظ أحاديث الرسول أول الليل وينام آخر الليل، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يوتر قبل أن ينام. يعني أن هناك ربما يرد إشكال عند بعض طلبة العلم فيقول: كيف النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأبي هريرة: أو أوصى أبا هريرة بأن يوتر قبل أن ينام، وصلاة آخر الليل والوتر في آخر الليل هو الأفضل لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وصلاة آخر الليل»، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وقول عمر: «نعمة البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل»، يعني صلاة آخر الليل وهي وقت نزول الرب سبحانه وتعالى كما في حديث أبي هريرة. فكيف النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأبي هريرة في وصاياه: أوصاه بأن يوتر قبل أن ينام؟ فجمع العلماء بين هذا: أن أبا هريرة طالب علم يحفظ حديث النبي عليه الصلاة والسلام في أول الليل، فيأخذ طلب العلم من ليله شيئاً كثيراً، فإذا نام ربما لم يستطع أن يقوم من آخر الليل لتأخر نومه، فأوصاه النبي عليه الصلاة والسلام أن يوتر قبل أن ينام. وقاس العلماء من كان حاله كحال أبي هريرة بأن يوتر قبل أن ينام: طالب علم عنده دروس أو مراجعة في أول الليل إلى الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة، وهو مجتهد يحفظ يراجع يكتب، منشغل بالعلم، فقبل أن ينام يوتر، لأنه لو نام ربما لا يقوم آخر الليل وإنما يقوم لصلاة الفجر. فهنا يوتر قبل أن ينام حتى لا يضيع الوتر، حتى لا يضيع الوتر. وانظر إلى تفسير العلماء لوصية النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: لأنه كان يحفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أول الليل وينام آخر الليل. لكن هل كان ينام عن صلاة الفجر؟ لا. فإذا كان السهر في طلب العلم يفوت عليك صلاة الفجر فلا يجوز لك أن تسهر لطلب العلم، لا يجوز لك أن تسهر لطلب العلم إذا كان يفوتك صلاة الفجر، لأن صلاة الفجر واجبة، صلاة الفجر واجبة ليست كصلاة الوتر فإنها سنة، ومع هذا لا تفوتها، صليها قبل أن تنام، فوقتها موسع، أما صلاة الفجر في جماعة فوقتها ضيق. فلذلك من رأى من نفسه أنه إذا سهر لطلب العلم فكان ذلك السهر سبباً في تفويت صلاة الفجر في جماعة فلا يجوز له أن يستمر على السهر، بل يجب عليه أن ينام مبكراً حتى يدرك صلاة الفجر. قال: وسئل الشيخ رحمه الله: ماذا يجب علي تجاه أحد الأساتذة عندما يخطئ، وخصوصاً في المواد الدينية، وأنا متأكد من الجواب الصحيح؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا سؤال مهم، حيث نجد أن بعض الأساتذة لا يريد لأحد أن يخطئه مهما ارتكب من الخطأ، وهذا ليس بصحيح. فالمدرس قدوة، ينبغي أن يعطي طلابه درساً في سرعة الرجوع عن الخطأ وعدم الإصرار على الخطأ، فهو بشر عرضة للخطأ، فقد يخطئ ويكون الصواب مع تلميذ من تلاميذه، فلا يستنكف ولا يستكبر من أن يرجع عن الخطأ، فالإصرار على الخطأ ربما أسقط الشخص وجعله متخذاً لهواه. وإن كنت مدرساً وأخطأك من هو أقل منك علماً أو سناً فالحق ضالة المؤمن أينما وجده أخذ به، فلا يستنكف ولا يستكبر. قال: فكل إنسان معرض للخطأ، والإنسان إذا أخطأ ونُبه فهذا من نعمة الله عليه حتى لا يغتر الناس بخطئه، ربما الخطأ فيه حكم شرعي تحليل أو تحريم، أو ربما فيه انحراف عقدي، أو فيه خطأ فقهي، أو إلى غير ذلك. فإذا انتشر هذا الخطأ بين طلابك وبين محبيك، عبد الله على خطأ وضلال. ولكن إذا نبهت فهذا من نعمة الله عليك، إذ أنك تعمل بالحق ويعمل غيرك بالحق. قال: ولكن ينبغي للطالب أن يكون عنده شيء من اللباقة، واللباقة هي بمعنى حسن الخلق والأدب والحكمة في إصلاح الخطأ. ما هو؟ إذا وجدت خطأ في الأستاذ تقوم أمام الطلاب وتقول: يا أستاذ أنت أخطأت وأنت كذا، هذا ليس بأسلوب حسن، وإنما تصلح الخطأ بحكمة، كأن تذهب عند المدرس على انفراد، أو كذلك تعرض الخطأ على وجه المناقشة، تقول ل أستاذك: يا أستاذ أنا سمعت من غيرك يقول كذا وكذا فما هو الصواب، أو نسأل عن الصواب، أو كذا. المهم أسلوب حسن حتى يصلح الخطأ ولا يكون الأسلوب سبباً في الإصرار على الخطأ. قال: فلا يقوم أمام الطلبة يرد على هذا المدرس، فهذا خلاف الأدب، ولكن يكون ذلك بعد انتهاء الدرس. فإن اقتنع المدرس فعليه أن يعيد ذلك أمام الطلبة في الدرس المقبل، يعني أن المدرس ليس من العيب وليس من كذلك النقص في حقه أن يتراجع عن الخطأ، يقول: نبهني أحد الطلاب جزاه الله خيراً عن خطأ صدر مني، والصواب كذا وكذا، والصواب كذا وكذا. هذا ليس بعيب وليس بنقص، بل هذا رفعة. لو نظرت إلى علماء أجلّ لا يشار إليهم بالبنان تراجعوا عن مسائل نبه عنها من قبل طلابهم في دروسهم أو في كتبهم أو إلى غير ذلك، فليس ذلك بعيب ولا نقص في حق الشيخ أو المدرس. قال: وإن لم يقتنع فعلى الطالب أن يقوم أمام الطلبة في الدرس المقبل ليقول: يا أستاذ إنك قلت كذا وكذا وهذا ليس بصحيح. يعني إذا أصر المدرس تصحح الخطأ أمام الطلاب، لأن الخطأ قيل علناً فلا بد أن يوضح علناً، لكن كما تقدم بأسلوب حسن، أولاً بانفراد، إذا ما اقتنع تقول: يا أستاذ قد كلمتك في هذا والصواب كذا وكذا، ولنحكم غيرنا. إذا هو أصر نرجع إلى من هو أعلم منا حتى يصحح هذا الخطأ. ولذلك العلماء انتقدوا قواعد فيها السكوت عن خطأ المخطئ، أتى بها أهل البدع وأهل الأهواء، منها: «نصحح ولا نجرح»، ومنها كذلك: «المجمل والمفصل يحمل الشخص على مفصله»، فإن أخطأ في شيء مجمل لا يرد عليه. كل هذه القواعد تناقض هذا الأصل العظيم وهو الرجوع عن الخطأ وبيان الخطأ، وإن صدر من شخص له مكانته وله منزلته وله كذلك مستواه الطيب العلمي بين طلابه، فلا بد أن يصحح الخطأ لكن بالأسلوب الحسن، ويفرق بين السن وغيره، بين المتبع للدليل والحق والمعاند، وإلى غير ذلك. كل ذلك تجده في كتب أهل العلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.