شرح كتاب التوحيد 135

شرح كتاب التوحيد 135

الدرس في شرح كتاب التوحيد 135، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف حد الساحر وتطبيقه في الإسلام

يتناول هذا الفصل حكم الساحر في الإسلام، حيث يستدل بآثار الصحابة على أن حد الساحر هو القتل لكون السحر كفرا وجرما خطيرا. يُبين أن هذا الحكم يستند إلى آراء الصحابة مثل جندب وعمر بن الخطاب.

دور ولاة الأمر في تطبيق الحدود الشرعية

يناقش هذا الفصل أهمية تطبيق الحدود الشرعية على السحرة ودور ولاة الأمر في ذلك، مشيرا إلى أن عمر بن الخطاب كان يأمر بقتل السحرة. يوضح أن تطبيق الحدود يجب أن يكون بيد ولاة الأمر لتجنب الفوضى.

أهمية تطبيق الحدود ومحاسبة المفسدين في المجتمع

يؤكد هذا الفصل على أهمية تطبيق الحدود الشرعية ومحاسبة المفسدين مثل السحرة والمشعوذين، ويشدد على دور ولاة الأمر في إقامة الدين وردع المخالفين. يدعو إلى تعاون المجتمع على منع الفساد والشرك.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، أولا إخواني في الله، فإننا نعلن عن محاضرة ستقام هذه الليلة بإذن الله في هذا الجامع المبارك بين مغرب وعشاء، لمجموعة وثلة من إخواننا المشايخ الفضلاء، وإن شاء الله الحاضر يبلغ الغائب، محاضرة لمجموعة ونخبة من أفاضل الدعاء ومن مشايخ نجباء، وفد علينا الليلة بإذن الله، وستكون له المحاضرة بين مغرب وعشاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وعن جندب مرفوعا: حد الساحر ضربة بالسيف، رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف». لا زلنا في هذا الباب، إخواني في الله، والذي بوَّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «باب ما جاء في السحر»، وناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى الآيات والأحاديث والآثار المتعلقة بأحكام السحر والسحرة، ومن ذلكم ما ذكره هاهنا الأثر المروي عن جندب رضي الله تعالى عنه. وهو جندب الكعبي، والمعروف بجندب الخير، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه قال: «حد الساحر ضربة بالسيف»، وفي رواية: «حد الساحر ضربه بالسيف»، وهذا والمعنى صحيح، والمعنى واحد، تقول: ضربة بالسيف أو ضربه بالسيف، فالمعنى والمؤدى واحد. وهذا الحديث اختلف العلماء هل هو من قوله عليه الصلاة والسلام أم من قول الصحابي، أشار المؤلف رحمه الله تعالى من خلال عبارة الترمذي قال: «والصحيح أنه موقوف»، أي أن الصحيح في هذه العبارة أنها من قول الصحابي رضي الله تعالى عنه، وهذا معنى موقوف، أي أن العبارة موقوفة على قول الصحابي رضي الله تعالى عنه. فجندب رضي الله تعالى عنه قال: «حد الساحر»، أي ما هو الحد الشرعي متى ما عرفنا على أن إنسانا ما يزاول مهنة السحر، كشف الأمر، فحينها حده في شرع الله كما قال جندب رضي الله تعالى عنه أن يقتل، هذا معنى ضربه بالسيف، أي أنه يقتل، وما قتله إلا لبيان شؤم فعله. لقد مر معنى أن الساحر لن يصل إلى السحر إلا إذا كفر، إلا إذا كفر وخرج عن الدين والملة، وليس هذا فحسب، ليس الساحر قد كفر بالله بل إن الساحر بلغ من شره أن أذيتهم وصلت لغيره، وهنا نحن نرى إخواني في الله ما يقوم به السحر في مجتمعات المسلمين من الضرر والإفساد. فذاك الذي أفسد في بيت فلان ففرق بين الرجل وبين امرأته، أو أفسد في عقول بعض خلق الله أن سحره فجعله مجنونا من المجانين، أو أنه أفسد صحته فجعله طريح الفراش، وهؤلاء الضحايا ليسوا بالآحاد ولا بالعشرات، بل ربما وصلوا الآلاف والمئات، لا زالوا ولا زال القراء يقرؤون على هذا ويقرؤون على ذاك، كل ذلك من فعل السحرة الشررة. ولهذا كان حكم الشرع فيهم أن هؤلاء لا بقاء لهم، هؤلاء لا بقاء لهم في المجتمعات، فحد الساحر أن يقتل وأن يضرب عنقه بالسيف، هذا الذي يستفاد من أثر جندب رضي الله تعالى عنه. وقال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال وفي صحيح البخاري عن بجالة ابن عبده قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال فقتلنا ثلاث سواحر». هذا الأثر كذلك من الآثار الدالة في كيفية تعامل سلفنا الصالح مع السحرة، وذلك بقتلهم وعدم إبقائهم. وهذا الأثر رواه البخاري في صحيحه، لكن من غير ذكر الجملة الأخيرة: «فقتلنا ثلاث سواحر»، هذه ليست موجودة في البخاري، وإنما رواها أبو داود وإمام أحمد، وإسنادها صحيح. فالشاهد أن عمر رضي الله تعالى عنه كذلكم كان على هذا المنوال، كان على هذا المنوال أنه يرى أن الساحرة حكم الشرع فيه أن يقتل وألا يبقى، وبهذا نعلم أن الأثر الأول المنقول عن جندب رضي الله تعالى عنه ما كان محض اجتهاد منه، بل ها هو عمر رضي الله تعالى عنه على هذا المنوال. بل وسيأتي كذلك بعض الآثار عن الصحابة، فدل ذلك على أن هذا مما تعارف عليه الجيل الأول ومما أجمعوا عليه على أن من امتهن مهنة السحر فإنه يقتل، وعمر رضي الله تعالى عنه نعم وإن كان من أصحاب رسول الله إلا أنه من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمر نبينا عليه الصلاة والسلام أن نستمسك بسنتهم: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء المهديين من بعدي». فكان من سنة عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يأمر بقتل السواحر، فهذا هو الحد الذي ينبغي أن يعطى له كل ساحر وساحرة على حد سواء، كما قلنا لكفره وأيضا لعموم ضرره. ومما يستفاد كذلك من هذا الأثر والذي قبله من أن عمر رضي الله تعالى عنه أمر بقتل كل ساحر وساحرة، فيها بيان على أن القول بقتل السحرة لا يكون هذا يعود إلى أفراد الناس، لا ليس الأمر هكذا، نعم إن كان هذا قد نقل عن بعض المشايخ من يقول إذا ثبت ذلك فعلا على أن ساحرا وجد فلا بأس بقتله سرا، بحيث لا تقع فتنة، نعم قال هذا جماعة من أهل العلم بهذه القيود: ثبوت المزاولة، ثم قتله من غير فتنة. لكن هذا في الواقع لا يمكن، ولهذا الذي عليه جماهير العلماء على أن الحدود الشرعية بشكل عام ومنها السحر لا يتم إلا عن طريق ولاة الأمر، فعمر رضي الله تعالى عنه عندما كتب إنما كتب لأنه ولي الأمر في زمانه، فكتب إلى الناس أن اقتلوا كل ساحر وساحرة أمر قرار، فلما نزل هب الناس وعثروا وقتلوهم، بماذا؟ لأن هذا حكم السلطان وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. لأن الباب لو ترك لعامة الناس لدبت الفوضى، ولو كل واحد منا تخرص في الآخر لربما يرى فلان يدخل عليه ناس يقول: الله ما أرى أن أولئك النفر يدخلون على هذا إلا أنهم مشعوذون، نعوذ بالله من شره، يتخرص فقط، تتبع هذه القرينة وظنها كافية في إلصاق التهمة، ثم إذ به يتتبعه فيقتله، هذا كافي، ولهذا ضاعت أدمغة الناس. ولهذا في هذا الحديث دلالة على أن الذي ينبغي أن يقوم بهذه الحدود هم ولاة الأمور، كذلك في هذا الأثر أثر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فيه ما ينبغي عليه لولي الأمر أنه يهتم بأمور الدين أعظم من اهتمامه بأمور الدنيا. فها هو عمر رضي الله تعالى عنه كتب في الأمصار والقرى وفي كل الديار التي هي تحت هيمنته وتحت خلافته أن يقتلوا كل ساحر، لما ذا؟ لأنه كما قلنا الساحر من عداد الكفر، ولعظيم أذيته مما دلت عليه الأدلة الشرعية على خبثه ودناءته. فكان من هم عمر رضي الله تعالى عنه أن يطهر البلاد من أولئك الفسدة من السحرة، وهذا الذي ينبغي على ولاة الأمور ممن آلت إليهم رقاب العباد أن يتقوا الله في الأفراد والمجتمعات، وأن لا يكون همهم فقط أنهم يعطوا للأفراد والمجتمعات ما فيه قرة عين في دنياهم من الأرزاق وتتبع الوظائف وفتح المشاريع، هذا ولابد لأن هذا مما ينبغي على ولاة الأمور أن يقوموا به كذلك. أعظم من هذا كله القيام بما أمر الله جل وعلا بالقيام به، فإن الدنيا وخذها مني كما قال العلماء: الدنيا يعطيها الله لمن يحب ولمن لا يحب، الدنيا ليست بشيء، بدليل أن الكفار وهم من أكثر خلق الله وعندهم من الدنيا أعظم بكثير مما عندنا، هل معنى هذا أن الله أحبهم؟ لا، فالله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب. أما الدين فلا يعطيه الله إلا لمن أحب سبحانه، الدين نعمة، فإذا الله عز وجل أعطى لفرد من عباده وليا أو مولي راعيا أو مرعى أعطاه دينا وتدينا، هذا من عظيم إعطاء وإنعام الله له. ولهذا إخواني في الله كان ينبغي على ولاة الأمور وخاصة في موضوع السحر مثلا أنهم يضربوا بيد من حديد لمن سولت له نفسه أن يعبث في مجتمعات المسلمين. أذكر فيما أذكر في سنوات قديمة كان من إخواننا في خارج هذه البلاد من تتبع السحرة بل وألقى القبض عليهم كما يقال بالجرم المشهود وبالشهود، فلما جئ بهم إلى المراكز الأمنية التي ينبغي أن يقيموا الحدود على أولئك السحرة، كان ردة الفعل: ما عندنا قرارات، ما عندنا نظام، ما عندنا عقوبات أصلا في كيفية نتعامل مع السحرة. عندنا نعم قرارات في التعامل مع السرقة، من سرق سيارة نفعل به كذا، أي غرامات حبس سجن، من فعل كذا عندنا قرارات، لكن ساحر ما عندنا نظام، ما عندكم نظام؟ إذن كيف هذا؟ هذا الذي جعل السحر ينتشر، ما هناك رادع، ما هناك رادع. هذا السحر ألقينا القبض، ما حكم عندكم؟ قالوا: ما عندنا حكم، ما عندنا قرار، ما عندنا السجن، إذن يترك يعبث في أرض الله، وهؤلاء الصحابة قد أجمعوا على أن الساحر يقتل ولا يبقى، يقتل ولا يبقى، حد الساحر ضربه بالسيف، كتب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. فكان ينبغي أن والله عز وجل يردع بالسلطان ما لا يردع بالقرآن، أحيانا السلطان عنده من الهيبة والقوة وما ولاه الله أقدره على إنزال العقوبات الحالية ما لا قد يتأثر به المجرمون عن طريق الآيات والعظة والموعظة، فإن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن. فينبغي إخواني في الله في مثل هذه الآثار أمامنا أن نستفيد كراعي ومرعى على أننا نتقي الله في مجتمعات المسلمين، كما أننا نحرص على أننا نصفو المجتمعات من الفسدة ممن يأكل أموال الناس عن طريق الرشوة، كذلك نحاسب من يأكل أموال الناس عن طريق السحر والكهانة والشعوذة، بل هؤلاء أشر. ومن هنا إخواني في الله كذلك على ولاة الأمور أن يهتموا بإقامة الدين ليس فقط في مسألة السحر التي بين أيدينا، بل وكذلك في كل أبواب الدين، كل من علم مروقه وخروجه عن دعوة التوحيد، عن دعوة السنة، ورفع رايات الشرك ورايات الكفر والبدعة، هذا أيضا يضرب على يده ولا يترك بأن يفعل ما تسول له به نفسه. فإن ذلكم الشر الذي يفعله هذا المبتدع وذلكم الضليل كمن يأتي بفعل الشركيات والكفريات بأن يستغاث بغير الله ويذبح بغير اسمه ويهتف بغير أوليائه جل وعلا، يهتف ويطلب المدد من فلان وفلان نهارا جهارا، هذا من عظيم الظلم الذي لا يرضاه الله عز وجل. وما أهلك الله من أهلك قبلنا من الأمم إلا لوقوعهم في الشرك، وإن الخبث إذا كثر أوشك الله أن يعمنا بعذابه، قالوا: «يا رسول الله أنا أهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث إذا كثر وطم وعم وانتشر الخبث وأصبح أهل الحق أضعاف قلة وصغار أذلة أمام هذه الأمواج العاتية من الكفر والضلال والشرك والتنديد، حينها ما ننتظر من الله إلا العقوبة». وها نحن نرى العقوبات: غلاء في الأسعار، لا أمن ولا أمان، ضعف في المعيشة، الكل يئن، فكشفوا عن أنفسكم إخواني في الله، لربما كان هذا الشرك البواح نهارا جهارا يترك بكل أريحية، لا إنكار ولا كذلك ضرب يد من حديد لأمثال هؤلاء. ونحن إخواني في الله ينبغي أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه هذه المجتمعات كحال السفينة، نحن في السفينة كلنا فيها، الصالح والطالح، لكن أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام عن فكر بعض الناس، فأخبر نبينا أننا أننا في هذه السفينة من من كان في أسفلها ومن من كان في أعلاها. فكان من كان في الأسفل إذا أرادوا ماء صعدوا على من هم أعلى، ثم فكروا بالتفكير الأهوج والظن الأعوج، ظنوا أن هذا فيه أذية صعود ونزول، صعود ونزول، قالوا: هذه أذية، قالوا: فلو أننا خرقنا في نصيبنا نحن أسفل، والبحر تحت الماء وفير، سنجعل خرقا في نصيبنا ونستقي ما مباشرة من ماء البحر. فقال عليه الصلاة والسلام: «فلو أن من كان في الأعلى تركوا من كان في الأسفل يفعل هذه السفاهة بأن يخرقوا السفينة خرقا حتى يستسقوا من الماء، فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعا، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعا». هذا المفهوم الذي أراد نبينا أن يفهمنا بأننا نحن في المجتمعات ينبغي أن نتعاون على الخير، وأن السفيه لو ترك يفعل ما يشاء فإن مغبة أمره لا تعود إليه وحده، بل وكذلك يعمنا، فإن سفينة المجتمع تغرق بما فيها، من كان في الأسفل وهم أصحاب المشكلة، ومن كان في الأعلى ممن تركوا من كان في الأسفل. وهذه الحقيقة فينبغي إخواني في الله أن نتعاون جميعا، وخاصة أن الله أمر المسلمين أن يعتنوا في تطهير مسائل الدين، وأن يأخذوا بأيدي السفهاء والحمقى ممن خالفوا شرع الله، وذلك برفع رايات التشريك، فيعبد من دون الله جل وعلا تحت أي عنوان كان، تحت عنوان زيارة، تحت عنوان ولاية، تحت أي شعار، المقصد هو المضمون، ما الذي يفعله؟ فإن كان فيها الدعاء والاستغاثة والاستنجاد والاستمداد من غير رباء الأرض والسماء، فهذا هو الشرك بعينه. فالشاهد إخواني في الله أن في هذا الأثر الذي بين أيدينا أن عمر رضي الله تعالى عنه لحكم منصبه وإمامته وسلطانه كتب في الأنحاء وفي كل الأسقاع أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقال بجال بن عبد: «فقتلنا ثلاث سواحر»، هذا المراد من هذا الأثر. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.