الدرس في شرح كشف الشبهات 14، ألقاها
يتناول شرح مفهوم الجهل وأنواعه وتأثير ذلك على العذر بالجهل، حيث يُفرق بين الجهل بسبب عدم الوصول للعلم والجهل بسبب الإعراض عن العلم. يُبين أن العذر بالجهل مقبول في حالة عدم الوصول للعلم.
يناقش أنواع الجهل وتأثيره على أحكام الشرك والتوحيد، ويفرق بين الجهل بسبب عدم القدرة على العلم والجهل بسبب الإعراض، ويبين أحكام كل نوع. يشير إلى أن بعض الأفعال قد تخرج من دين الله دون علم الفاعل بذلك.
يُنبه على أهمية معرفة نعمة الله وخطورة الشرك، ويحذر من التهاون في التوحيد، ويبين أن حتى الأنبياء معرضين للوقوع في الشرك إذا لم يتحروا الحذر. يشرح أن الله لم يبعث نبيًا إلا وجعل له أعداء ليظهر الحق والباطل.
يشير إلى أن العاقبة الحسنة تكون لرسل الله وأوليائه والمتقين، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الإيمان بأن الله ينصر أولياءه ورسله ويحسن عاقبتهم.
وأشهد أن محمدًا العبد هو رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. توقفنا في الدرس السابق عند قوله رحمه الله تعالى: «فادك فائدتين: الأولى الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾، وأفادك أيضًا الخوف العظيم، الخوف العظيم من ماذا؟ الخوف العظيم من الشرك، من الوقوع في الشرك بالله عز وجل وأنت لا تشعر. فإن الله عز وجل أخبر عن نبيه إبراهيم عليه السلام، وهو خليل الرحمن وهو إمام الحنفاء عليه السلام أنه قال: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾. رب إنهم أضلّوا كثيرًا من الناس. فإذا كان إبراهيم الخليل إبراهيم الذي جعله الله عز وجل في المنزلة العليا، مع هذا يخاف على نفسه من الشرك بالله عز وجل، وكذلك يخاف على بنيه، يخاف على بنيه إسحاق وإسماعيل أنبياء، وجاء كذلك من ذريته الأنبياء، ومع هذا يخشى على نفسه، فكيف بمن هو دونه في العلم والإيمان والتقوى والخوف من الله عز وجل؟ لذا قال الإمام إبراهيم السيمي رحمه الله: «ومن يأمن على نفسه الشرك بعد إبراهيم -أو كما قال رحمه الله-» يقول: «فمن يأمن على نفسه الشرك بعد إبراهيم؟» إذا كان إبراهيم عليه السلام يخشى على نفسه من الشرك، فكيف بمن هو دونه؟ وهذا في تحذير للإنسان أن لا يغتر بعلمه، مما بلغ علمه، عليه أن يعلم أنه ضعيف وأنه محتاج إلى الله عز وجل، وأنه مفتقر إلى الله عز وجل في جلب ما ينفعه، وفي دفع ما يضره، وفي بقائه على حالة الاستقامة، وعلى حالة التوحيد، وعلى حالة الطاعة. قال رحمه الله تعالى: «فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يُعذر بالجهل». قوله: «فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه» يخرجها من لسانه وقد لا يتصور قلبه مكانها وعظمها عند الله عز وجل. قال: «وقد يقولها وهو جاهل». والجهل هاهنا جهل الناسي، كما مر معنا. فإن الجهل -كما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى- الجهل على قسمين: الجهل على قسمين: جهل من لم يعرف الحق ولم يعلم به، وهو مريد له، مريد للحق، ولكنه لم يبلغه شيء من الحق، ولا خطر على باله وعلى قلبه أنه على غير الحق، أنه على غير الحق. وجهل آخر: جهل من يعلم بالعلم ومكانه وأهله، ولكنه أعرض عنه، ولكنه أعرض عنه، فلم يتعلم ذلك العلم. فالأول يعذر به صاحبه اتفاقًا، ولا يعذب، «حتى تتبين له الحجة وتستبان له المحجة». قال الله عز وجل: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، وقال ربنا عز وجل: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾، ولقول الله عز وجل: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. فهذا لا يعذب، هذا لا يعذب، بل يقول العلماء: هذا معذور بالجهل اتفاقًا، هذا معذور بماذا؟ بالجهل اتفاقًا. هذا بالنسبة لهذا النوع، وفيه تفاصيل لأهل العلم، هذا النوع تفاصيل أخرى، ولعله أن يأتي كلام في هذا بإذن الله عز وجل. والنوع الثاني: النوع الثاني الذي الجهل الذي كان ناتجًا عن الإعراض عن العلم والعمل بمقتضى ذلك العلم الذي أعرض عنه، فإن هذا لا يعذر، فإن هذا لا يعذر. ففرق بين الجهل الذي سببه عدم العلم الناتج عن عدم الوصول له، لعجزه، هو الجهل الناتج عن الإعراض مع الاستطاعة مع الاستطاعة للوصول إليه، مع الاستطاعة للوصول إليه. فرق بين هذا وبين هذا. وكلام الشيخ رحمه الله يتنزل على الثاني. كلام الشيخ رحمه الله تعالى يتنزل على النوع الثاني. وهذه الفقرة -كما سمعتم- وهذه العبارة -كما سمعتم- ومضى معنا، وأشرنا إليها في الدرس الماضي، من المشكلات في هذا الكتاب. من المشكلات في هذا الكتاب، لذا تكلم العلماء في بيانها وفي توجيهها بكلام كثير وكلام طويل. نقرأ لكم بعض هذا الكلام من كلام بعض أهل العلم. فمن هؤلاء العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، إذ إنه قال عند هذه الفقرة في شرحه لكتاب «كشف الشبهات»: قال رحمه الله تعالى: «تعليقنا على هذه الجملة من كلام المؤلف رحمه الله: أولا لا أظن الشيخ رحمه الله تعالى لا يرى العذر بالجهل، اللهم إلا أن يكون منه تفريط، أي: إلا أن يكون منه -أي من هذا الجاهل- تفريط بترك التعلم، مثل أن يسمع بالحق فلا يلتفت إليه، ولا يتعلم، فهذا لا يعذر بالجهل، وإنما -وهذا كما ذكرنا- هذا من نوع الأول أو الثاني من أنواع الجهل». قال رحمه الله تعالى: «وإنما لا أظن ذلك من الشيخ؛ لأنه له كلام آخر يدل على العذر بالجهل، فقد سئل رحمه الله تعالى عما يقاتل عليه، وعما يكفر، وعما يكفر الرجل به، فأجاب -أي الشيخ محمد بن عبدالوهاب- عليه رحمة الله: «أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة». قال: «فالأربعة إذا أقر بها وتركها تهاونًا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها». والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود. «ولا نكفر إلا ما اجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان». واضح هذا الأمر يا جماعة. قال رحمه الله تعالى: «وأيضًا نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر». وهذا يدل على ماذا؟ على العفة بالجهل، وعلى العذر بالجهل، وأنه لا يكفر إلا بعد أن يعرف، أن يعرف الجاهل الحق، وأن ما عليه أنه الباطل، فإن أصر بعد ذلك وعاند كفر بعد ذلك». قال رحمه الله تعالى: «وأيضًا لا -وأيضًا نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر». واضح هذا يا جماعة. قال: «فنقول: أعْداءُنا معنا على أنواع». أعْداءُ دعوة التوحيد، وأعداء الإسلام الخالص على أنواع. «النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضًا أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر والبشر -الذي هو دين غالب الناس- أنه شرك بالله الذي بعث الله رسوله ينهى عنه ويقاتل أهله، يكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره؛ لأنه عرف دين الرسل، فلم يتبع». قوله: «لأنه عرف دين الرسل فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه»، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس. «النوع الثاني: من عرف ذلك أيضًا -يدل على ماذا؟ على انتفاء الجهل في حقه- ولكنه تبين في سب دين الرسول، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع الدعاء أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد -يوسف والجِنّ- وتبين في مدح من عبد أبا علي والخضر -من أهل الكوفة- وفضلهم على من وحد الله وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول». وفيه قوله تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾، ﴿فلعنة الله على الكافرين﴾، وهو ممن قال الله فيه: ﴿وأن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون﴾. «النوع الثالث: عرف دين الرسول، وعرف دين المشركين، ومع هذا تنقص دين الرسول، ومدح دين المشركين». «النوع الثالث: من عرف التوحيد وأحبه وتبعه، وعرف الشرك وتركه، ولكنه يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضًا كافر؛ لماذا؟» قال الشيخ: «فيه قول تعالى: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾، ومما أنزل الله عز وجل: محبة دين الرسول، وبغض الشرك بالله عز وجل». «النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، وساعين في قتالهم، ويتعذر بأن ترك وطنه يشق، بأن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله ونفسه، فهذا أيضًا كافر؛ فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه الصيام إلا بفراق فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ذلك إلا بفراق فعل، وموافقتهم على الجهاد معًا بنفسه وماله، مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله، أكبر من ذلك بكثير كثير، فهذا أيضًا كافر». وهو ممن قال الله فيهم: ﴿ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم﴾ إلى قوله: ﴿سلطانًا مبينًا﴾. هؤلاء أيضًا ممن عرفوا دعوة التوحيد، ونفروا من الشرك، وبعدوا عنه، ولكنهم ظاهروا المشركين، ونصروا المشركين، ووَالَوْا المشركين ونصروهم على دين التوحيد، بحجة أنهم لا قوة لهم، فهؤلاء كذلك ماذا يكونون؟ كفارًا. والواجب عليهم الهجرة. قال: «فهذا الذي نقول: أما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إننا نكفر بالعموم، إننا نكفر بماذا؟ بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإننا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا، وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله». «وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم -انتبهوا إلى هذه العبارة- وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي هو على قبر عبد القادر الجيلاني، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟» سبحانك، هذا بهتان عظيم. العبارة واضحة، فيها غبش وعدم وضوح. هيا يا جماعة، عبارة واضحة صريحة. فإننا لا نكفر، قال: «فإننا لا نكفر؛ لأجل ماذا؟ لا نكفر من عبد الصنم؛ لأجل ماذا؟ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم». مع أنه في البداية كفر من عرف وأعرض، من عرف ماذا؟ وأعرض. فتبين لنا من هذا الكلام، وغيره كثير، على أن الشيخ رحمه الله تعالى ينظر إلى الجهل بمنظارين: جهل من لم تصله الدعوة، لا من قريب ولا من بعيد، كمن كان ناشئًا في بادية بعيدة عن العلم، أو كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ بين هؤلاء المشركين، ويظن ويعتقد أنه الدين الحق، ويعتقد أنه الدين الحق، ولم يلم بقلبه لا من قريب ولا من بعيد أنه على الباطل، وأن هناك الدين الحق في مكان آخر، فمثل هذا يُعذر بماذا؟ بجهله. واضح هذا الأمر أم لا؟ لماذا؟ لأن هذا النوع لم يصله العلم، ولم يلتفت، ولم يظن أن هناك حق غير الذي هو عليه. وإن وجد حقًا غير الذي هو عليه لذهب إليه ورجع إليه، واتجه إليه، ولكنه يظن أنه على الحق، وأنه ناصر لدين الله عز وجل، فمثل هذا يُعذر بجهله، وعليه تنطبق الأدلة السابقة. وأما النوع الثاني: الذي يعلم بالعلم، ويعلم أن هناك دعوة تدعو إلى التوحيد وتنهى عن الشرك، ومع هذا هو معرض، لا يذهب لأجل تلقي العلم، بل يقول: أبقى على ما أنا عليه من الجهل، وما أنا عليه من الشرك بالله عز وجل. فإن مثل هذا الجهل لا يُعذر صاحبه به. ففرق بين الجهل الناتج عن عدم العلم لعدم القدرة، وبين الجهل الناتج عن عدم العلم للإعراض. واضح هذا يا جماعة؟ فلنفرق بين الأمرين: بين جهل سببه العجز، وجهل سببه الإعراض. فالأول يُعذر صاحبه، والثاني لا يُعذر صاحبه. والمسألة طويلة، وتحتاها أقوال وفروع. نكتفي بما سمعتم، وإلا هناك نقولات كثيرة. وقد أتيت ببعض النقولات، لكن نكتفي بما سمعتماه؛ لأن الغرض أن تتبين هذه العبارة، والمقصد من هذه العبارة، وأن الشيخ محمد رحمه الله تعالى ممن يعذر بالجهل، ممن يعذر بالجهل، وأنه إنما أراد بهذا الكلام الجهل الناتج عن الإعراض، الجهل الناتج عن الإعراض، أو المراد بالجهل: أي بالحقيقة الحكم، وإن كان يعلم ماذا؟ أصل الحكم. كما ذكرنا أمس في شأن من في حال أولئك الذين سخروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإنهم يعلمون أن ذلك محرم، ولكن لم يعلموا أنه يخرجهم من دين الله عز وجل، ويصيرون به ماذا؟ ويصيرون به كفارًا. ولئن سألتهم لا يقولون: «إنما كنا نخوض ونلعب». ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾. ما أرادوا الكفر، ولا أرادوا أن يكونوا بذلك ماذا؟ أن يكونوا كفارًا. ولم يعلموا أيضًا أن هذه العبارة تخرجهم عن دين الله عز وجل، كما جاء في سبب النزول: أن بعضهم كان يقول: «والله يا رسول الله ما أردنا ذلك، ما أردنا إلا أن نذهب عناء الطريق -طريق طويل- أردنا أن نذهبه ببيت -بهذه العبارات-». والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا يزيد على أن يقول لهم: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾. قال رحمه الله تعالى: «وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى، كما يظن كما يظن المشركون». قال رحمه الله تعالى: «قال: وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى، كما كان يظن المشركون». أي: قد يقول هذا القائل كلمة تخرجه من دين الله عز وجل، ويصير بها كافرًا بالله العظيم؛ لماذا؟ قال: «كما كان المشركون يقولون». المشركون ماذا كانوا يقولون؟ قال الله عز وجل عنهم: ﴿والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا﴾ إلا ليقربونا إلى الله ماذا؟ زلفًا. فالمشركون ماذا أرادوا من أولئك الوسائط؟ عبدوهم لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل. إلى الله ماذا؟ زلفًا. وقال الله عز وجل: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾. هكذا يتقولون على الله، هكذا يتقولون على الله عز وجل الإفك والبهتان، فكانوا من الكافرين. فكانوا من ماذا؟ من الكافرين. قال رحمه الله تعالى: «خصوصًا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم». أنهم أتوه قائلين: قوله: «خصوصًا» أي: وأخص خصوصًا، فهو مصدر. وكأن الشيخ رحمه الله تعالى يلفت النظر إلى أمر آخر، وهذا من باب التنبيه. فيقولون: أيها الموحد، اعرف نعمة الله عز وجل عليك، وأن الكلمة الواحدة ربما تخرج الإنسان من دين الله عز وجل وتوقعه في الكفر. واعلم خصوصًا، واعلم خصوصًا، أو أخص خصوصًا من العلم الذي ينبغي أن تعلمه وتتيقنه. قال: «إن ألهمك الله» أي: وفقك الله عز وجل وهداك هداية إلهام وإرشاد، هداية إلهام وإرشاد، ما قص الله عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم. من أين لنا هذا الصلاح وهذا العلم؟ الجواب: أن الله عز وجل أخبر عنهم أنه ماذا؟ عن موسى أنه قال ماذا؟ ﴿وآتينا بني إسرائيل الكتاب وفضلكم على العالمين﴾، وفضلكم على ماذا؟ على العالمين. فهم مفضلون على العالمين في زمانهم، فكانوا خير الناس وأفضل الناس، بشهادة رسول الله موسى عليه السلام لهم. هذا أمر. وأمر آخر: أنهم كانوا أصحاب موسى، وأصحاب الأنبياء هم خير الناس، أصحاب الأنبياء يكونون خير الناس. وهؤلاء كانوا أصحاب هؤلاء، كانوا أصحاب موسى عليه السلام، فيدل على صلاحهم، ويدل على ماذا؟ يدل على علمهم. كونهم أصحاب رسول الله وكليم الله موسى عليه السلام يدل على ماذا؟ على علمهم وعلى صلاحهم. يدل على علمهم وعلى صلاحهم. ومع هذا يقول الشيخ رحمه الله تعالى: «خصوصًا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم». فكأن الشيخ رحمه الله تعالى يقول لك أيها الموحد: وإن بلغت من الصلاح ما بلغ، وإن بلغت من العلم ما بلغ، فاحذر غاية الحذر من الوقوع في الشرك، واحذر غاية الحذر من أن تتلفظ بكلمة توبق عليك دنياك وأخراك. احذر أن تقول كلمة تكون سببًا لهلاكك، ولو كنت ما كنت في التوحيد، ولو كنت ما كنت في الصلاح، ولو كنت ما كنت في ماذا؟ في العلم. وتأمل قصة موسى وأصحابه مع علمهم وصلاحهم. قال رحمه الله تعالى: «أنهم أتوه قائلين» أي: أتوا موسى عليه السلام قائلين، وقائلين حال، أي: أتوه حال كونهم قائلين: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾. هؤلاء علماء، وهؤلاء صلحاء، ومع هذا قالوا هذه الكلمة: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾. كلمة خطيرة، وكلمة عظيمة. لذا أنكر عليهم نبي الله عز وجل موسى عليه السلام إنكارًا شديدًا. قال: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعبدون﴾. باطل عبادتهم التي يعبدونها باطلة. فكيف تريدون أن أجعل لكم إلها؟ والله عز وجل قد فضلكم على العالمين. كيف أجعل لكم إلها؟ وعندكم من بيده ملكوت السماوات والأرض، عندكم الإله الحق. أنكر موسى عليهم إنكارًا شديدًا. ولكن انظر كيف أن هؤلاء مع صلاحهم وعلمهم نطق بهذه الكلمة لمن؟ لرسول الله موسى عليه السلام: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾. وهذا يدل على أن القلوب ضعيفة، وعلى أن الشبه خطافة، وعلى أن الشبه خطافة. لذا ينبغي للإنسان أن يكون حذرًا على نفسه، وأن يكون كذلك محافظًا على قلبه، حارسًا عليه من كل شائبة قد تشوبه. قال: «فحينئذ يعظم حرصك وخوفك على ما يخلصك من هذا وأمثاله». هذه نتيجة لما تقدم. فحينئذ -إذا علمت حال هؤلاء مع صلاحهم وعلمهم- قال الشيخ: «فحينئذ» أي: في هذا الوقت، يعظم حرصك، تكون حريصًا غاية الحرص، ويعظم كذلك ماذا؟ خوفك من ماذا؟ من الوقوع في الشرك. قال: «على ما يخلصك من هذا وأمثاله». وبهذا يتبين لنا علو قدم إبراهيم عليه السلام، ومكانة الإيمان في قلبه، مع ما هو عليه من المكانة العليا، مع هذا يقول: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾. فهذا يدل على أن من كان في العلم أكمل، وفي الإيمان أتم، أنه يكون أشد ما يكون خوفًا من الوقوع في الشرك. وكلما نقص العلم، وكلما ضعف الإيمان، كلما كان في الأمر ماذا؟ سهالة. وفي الأمر ماذا؟ تيسير. أي: يظن أن الأمر ماذا؟ يظن أن الأمر سهل. والأمر خطير جدًا، خطير. لذا انظروا إلى حال أولئك الصالحين من قوم موسى ماذا حصل لهم، وانظروا إلى حال الخليل عليه السلام بماذا يدعو ربه عز وجل؟ يدعو ربه عز وجل: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾. مع أنه هو الذي كسر الأصنام بيده، كسر الأصنام عليه السلام، وسفه أصنامهم، وتكلم فيهم ما تكلم، وأوذي وألقي في النار. ومع هذا يدعو ربه عز وجل: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾. فهذا يدل دلالة واضحة على خطر الشرك، وعلى مكانة العالم الحق والمؤمن التقي من هذا الأمر؛ فإنه يعلم خطر هذا الأمر، ويبعد عنه، ويلجأ إلى ربه عز وجل دائمًا وأبدًا إلى أن يلقى ربه عز وجل في أن يبعدها غاية البعد عن الشرور كلها، وأنواعها، ومن أعظمها، بل أعظمها: الشرك بالله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «وأعلم أن الله تعالى بحكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد -أي: توحيد العبادة- إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾». قد يقول قائل: لماذا؟ ما أراد الله عز وجل أن ينصر أنبياءه من أول وهلة؟ لماذا ما قمع الله عز وجل أعداءه من أول وهلة؟ لماذا جعل الأنبياء يؤذون، وأتباع الأنبياء يؤذون، ويحصل ما يحصل في الأنبياء من قتل، ويحصل ما يحصل في الأنبياء من أذية من أولئك المشركين؟ لماذا ما ينصرهم الله عز وجل من أول وهلة؟ الجواب: أن الله عز وجل حكيم، الله عز وجل حكيم، لا يعمل شيئًا عبثًا، بل يعمل ما يعمل لحكم عظيمة جليلة. ومن هذه الحكم: ومن هذه الحكم إظهار الحق ناصعًا واضحًا بينًا، وكذا الباطل؛ لأجل أن يكون الناس على فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. ولتقوم الحجة الظاهرة الجلية على الكل، على الجميع. ومن الحكم أيضًا: ابتلاء الله عز وجل للصالحين بالطالحين. ومن الحكم أيضًا: أن يظهر، أن تظهر كذلك معاني ربوبية الله عز وجل، ومعاني أسمائه سبحانه وتعالى؛ فإنه هو الذي بيده النصر وحده، وهو الذي بيده العز وحده، وهو الذي بيده الملك وحده، وهو الذي بيده التمكين وحده، إلى غير ذلك من المعاني. وكذلك أمور أخرى وأخرى كثيرة، يعجز عنها الناس أن يحصروها. حكم كثيرة. لا يعمل إلا لحكمة. ربنا عز وجل لا يعمل إلا لا يعمل شيئًا عبثًا، بل لا يعمل شيئًا إلا لحكمة عظيمة جليلة. والله على كل شيء قدير، وبما يعمل سبحانه وتعالى، وجميع أعماله ماذا؟ جميع أعماله مرتبطة بحكمته سبحانه وتعالى. ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾. فتعالى الله الملك الحق. فالله عز وجل لم يخلق شيئًا عبثًا أبدًا، بل خلقه لحكمة عظيمة جليلة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. ومن هذه الحكمة: أن خلق الله عز وجل، أو جعل الله عز وجل للأنبياء أعداء يصدون عن دينهم. ثم تكون العاقبة لأوليائه ورسله، تكون العاقبة لرسله وأوليائه، والعاقبة للمتقين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.