الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش مفهوم العادات وأصله في الشرع، حيث الأصل هو الإباحة حتى يأتي دليل يصرفها إلى التحريم. يُستدل على ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية.
يناقش مفهوم العبادات والعادات في الإسلام، ويشرح أن الأصل في العبادات هو المنع والحظر، أي لا يجوز إحداث عبادة جديدة إلا بدليل من الكتاب والسنة.
يتناول قصة الثلاثة الذين ابتدعوا عبادات لم يشرعها النبي، ويحذر من مخالفة هدي النبي في العبادات، ويؤكد على أن الأصل في العبادات التوقف حتى يأتي الدليل الشرعي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والأصل في عاداتنا الإباحة حتى يجيء صارف الإباحة، وليس مشروعًا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور. في هذه الأبيات، وفي أولها قوله رحمه الله تعالى: والأصل في عاداتنا الإباحة حتى يجيء صارف الإباحة. قوله رحمه الله تعالى: والأصل في عاداتنا، العادات مأخوذة من العود أو المعاودة، وهي تكرار الشيء، هذا في اللغة تكرار الشيء. وأما اصطلاحًا، فللعلماء عدة أقوال في تعريف العادات، ما هي العادات؟ ومن هذه التعاريف ما ذكره الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري، بقوله: هو ما استقر في الأنفس السليمة والطبائع المستقيمة من المعاملات. ومنه من أتى بتعريف أو جزّ من هذا التعريف، فقال بعضهم في تعريف العادات: هو ما اعتاده الناس من التصرفات، من الأقوال والأفعال. وهذا تعريف طيب واضح، وهو سلس في فهمه. قول رحمه الله تعالى: والأصل في عاداتنا الإباحة، الإباحة مصدر من أباح يبيح إباحة، والمراد من الإباحة ها هنا المقصود به رفع الحرج. قول رحمه الله تعالى: والأصل في عاداتنا الإباحة، أي لا حرج في فعل العادات، لأن هذا الأصل فيها، وأنت بالخيار بفعلها أو بتركها، فلا هناك حرج ينالك متى ما أتيت بعادة من العادات التي اعتاد عليها الناس. قال: والأصل في عاداتنا الإباحة حتى يجيء صارف الإباحة، إذن الأصل في العادات الإباحة، هذا هو الأصل، فيفهم من هذا الكلام أن الناس إذا اعتادوا على أمر ما، فما حكمه في الشرع؟ طبعًا، من تأمل في مجتمعات الناس، في مجتمعات المسلمين، تجد أن ما من بلدة وما من إقليم وما من منطقة إلا واعتادت على عادة، لربما لا تتفق مع العادات التي اعتاد عليها الناس في قرية أخرى. فهذه العادات التي يتعامل بها الناس فيما بينهم، ما الأصل فيها؟ هل نلزم الناس أنهم لا يأتون بعادة إلا بدليل؟ أم يقال: لا، الأصل في العادات الإباحة والحل؟ ومما يدل على ذلك ما مر معنى في قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، فربنا سبحانه وتعالى جعل ما على الأرض كل ذلك منفعة، ينتفع بها الناس، فلا هناك شيء يحظر أو يمنعون منه. وأيضًا في قوله عليه الصلاة والسلام: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، كما جاء في الصحيح: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، فأرجع نبينا صلى الله عليه وسلم مثل هذه المسألة الدنيوية، والتي فيها معايش الناس، أرجعها نبينا إلى الناس، وهم ماذا يتعاملون بما تعرفوا عليه؟ يتعاملون بما تعرفوا عليه. قال رحمه الله تعالى: والأصل في عاداتنا الإباحة حتى يجيء صارف الإباحة، إذن إذا اعتاد الناس مثلًا في موضوع المآكل، في موضوع المشارب، في موضوع الهيئات، في موضوع الأقوال، العادات ما تنحصر. فإذا قال لك قائل: يا أخي، إنا في قرية ما، وفي بلدة ما، اعتدنا على عادة نفعلها في صباح كذا، أو عادة اعتدنا عليها في مأكلنا، أو عادة اعتدنا عليها في لباسنا، فهذه العادات نقول: الأصل فيها الإباحة، افعلوا ما شئتم من العادات، كما قال نبينا: «أنتم أعلم بأمر دنياكم». فمسائل الدنيا والمعايش ترجع إلى العباد يتعاملون بها كيفما شاءوا، وهذه المسألة وهذه القاعدة: الأصل في العادات الإباحة، نقل عليها العلماء الاتفاق، فهذا محل وفاق بين أهل العلم. وقد ذكر الإجماع على هذه القاعدة النووي رحمه الله تعالى، في أن الأصل في العادات الإباحة. مثاله: اعتاد الناس على الأكل، منهم من يعتاد على أن يأكل على الكراسي، وهذا هكذا اعتدنا، وبالمقابل بلدة أخرى، يقال: نحن اعتدنا على أن نأكل على الأرض، هل في هذا ما نُعي على هؤلاء؟ هل في أولئك ما نُعي عليهم؟ هذه عادات جرت عليها عرف الناس، فلتمش على عاداتكم. وهكذا قل في المصافحة، فبعض الناس تجد في بعض المناطق لربما تعارفوا، وهذه من عاداتهم، إذا التقى الرجال، أنه ماذا يكون المصافحة والتلاقي بالأنف، هذا بأنفه، وهذا بأنفه، يوجد هذا. فبعض الناس الغرباء يقول: إيش هذا؟ يقول: هذه عادة الناس هنا، الناس اعتادوا في هذه البلدة على أنهم إذا تلاقوا، أنهم يتلاقون بالأنف، هل هذا ممنوع؟ هل هذا محظور؟ لا، نقول: الأصل في الأشياء الإباحة، هذه عادة أنتم جريتم عليها، فامضوا في عاداتكم. قال مؤلف رحمه الله تعالى: حتى يجيء صارف الإباحة، إلا إذا جاء ما يصرف الإباحة إلى التحريم، حين نقول: هذه العادة محرمة، بماذا حرمناها؟ إذا جاء الدليل. الأصل في عادات الناس على ما هي عليه، كل بعاداته يسير، إلا إذا كانت عادة خالفت الشرع، أو جاء الصارف فصرفها عن الحل إلى التحريم، إذن لا نقول: هذه العادة على الإباحة، بل هذه العادة محرمة. فقوله رحمه الله تعالى: حتى يجيء صارف الإباحة، والذي يصرف الأشياء إحدى ثلاث: إما نص صريح من الكتاب والسنة، أو إجماع معتبر، أو قياس صحيح. فهذه الأشياء الثلاثة تعتبر الصوارف، تصرف هذه العادة من الإباحة إلى التحريم. مثاله: ما يصرف من العادات، بعض الناس تجد تذهب إلى البوادي، خاصة ما يتعلق بأمر الخلطة، تجد أن بعض القرى، الخلطة عندهم عادي، يأتي رجل ربما إلى بيت، فتأتي المرأة وتستقبل هذا الرجل، حيًا ومرحبًا بمن حبًا بمن قدم، حياك لطفًا، فتأتي المرأة وترحب بالضيف الغريب، ولو ربما تكون هناك خلوة، فت، فتأتي إليه وتأتي له بالشاي أو بالقهوة، لا يكون هناك ملامسة، صحيح، قد تكون قلوبهم طيبة كما يدعون هذا، لكن تقع هنا محاذير. كيف المرأة تدخل؟ أو ما يقع كذلك في بعض الاختلاط، يدخل أبناء العمومة على الزوجات، فيقع الخلطة على الزوجات، الإخوة فيكون البيت كله خلطة. فإذا أنكرت على هؤلاء أو على هؤلاء، قالوا لك: يا عبد الله، هذه عادات من أول، نمشي عليها، نخترت مع بعض، والحمد لله، كلهم يعرف حدود نفسه، فلا حد يتعدى على أحد، لا بنظرة مشبوهة، ولا بكلمة فيها عدم الاحتشام. نقول: ولو هذا ما يجوز، الخلطة بحد ذاتها محرمة، ولو أنتم تدعون أن هذه عادة القوم، لكن هذه العادة جاء الصارف الذي يصرف هذه العادة من الإباحة إلى التحريم. قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والدخول على النساء»، قلنا: يا رسول الله، أرأيت الحم؟ قال: «الحم الموت»، فلا يجوز الدخول على النساء، وهكذا قس. فإذا رأيت أن أناسًا من الناس على عادة، ينبغي أن توزن هذه العادة، فإن كانت العادة ليس هناك دليل يمنعها، ولا يرتضيها، أو يثيب عليها، فتقول: الأصل إباحة. لكن إذا وجد أن هذه العادة تخالف الدين، فحين تمنع هذه العادة، ولا تكون في حيز الإباحة، بل تمنع منعًا باتًا. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وسأتي معنا عبارات شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، والله تعالى في هذا الباب. في قول مؤلف رحمه الله تعالى في البيت الثاني: وليس مشروعًا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور. وهنا تم التسكين على القافية، وعلى صدر البيت، للانكسار الوزن، لأنه قلت: على الإعراب: وليس مشروعًا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور، فيكون عندي كسر، وعندي ضم، فلم يتناسب، فلهذا يرون التسكين. قول رحمه الله تعالى: وليس مشروعًا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور، هذا إلماح إلى قاعدة أخرى، القاعدة الأولى: الأصل في العادات الإباحة، قلنا: أن من اعتاد على أمر ما، وتعارف الناس عليه، ويقول: أن الأصل هذا مجاز؟ ما كان عادات في الألبسة، ما كان عادات في المصافحة، ما كانت عادات في المآكل والمشارب والزيارة، هذه العادات للناس، لهم أن يفعلوا ما يشاءون، بشرط أن لا تخالف الدين والشريعة. القاعدة الثانية، والذي أرادها المؤلف رحمه الله تعالى، وهي الذي عبر عنها الفقهاء بقولهم: الأصل في العبادات الحظر والمنع، هذه القاعدة الثانية. قول: وليس مشروعًا، أي مما يشرع، وليس مشروعًا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور، أي لا يشرع من العبادات إلا ما جاء ذكره. وهذا البيت قلنا: عبر عنه العلماء بقولهم: الأصل في العبادات المنع والحظر، ما معنى الأصل في العبادات المنع والحظر؟ يقال: أن باب العبادات ليس يترك لكل أحد، كما قلنا في العادات. في العادات قلنا: يا قوم، لكل أناس عادات، وأعراف، وأسلاف، يمشون عليها، يمشون عليها، أمشوا بما شئتم، إلا إذا خالفت النص، حين تمنعون، وإلا اعملوا ما شئتم، هذا الباب، وهذه السعة الموجودة، حتى لا نضيق على الناس، لا نقيسها في باب العبادات. لهذا حكم في العادات، لكن في باب العبادات العكس، ما هو العكس؟ أن الأصل في العبادات المنع، الأصل في العبادات التوقف، الأصل في العبادات الحظر. معنى ذلك: أنه لا يمكن لأي أحد أن يفتح باب العبادة، أو أن يحدث عبادة إلا بدليل، العبادات تفتقر إلى أدلة، لابد أن تأتي عبد الله بدليل على كل عبادة تريد أن تتعبد الله فيها. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، فدل ذلك على أن التشريع في باب الدين، والتعبد هذا يفتقر فيه إلى الإذن من الله، لابد أن يكون الإذن، وكيف الإذن؟ دليل من الكتاب والسنة، ومن إجماع الأمة، حتى ما يتصور أن هذه العبادة هي عبادة مرضية. فقول رحمه الله تعالى: وليس مشروعًا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور، وهذا الفعل، وهو أن إذا وجد أحد من الناس، واختلق لنفسه العبادة، وهذا الذي ابتلينا به في هذه الأزمان، قديمًا وحديثًا، عند المبتدعة، أن بعضهم وجد أن هذا الباب منفتح عليه، فتجد أن بعض الناس تذهب إلى بلدة، كما أنهم عندهم عادات اختصوا بها، تجد أن من الناس من عندهم عبادات اختصوا بها، هؤلاء عندهم عبادات، وتلك القرية عندهم عبادات، وتلك القرية عندهم عبادات وعبادات. ومن أن لكم هذا؟ من أين وجدتم بهذه العبادات؟ تقول: هذه العبادات نحن استحسناها من أنفسنا، وهل هذا يجوز؟ هذا لا يجوز، بل هذه هي البدعة، هذه هي البدعة. البدعة: كونك يا عبد الله أنك تفعل وتتقرب إلى الله بأعمال لم يأذن بها الرب سبحانه وتعالى، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن كل من دان، معنى دان: أي تدين، قال: إن كل من دان بشيء لم يشرعه الله، فذلك بدعة. فإذا وجدت يا عبد الله من نفسك أنك تتعبد الله بعبادة، وهذه العبادة لم يشرعها الله، لا في كتابه، ولا على لسان رسوله، اعلم أنك دخلت في باب البدعة. يقول عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد»، معنى: فهو رد، أي فهو مردود عليه، من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، أي أمر الرسول صلوات ربي وسلام عليه، فهو رد، معنى رد: فهو مردود على صاحبه. يقول الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه الاعتصام، عندما أورد هذا الحديث، قال: وهذا أصل في أن الأصل في العبادات المنع والحظر، قال: وهذا أصل، أي هذا الحديث قاعدة، قال: وهذا أصل في أن الأصل في العبادات المنع والحظر. فعلى هذا، فإذا رأينا رجلًا أراد أن يتعبد الله بعبادة، قلنا له: قف، الأصل في العبادات المنع، ما الدليل؟ تأتي لنا بدليل من الكتاب والسنة على أن هذا الفعل عبادة؟ فإن أتيت بدليل، افعلها عبد الله، ولا حرج. أما إنك افتقرت، وما عندك دليل، فلا يجوز أبدًا أن تتعبد الله بمثل هذه العبادات. ولنا أسوة بنبينا صلوات ربي وسلامه عليه، إذ أنه في زمنه، وفي واقع العمل، وجد أن من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، من ربما عندهم من حب الطاعة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ما أداهم إلى أن يتعبد الله بعبادات لم يتعبد نبينا بها. فكان من أمر نبينا أن منع هؤلاء، وهذا من أعظم الأدلة الذي تدلك على أن العبادات الأصل فيها التوقف. لهذه الأدلة الذي ستأتيكم: كيف أن نبينا ربما إذا علم من أصحابه أنهم عملوا أعمالًا لم يكن عليها هديه صلوات ربي وسلامه عليه، ولم يأمر بها الرب جل فعلًا، فإن النبي يأمر بتركها، تترك، ولو كان على حد زعم من يأتي بمثل هذه العبادات، أن فيها الروحانيات، وأن فيها ترقيق القلوب، وأن فيها انكسار النفس، ولو ولو ولو، ولو كان فيها ما تذع، فلا يجوز الإحداث في دين الله قط. نبينا صلوات ربي وسلامه عليه دخل المسجد، فإذا بحبل ممدود، فسأل عن هذا الحبل: ما هذا الحبل؟ قالوا: يا رسول الله، إنه حبل زينب، تصلي من الليل، تصلي من الليل، فإذا فترت تعلقت به. همها في قيام الليل، عند هذه المرأة، ما تريد أن تجلس، فتستمر في قيامها، فإذا تعبت، لو ربما تعلقت بالحبل، وتشبثت بالحبل حتى تقف، تكون قائمة. فلما رأى نبينا هذا الحبل، قال: «حلوه»، أي فكوه، «حلوه، وليصلي أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد، فإذا فتر فليرقد»، نبي لم يرتضي هذا التعبد، وإن كان هذا التعبد فيه الذي فيه من المصالح، لكن هذا مما لم يشرعه الله في كتابه، ولم يكن على هدي نبينا، التعليق الحبال أو التعلق بالحبال. وهكذا ما جاء في قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي صلوات ربي وسلامه عليه، فكأنهم تقالوها، فقالوها، رأوها قليلة، ثم عذروا نبينا أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، فحينها كل انتصب لأن يتعبد الله بعبادة. فقال أحدهم: أما أنا، فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: وأما أنا، فأقوم ولا أنام، وأما الثالث: قال أما أنا، فلا أتزوج النساء. تأمل في هذه العبادات، قمة في العبادات، ذاك الذي أراد أن يصوم الدهر بأيامه جميعًا، لن يترك يومًا إلا وهو في حال صوم، والآخر سيقوم الليل، قيام الليل شعار الأنبياء، ودثار الصالحين، ومع ذلك سيقوم الليل من أوله إلى آخره، والثالث سيترك النساء، النساء كناية على عدم انشغاله بالدنيا، دلالة على تفرغه لعبادة ربه، قمة في العبادات، وكذلك نية صالحة من أصحابها. لكن نبينا لما علم بهم، قام في الناس خطيبًا، ثم عرج وألمح إلى هؤلاء الثلاثة: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، «فمن رغب عن سنتي فليس مني، من رغب عن سنتي فليس مني». هذه العبارات العظيمة، وهو التبرئة من رغب عن سنتي، فليس مني، قال نبيه في حق من قال، في حق الثلاثة الذين كان من أمرهم الاجتهاد في الطاعة والعبادة، لكن الإشكال أن الطاعة والعبادة التي أتوا بها لم تكن من هدي نبينا، ولم تكن من شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام. فلم يكن من شريعته الصيام بأكمله، وليس من شريعته القيام بأتمه، وليس من هدي اعتزال النساء، أي ترك الزواج، كل ذلك مخالف للشريعة، فماذا؟ فشدد عليهم نبينا النكير، وذلك تبيانًا على أن الدين والتدين والتشريع يكون من بابه عليه الصلاة والسلام، ولا يتأتى هذا لأي أحد كائنا من كان، لا يتأتى هذا لأي أحد، بأنه ماذا يكسر هذا الباب، ويأتي بما يريد من العبادات. ومن نظر إلى أحوال الناس، تجد العجب العجاب، تجد العجب العجاب في هذه البلاد، وفي غيرها من بلاد المسلمين، ممن تراكمت عليها، وطلاطمت حولها أمواج البدع. إن دخلت المساجد فيها البدع، إن دخلت في مواسم رمضان فيها البدع، في مواسم الأعياد فيها البدع، بدع زمانية، وبدع مكانية، وبدع فعلية، وبدع قولية، حتى الأقوال تجد بعض إذا أذن، أتى ببدع في قبل الصلاة، وفي أثناء الصلاة، وبعد الصلاة، وفي الأذان، قبل الأذان، وفي أثناء الأذان، وبعد الأذان، وفي الإقامة، بدع أصبحت تجد أن أصحابك أنهم استحلوا هذا الباب، وكأنه ماذا المأذون الذي يستساغ ليأكل أحد، وهذا لا يجوز. ومما يدلك يا عبد الله على أن الأصل في العبادات التوقف، ما جاء في الصحيحين من حديث البراء رضي الله تعالى عنه، عندما علمه نبينا أن يأتي بدعاء يأتي به عند نومه. فقال: «إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم إني وجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». قام البراء رضي الله تعالى عنه، وكرر هذا الدعاء، وهذا الذكر، إلا أنه ماذا فعل؟ غير كلمة واحدة، تأمل، غير كلمة واحدة، ما الذي قال؟ أتى بالحديث من أوله إلى آخره، إلى أن بلغ: آمنت بكتابك الذي أنزلت، فبدل أن يقول: وبنبيك، قال: وبرسولك الذي أرسلت، فقط غير كلمة، بدأ الذكر بالنبي، ما الذي فعل؟ جعلها الرسول، هل ارتضى ذلك نبينا؟ قال: لا، يبراء، لا، وبنبيك، فأعاد الحديث، وقال: وبنبيك الذي أرسلت. ما الذي يستفاد من هذا؟ كلمة واحدة، كلمة واحدة، مرتضى نبينا أن تغير في هذا الورد، وفي هذا الذكر، سبحان الله، قال له: لا، يبراء، فأعاد الحديث بكماله وتمامه، كما تلفظ به النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه إشارة إخواني في الله، على أن دين متوقف على رضى النبي صلواته ربي والسلام، بما أوحى إليه ربه، بما إليه أوحى إليه ربه، فلا يجوزي عبد الله أن تضيف كلمة، أو أن تنقص، أو أن تزيد ركعة، أو أنك تزيد في ذكر، أو ورد، إلا بما جاء به النص. الأصل في العبادات التوقف، الأصل في العبادات المنع، الأصل في العبادات الحظر، ما يجوز أنك تتعبد الله بأي عبادة، حتى يأتي لك به النص. كذلك يدلك على هذا، ما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن نبينا صلواته ربي وسلامه عليه، لما خرج من المسجد، فإذا برجل قائم، فسأل عنه، يعني قيامه، ليس بالأمر الطبيعي، فسأل عن هذا الرجل. قالوا: يا رسول الله، إنه أبو إسرائيل، وإنه نذر لله أن يقف، وأن لا يستظل، وأن لا يتكلم، وأن يصوم، هذا رجل كذلك ممن عنده الحب التعبد لله، فنذر على نفسه هذه الأنذر الأربعة، كلها في هيئة واحدة. القيام: يقف، نذر بأن يقف، ولا يجلس، وأن يكون قيامه تحت الشمس، فلا يستظل بظل، وأنه كذلك لن يتكلم مع أحد، إذ أن من نذره عدم الكلام، الصمت، ومن نذر الرابع عنه يصوم. نبينا لما رأى لهذا الرجل، ما الذي فعل؟ نذر في النذر الأربع، فما الذي فعل؟ قال عليه الصلاة والسلام: «مروه أن يستظل، وأن يتكلم، وأن يجلس، وأن يتم صومه»، لماذا؟ نبينا ألغى الثلاثة، وأبقى الواحد، لأن الأول والثاني والثالث، ما كان من شريعته، ليس من الأمور التعبدية ترك الكلام، وليس من الأمور التعبدية القيام، وليس من الأمور كذلك التعبدية ترك الاستظلال، هذا ليس من الدين، ليس من التعبد، ليس من التشريع الذي جاء به نبينا. فكان ملغيا، فأمر النبي ماذا؟ أن يترك هذا النذر، أن يجلس، وأن يستظل، وأن يتكلم، أما الأمر الأخير: وأن يتم صومه، لماذا؟ إتمام الصوم، لأن هذا مما جاء به النبي صلواته ربي والسلام عليه. وآكد يا عبد الله، ينبغي أن نحرص في أن العبد إذا أراد أن يتعبد الله بعبادة، كائنا من كان، عليه أن يتحرى أن يكون ذلك من الأمور المشروعة. فهذا الذي أراده المؤلف من قوله: وليس مشروعًا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور، وهذا الذي يعبر عنه العلماء بأن الأصل في العبادات التوقف. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو يلمح أو يلمح إلى القاعدة الأولى: الأصل في العادات الإباحة، وإلماحة إلى القاعدة الثانية: الأصل في العبادات التوقف. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها يتخذونها دينًا، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، وإلى عادات، ينتفعون بها في معايشهم. فالأصل في العبادات أن لا يشرع فيها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حضره الله. وهذا الذي ينبغي أن نفهم إخواني في الله، أن الأصل في العادات الإباحة، والأصل في العبادات المنع والحظر، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.