الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 23، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الأحكام الشرعية تتوقف على توفر الشروط وانتفاء الموانع، وهذه قاعدة عامة تشمل العبادات والمعاملات. الحكم الشرعي لا يتم إلا باجتماع الشروط وارتفاع الموانع.
القاعدة تنطبق على مختلف العبادات مثل الصلاة والصيام والحج، وكذلك على المعاملات والقصاص. يُبين أن كل عمل يحتاج إلى شروط محددة ليكون صحيحاً ومقبولاً.
البيت الشعري يفسر بأن من قام بما عليه من عمل استحق ما له عليه، ويطبق على مسائل فقهية مثل أجر العامل وضمان الأضرار الناتجة عن أفعال مأذون بها شرعاً.
كل فعل لم يؤذن به شرعاً يعتبر محرماً ويترتب عليه عقاب. المؤلف يلخص هذا المعنى ويطلب من الله النفع بما قاله.
فمن عدام الشروط تنعدم الصلاة، ومن عدام الأركان تنعدم الصلاة، الفرق بين هذا وبين ذاك أن الشروط تجدها خارج العبادة، خارج العبادة، بينما الأركان هي داخل الماهية، أي داخلة في العبادة، فهذا الفرق. فقال رحمه الله تعالى: «ولا يتم الحكم أي الشرعي حتى تجتمع كل الشروط»، لابد أن تتوفر الشروط، قال: «والموانع ترتفع»، والموانع يرتفع، والموانع كما فسر العلماء من أهل الأصول بقولهم: ما يلزم من وجوده العدم، أي المانع إذا وجد إنعدمت العبادة، على خلاف الشرط، الشرط إذا انعدم إنعدمت العبادة، المانع إذا وجد إنعدمت العبادة، إذا وجد إنعدمت العبادة. خلاصة هذا المبحث إخواني: فيه بيان على أن الأحكام الشرعية ليس لها محل للقبول وللصحة إلا باجتماع أمرين اثنين، ما هما؟ توفر الشروط وانتفاء الموانع، توفر الشروط وانتفاء الموانع. فلربما رجل يريد أن يؤدي عبادة من العبادات، وليس له مانع، وليس هناك مانع من أداء هذه العبادة، إلا أن الشروط لم تتوفر في حقه، إذن لا تصح العبادة، أو قل العكس: أن رجلا توفرت في حقه الشروط لأداء عبادة من العبادات، أداءها مع وجود مانع، فهذه العبادة لا تصح. فلابد من توفر الشروط وانتفاء الموانع حتى تصح العبادة التي أنت مقدم عليها، والأمثلة على ذلك كثيرة وكثيرة جدا. من ذلك ما يذكر العلماء حول مسألة الصلاة، من أراد أن تكون صلاته صحيحة، فعليه أن يهتم بالشروط ويؤديها، وكذلك يراعي الموانع فيزيلها، فإذا ثبتت شروط وانتفت الموانع، صحة الصلاة. أما إذا اختل أحد هذين الركنين، فالصلاة لا تصح. فمثل من شروط الصلاة الذي ينبغي أن تراعى مثل دخول وقت الصلاة، فدخول وقت الصلاة شرط من شروطها، كذلك الطهارة، الطهارة من الحدث الأصغر ومن الحدث الأكبر شرط من شروط الصلاة، إذا لابد أن تستعين بهذه الشروط حتى تؤدي العبادة. وبالمقابل، كما أنك استعددت بتوفر الشروط، حاول أن لا يكون هناك مانع يحول بينك وبين الصلاة، مثلا لو أن امرأة أرادت أن تصلي، فاستقبلت القبلة وهكذا، دخل وقت الصلاة، فلما أرادت أن تصلي علفت من حالها أنها حائض، أنها حائض، فهل تصح منها الصلاة؟ مع أنها استكملت الشروط، لكن يقال في حقك: مانع، ما هو المانع؟ الحائض، وهذا المانع يمنع من صحة الصلاة، فلا يقبل منك الصلاة، ولو استكملت جميع الشروط، فإن الصلاة لا تصح منك لوجود هذا المانع. وقس كذلك في أمر ماذا؟ في أمر الزكاة. وإلا هذه القاعدة تشمل جميع الطاعات والعبادات، مثل الزكاة، الزكاة لها شروط، الزكاة لها شروط، فمن شروط الزكاة مثلا منها ما يتعلق بالمال، ومنها ما يتعلق بصاحب المال، فما يتعلق بصاحب المال أن يكون مسلما، أن يكون حرا، وهناك شروط، وهناك شروط متعلقة بذات المال، أن يكون هذا المال من الأصناف التي خوطب بها المسلم أن يستخرج منها الزكاة، وأن يكون هذا المال قد بلغ النصاب، أن يكون هذا المال مما دار عليه الحول. شروط متعلقة بصاحب المال وبالمال. ولو أن رجلا توفرت له هذه الشروط، ثم أراد أن يؤدي، إلا أن هذه الأموال ديون عليه، ديون، إذن قلنا: هذا مانع، على قول طائفة من العلماء، هذا مانع، عليك أن تصف الديون حتى يصف لك الصافي، فوجود الدين مانع، ووجود الدين مانع. وهكذا قصة عبد الله في أمر الزكاة، وفي أمر الصيام، وفي أمر الحج، وفي سائر الطاعات والعبادات. وهذه القاعدة كما ذكر العلماء أنها مما اتفق عليها العلماء، مما اتفق عليها العلماء، ذكر ذلك الآمدي رحمه الله تعالى، ذكر اتفاق الفقهاء على هذه المسألة، على أن الأحكام الشرعية إنما تكون باتفاق ماذا؟ بثبوت الشروط وانتفاء الموانع. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كذلك مؤيدا لهذه القاعدة، قال: «اتفق على ذلك أهل العلم، ولا خلاف بينهم في ذلك»، اتفق على ذلك أهل العلم، ولا خلاف بينهم في ذلك، ولكنهم اختلفوا في تنزيلها على بعض القضايا الشرعية والعقلية. نعم، باقي التنزيل، وإلا من حيث التنظير، نعم، المسألة صحيحة، والقاعدة شرعية، وهو أن الأحكام الشرعية لا تصح إلا بثبوت الشروط وانتفاء الموانع. وكذلك أدخل العلماء مسائل كذلك العبادات، مسائل المعاملات كذلك، مسائل حتى في الدماء، ما يتعلق بالقصاص، القصاص لا يكون إلا بثبوت الشروط وانتفاء الموانع، أن يكون القاتل متعمدا، أن يكون القاتل بكامل قوته العقلية، عاقل، وإلى غير ذلك. طيب، لأنه رجل أريد أن يقتص منه لتوفر الشروط، لكن قد يوجد هناك مانع يمنع من قتله، ولو كان قاتلا، مثل كأن يكون قتل كافرا من الكفار، فالصحيح من قول العهد ماذا؟ بجماهير العلماء على أن المسلم لا يقتل بكافر، على أن المسلم لا يقتل بكافر، يعاقب بمعاقبة، لكن لا كعقوبة القتل، فالقاتل إذا قتل كافرا فإنه لا يقتل، لا يساوي، لا يتكافأ المسلم بكافر فيزهق روح الكافر، تزهق روح المؤمن، لأنه ماذا؟ أزهق روح كافر، حياة الكافر متدنية، لو مع ذلك لا يترك، يعاقب، يعاقب بما فيه من تعزير، ومما فيه رجعة له ولأمثاله، لأن هؤلاء كذلك من الدماء المعصومة. وقد مر مر ذلك معنا، لكن هذا مانع، هذا مانع، فالقصاص مع توفر الشروط، لكن يوجد مانع، فهذا أمر مهم كذلك. وهكذا في مسائل التكفير، في مسائل التكفير، فالتكفير من الأوصاف الشرعية، فوصف الكفر على إنسان ما، ما يطلق إلا بها، تحت هذه المظلة، ما هي المظلة؟ توفر الشروط وانتفاء الموانع. فإذا توفرت الشروط في حق رجل، من ذلك أن يكون عالم بالتحريم، عالم بهذا الأمر الكفري، عالم بأن هذا من النواقض، فعمله بقي كذلك، أن ننظر في موانع، هل هناك مانع يمنع من إطلاق لفظ التكفير؟ وإلا شروط التكفير قد وقع فيها، مثل أنه يعلم أن هذا من الكفر ففعل، لكن بقي: هل هناك مانع يمنع من إطلاق لفظ الكفر عليه؟ فإذا وجد مانع لا ينطبق الوصف، مثل الموانع مثل الجهل، الجهل مما يسوغ جهله، أو مما يتصور أن يجهل من أمثاله، فالجهل عذر، وما كنا معذبين حتى نبعث رسوله. ولو تفاصيل، لكن بشكل عام، يعتبر الجهل مانعا من موانع التكفير، وخاصة في المسائل التي تؤذن أن من أمثاله يجهلها، لكونه بعيدا في بادية، أو حديث عهد بإسلام، ونحو ذلك. أو كذلك الإكراه، ربما رجل يقع في أمر يعلم أنه كفر، يعلم أنه كفر، وقع فيه، لكن وجد مانعا، وهو أنه فعل ذلك على سبيل الإكراه، أكره وأرغم وألزم على فعل هذا الأمر الكفري، فحكمه أنه لا يكفر، مع القول بأنه عالم بأن هذا أمر كفري، ووقع فيه، توفر كثير من الشروط، لكن هناك مانع يمنع من إطلاق هذا الوصف، وهو ماذا؟ أنه مكره. وهكذا أدخل العلماء مع مسألة الإكراه مع مسألة الجهل مسألة ماذا؟ التأويل. ولهذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما عبر عن هذه المسألة الثلاث، قال: «اتفق على ذلك عامة السلف وفقهاء الأمة على أن هذه من الموانع التي تمنع من التكفير». وهكذا يا عبد الله، قبول الأعمال الصالحة، قبول العمل الصالح، ما يكون العمل عملا صالحا متقبلا عند الله إلا بثبوت الشروط وانتفاء الموانع. من توفر الشروط من ذلك أن يكون العمل خالصا، هذا شرط، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، شرط، وأيضا أن يكون فيه متبعا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، متبعا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلابد من توفر الشروط. طيب، لأن رجلا أتى بهذه الشروط، أتى بهذه الشروط، ثم بعد ذلك، هل مباشرة يحكم على عمله بالقبول؟ لا، ينظر الموانع، لعله عمل هذه الأعمال الصالحة، وهناك مانع، وهناك مانع يمنع من قبول هذا العمل، من ذلكم الرياء، من ذلكم السمعة، «من رأى الله به، من سمع سمع الله به»، وحديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، وترد الأعمال على وجوه، من كان مرائيا فهو لو عمل الأعمال الصالحة، لكن فيها شائبة الرياء والسمعة، فإن العمل مردود على وجهه. أو أن له ذمة متعلقة بحقوق العباد، فهذا لا يتقبل منه، كان يكون هذا المال الذي أنفقه لوجه الله مال مغصوب، مال منهوب، فهذا لا يقبل منه، ولو كان مخلصا في عمله، ولو كان مخلصا في عمله، فلهذا لوجود هذا المانع، فإنه يرد. وهكذا في أمر الدعاء، الدعاء له شروط، وهكذا ينبغي حتى يستجاب الدعاء منك يا عبد الله، لابد مع توفر الشروط أن تنتفي الموانع. فبعض الناس لو ربما يحقق الشروط، فتجد يلح على الله بالدعاء، ويستكمل آداب الدعاء، ويأتي بأمور الدعاء، كأن يكون متضرعا، كأن يكون ملحا يطرق أبواب السماء في الأوقات الشريفة المنيفة، في جوف الليل، وأدبار الصلوات، وفي السجود، ولا ربما يسأل بأسماء الله الحسنى، يحاول أنه يجعل الشروط متكاملة في باب الدعاء، فهل من أمثال هؤلاء حري أن يستجاب له؟ يقال: ينظر في الأمر الثاني، هل هناك مانع يمنع من الدعاء؟ قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «رب رجل أشعث أغبر يطيل السفر، يرفع يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنا يستجاب له؟ لا»، وفي رواية: «فأنا يستجاب لذلك»، ما يستجاب لما؟ لوجود مانع، انظر الشروط توفرت، وهو التضرع لله، يطيل السفر، ويرفع يديه إلى السماء، إلحاح، الشروط متوفرة، لكن ماذا؟ الموانع موجودة، وماذا؟ أنه غذي بالحرام، وأكل الحرام، ونبت جسده بالسحت، فهذا لا يستجاب له. وهكذا قس يا عبد الله دخول الجنة، ما يمكن لدخول الجنة إلا بثبوت، توفر الشروط وانتفاء الموانع، من الشروط اللازمة لدخول الجنة أن تتوفر فيك الإيمان، والأعمال الصالحة. طيب، لو أن شخصا مؤمنا وأتى بالأعمال الصالحة، هل هذا يعني يجعله مخولا إلى دخول الجنة؟ ينظر في الشرط الثاني، هل هناك مانع يمنعه؟ لعل هناك مانع من الردة، أو أنك ابتليت ببعض مما يسمى بمحبطات الأعمال، وبنواقض الأعمال، فتبتل بهذا، فهذا يصدك عن دخول الجنة. وهكذا يا عبد الله، قس الأعمال الشرعية، كما قال مؤلفة مؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يتم الحكم حتى تجتمع كل الشروط، والموانع ترتفع»، لا أبد، في أي مسألة شرعية، في أحكام شرعية، عبادات أو معاملات، أو كذلك في أوصاف شرعية، بل حتى في أحكام أخروية. فعليك يا عبد الله أن تهتم بالأمرين اثنين، وهو توفر الشروط، أن تجتمع الشروط، وأن تنتفي الموانع. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: «ومن أتى بما عليه من عمل قد استحق ما له على العمل». قوله رحمه الله تعالى: «ومن أتى بما عليه من عمل قد استحق»، استحق، أي من الحقوق، بمعنى: أي استوجب حقا له، بمعنى استوجب حقا له. قال: «ومن أتى بما عليه من عمل قد استحق ما له على العمل». وعض الشراح شرح هذا البيت بما يظهر من ألفاظه، فسره بعضهم بأن من أتى بما عليه من عمل، أنت أديت عملا، عملا وكلت به، قال: «قد استحق ما له على العمل»، يستحق أن ينال ما أداه على هذا العمل، مثاله ما لو أن رجلا اتفق مع عامل على بناء بيت، على بناء جدار، فقام هذا العامل بأداء الذي عليه، كما قال الشعر: «ومن أتى بما عليه من العمل»، أتى على البناء، فعلى الجدار، فعلى البيت، الثمر، النتيجة، قال: «قد استحق ما له على العمل»، يستحق أن يأخذ الأجر التي أدى بها هذا العمل. ولماذا؟ لأن المسلمين على شروطهم، فأنت لو اتفقت مثلا على عامل على فعل ما، على أجر معينة، عليك أن تقف يا عبد الله عند هذه الكلمة، لا تنكث، لا تنقض، لا تخالف، لا تغدر، فتعطل العامل عن أجر، تقول: «أنا ما عندي شيء»، أو «لا شيء»، هناك شهود، «أنا ما قصدي أن أعطيك المبلغ بكامله»، أو تحاول لا تمارغ ولا تماطل، هذا لا يجوز، وإنما يستحق العامل بما أداه من عمل. هذا إذا قلنا على ظاهر النص، «ومن أتى بما عليه من عمل قد استحق ما له على العمل». لكن أدخل العلماء، لكن الناظم سعدي رحمه الله تعالى في شرحه أعطى لهذا البيت معنى آخر، وقد أشار إلى ذلك في شرحه، ولخصه في القاعدة، قال رحمه الله تعالى: «ومفهوم هذا البيت أن من نشأ عن غير المأذون فيه فإنه مضمون»، فما تولد عن المأذون فيه فهو تابع للمأذون فيه، وما تولد عن غير المأذون فيه فهو تابع له. هذا الذي أراده المؤلف، وهو أدرى، وهو أدرى بالذي كتب، وبالذي ألف، وبالذي نظم، فهو كأنه يريد من هذا البيت أنه من فعل أمرا، من فعل أمرا، وهذا الأمر مأذون به شرعا، وهذا الأمر المأذون به شرعا ولد أمرا ما، فهذا المتفرع، فهذا المتفرع حكمه حكم المأذون به. مثل المسألة التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى، وغيب العلماء حول من قام وقطع يد أحد، إلى هذا الحد، إلا أن هذا القطع لهذا العضو سار إلى كامل العضو، أو إلى شيء من الأعضاء الأخرى، هل عليه الضمان أم ليس عليه الضمان؟ هذا التفصيل تأتي هذه القاعدة. إن كان القطع في أصله مأذونا به، مثل قطعت هذا اليد لأجل السرقة، رجل أخذ بتهمة السرقة، فقطعت يده، لكن مع القطع، بعدما قطعت يده، سرى المرض، أو نزيف، أو تلوث، حتى وصل إلى الساعد، فأتلف هذا العضو. طيب، هل هذا الذي قطع اليد من هذا المكان، ثم أتلف البقية، هل يضمن البقية؟ قال العلماء: هذا الذي قطع، أليس مأذونا به شرعا؟ نعم، مأذون به، قطعت سارقا، قطعت يده على أمر مأذون به شرعا، فما سار من التلف، فإنه يرجع إلى الأصل، وهذا القاطع لا يتحمل أي شيء من الضمان. بخلاف إذا كان معتديا، بخلاف إذا كان معتديا، الرجل اعتدى على آخر، فقطع يده، ثم سرى، فيقال: عليك العوض لهذا العضو، وهكذا تضمن بقية العضو الذي سار عليه المرض. لماذا؟ لأن القطع في أصله بالنسبة لك لم يكن مأذونا به شرعا، لم يكن به مأذونا به شرعا. ومثال ذلك مرة أخرى مثال قريب، والذي عليه الإجماع، مثل ما لو أنك تصلي إلى سترة، فأراد أحد أن يتجاوز بينك وبين الستر، ذكرنا الإجماع، وذكره قاضي عياض رحمه الله تعالى، أنك تدفع، تدفع بما يستعان على دفع هذا المشاغب، لأنك ستدفعه وتدفعه وتدفعه، وهو يريد إلا أن يمر بينك وبين السترة، قال نبينا: «فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان»، ثم طرد في المرة الثالثة، ورابع، تدفعه دفعة شديدة تصده، لكن هذه الدفعة ماذا أدت؟ أدت إلى هلاكه، أو إلى ذهاب عضو، أو جاءت الضربة في عينه، ففقعت عينه، فقيت عينه، هل عليك شيء؟ قال القاضي عياض بالإجماع: ليس عليك شيء. لماذا؟ لأنك فعلت شيئا مأذونا به شرعا، فعلت شيئا مأذونا به شرعا. بخلاف الذي ضربه ليس له إذن شرعي، فهنا عليك ماذا؟ القصاص، وعليك كذلك أدية، وغير ذلك من الأحكام الشرعية. هذا الذي عناه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «ومن أتى بما عليه من عمل قد استحق ما له على العمل». وهكذا أدخل علماء مسائل أعمال صالحة، أنك لو فعلت عملا صالحا، وهذا العمل الصالح تولد منه أشياء، وقد تكون هذه الأشياء غير مستحبة للنفوس، ما حكمها؟ حكمها حكم أصل العمل، فإنك تؤجر عليه، أي أنك تؤجر على العمل، وما تولد من هذا العمل، مثاله أديت الحج، أديت الحج، الحج كما يقال هو الجهاد الأصغر، مما يعتري الإنسان من التعب والمشقة في أدائه، فأنت يا عبد الله تؤجر على الحج، كعبادة مؤدية، وتؤجر كذلك على ما تولد من الحج من المشقة، ومن التعب، ومن النصب. ولهذا قال نبينا: «إنما أجرك على قدر نصبك»، أي زيادة على أجر الحج، ما يلاقيه الحاج من تعب ونصب، فإنه يؤجر عليه. كذلك الصائم إذا صام رمضان، فإنه يؤجر على الصيام، ومنبعث، وما يتفرع من أداء الصيام من تلك الرائحة، أي تخرج من فم الصائم، وهي قد مستقدرة عند بعض الناس، فإنها محبوبة عند الله، ويؤجر الصائم عليها، لأنه من أتى بما عليه من عمل قد استحق ما له على العمل، بمعنى الذي أراده النظم رحمه الله تعالى: أن كل ما تولد من مأذون به شرعا، فإنه يلحق بحكم المأذون، أي رخصة، ويؤجر عليه. وما تولد من شيء لم يؤذن به شرعا، فإن ما تفرع منه كذلك يلحق بأصله، فإنك غير مؤذن به شرعا، فتحاسب عليه، وتعاقب، إما عقاب الدنيا، وإما عقاب الآخرة. هذا ملخص هذا البيت الذي أراده المؤلف، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.