الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع الأول شرح القاعدة الأولى في أصول الدين، وهي أن الدين مبني على جلب المصالح ودرء القبائح، مع توضيح مفهوم المصالح العظمى التي تدور حولها الشريعة. كما تطرق إلى تقسيم المصالح من حيث حكم الشرع فيها.
المصالح المعتبرة هي التي اعتبرها الشرع وجعل لها الأدلة، بينما المصالح الملغاة لم يعتبرها الشرع. والمصالح المرسلة سكت عنها الشرع ولم يتعرض لها لا باعتبار ولا بإلغاء، مما أثار اختلاف العلماء حولها.
تناول المقطع آراء العلماء المختلفة حول المصالح المرسلة، حيث اختلفوا في اعتبارها أو إلغائها، وذهب بعضهم إلى اعتبارها لعدم وجود مانع، بينما رأى آخرون أنها لا تعتبر في الدين. كما تطرق إلى مسألة تحريمها لما قد يترتب عليها من استحسان.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فكان الكلام، أخواني في الله، على القاعدة الأولى في قول المؤلف رحمه الله تعالى: الدين مبني على المصالح في جلبها، والدرء للقبائح. وعلمنا ما يتعلق بالمفهوم العام لهذه القاعدة، والتي تعتبر أصلا عظيما من أصول الدين. وعرجنا على عدة مسائل، منها المتعلق بالضروريات الخمس، إذ أنها هي من المصالح العظمى التي دارت رحى الشريعة في دعمها، وفي تثبيتها، وكذلك في حق كل ما كان مؤداه أنه يؤدي إلى العمل بهذه المصالح الخمس. ثم عرجنا إلى مسألة وهي ما يتعلق بتقسيم المصالح من حيث حكم الشرع فيها، إذ أنها تنقسم إلى أقسام ثلاثة: إلى المصلحة المعتبرة، وإلى مصلحة ملغاة، وإلى ما يسميه العلماء بالمصالح المرسلة. فأما المصالح أو المصلحة المعتبرة، فهي التي اعتبرها الشرع وجعل لها الأدلة، وتعرف هذه المصلحة بالنص أو بالإجماع، مثل مصلحة الحفاظ على العقل، جاءت الأدلة الدالة على ذلك، مصلحة الحفاظ على الدين، وهكذا قس على الضروريات الخمس، وما جاء كذلك من المصالح التحسينية من مكارم الأخلاق ومن محاسن العبادات، هذه مصلحة قد جاءت الأدلة الشرعية الدالة عليها. وكما قلنا، وتعرف هذه المصالح المعتبرة بالنص أو بالإجماع. ثم هناك مصالح ملغاة، وهي قد تكون مصلحة في نظر الناظر لها منفعة، لكن الشرع ما اعتبرها، لم يعتبر هذه المصالح، مثل الانتحار، مثل التعامل الربوي. ولا زال الناس يحتاجون إلى هذه المصلحة على حد زعمهم، أنها ذريعة في التكسب من الربا. فالربا نعم فيه منفعة، وهو الاستكثار من المال، لكن هل الشرع اعتبر هذه المصلحة؟ لا، ما اعتبرها، بل ألغاها، فحرم ربنا سبحانه وتعالى الربا، وأحل البيع بالمقابل. وهكذا فكل ما كان المصلحة وجدت فيه على نظر الناظر، لكن الشرع ما اعتبرها، إذن تعتبر هذه مصلحة ملغية، لا يركن إليها ولا يعتمد عليها. ثم هناك المصالح المرسلة، وقلنا ضابط المصلحة المرسلة هي المصلحة التي سكت عنها الشرع، فلم يتعرض لها لا باعتبار ولا بإلغاء، وليس لها نظير يرد عليه أي من باب القياس. فهذه مسألة تنازع فيها العلماء واختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال بهذه المصالح، وأن هذه المصالح تعتبر، تعتبر المصالح التي سكت عنها الشرع وليس لها نظير، فإنها تعتبر ويعمل بها. وذهب من ذهب إلى هذا المدى بالاستدلال بالنصوص العامة، وبالأخص ما أثر من فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذ أنهم اجتهدوا في بعض الأمور وعملوها في أزمانهم، فكان من حق الصحابة الإقرار عليها، ما كان من جمع الصحابة للمصحف، وكان ذلك الاتفاق قد وقع منهم، وهكذا ما يتعلق بتنقيط المصحف، إذ أن ذلك وجد في أحد الصحابة، وهكذا جلد شارب الخمر ثمانين جلدة كان ذلك في عهد عمر رضي الله تعالى عنه وأقره الصحابة. وهكذا يلحق بذلك، كما يقوم في هذه الأزمان توثيق الممتلكات والعقود التي تعقد للزواج وترسم وتختم، هذه الأشياء لم تظهر إلا في هذه الأزمان والناس عليها، فهذه مصالح تسمى بالمصالح المرسلة. وقلنا سميت مرسلة، أي أنها أطلقت، ليس هناك مانع يمنع منها، وليس هناك دليل يدل عليها. فجماعة من أهل العلم اعتبرها أن ذلك من المصالح التي تعمل، وبالمقابل هناك من أهل العلم من ألغى ذلك، من ألغى المصالح المرسلة وأغلق هذا الباب. وليس عندنا إلا مصلحة معتبرة أو مصلحة ملغية، وأما المصالح المرسلة ليس لها حظ في الدين ولا في الشريعة. وذهب من ذهب إلى هذا المذهب جماعة من العلماء، وكان من أقوى الحجج التي استدلوا بها صيانة الدين، صيانة الدين، فمنهم من كان يخشى من هذه المسألة، ومن يسمى بالمصالح المرسلة أن ذلك سيفتح باب الاستحسان، يفتح باب الاستحسان، والاستحسان مستهجن في دين الله، ليس الدين بالتذوق أو بمن يستحسن الرأي بهواه فيقول، فربما صاحب مذهب أو صاحب طريقة أو صاحب فكر أعجب بشيء فيقول يجعله دينا، يقول هذا من الدين، إذ أنه ليس هناك دليل يمنع، وليس هناك شيء يلغي، إذن هي المصالح المرسلة.