الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع تقسيم المصالح في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام: الضرورية والحاجية والتحسينية، مع توضيح كل قسم وأمثلة عليه. كما تطرق إلى اعتبار حكم الشرع في المصالح وتقسيمها من حيث حاجة الناس إليها.
يتناول المقطع ترتيب الضرورات الخمس في الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها الفقهية، حيث يشرح ترتيب الأولويات في الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ويقدم أمثلة فقهية مثل مسألة التترس لتوضيح كيفية تطبيق هذه الأولويات في الواقع العملي.
يناقش المقطع حكم الشرع في المصالح، ويصنفها إلى ثلاثة أنواع: مصالح معتبرة، مصالح ملغاة، ومصالح مرسلة. يشرح كل نوع مع تقديم أمثلة من الشريعة الإسلامية.
المقطع يشير إلى أن العلماء قد ناقشوا الشروط والقيود في باب معين، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الدين مبني على المصالح في جلبها، والدفع عن القبائح. يقولنا، وهذا أصل عظيم من الأصول العامة التي دلت عليها أدلة الشرع، كما أشار إلى ذلك المؤلف رحمه الله تعالى. ومر معنى المصالح أنها جمع مصلحة، وذكرنا أنها تؤول إلى معنى، وهو: كل منفعة قصدها الشرع. وأيضًا من تعريف العلماء لكلمة المصلحة: بأنها الثمرة المترتبة على الأحكام التي شرعها الله لعباده. ومضى معنا إخواننا في الله أن من الضروريات أو من المصالح التي دعت إليها الشريعة: الحفاظ على الضروريات الخمس، والمحافظة على الضروريات الخمس تكمن في أمرين اثنين، أو في جهتين اثنتين: الجهة الأولى الحفظ عليها من باب بقائها واستمرارها، والثاني الحفظ عليها من باب الحماية والصيانة. إذن، هذه أنواع الحفظ وتجري معك هذه الجهات في كل ضرورة من الضرورات الخمس. فالدين الحفاظ عليه من جهتين: من جهة بقائه واستمراره، ومن جهة الحفاظ عليه والمنافحة والصيانة والحماية. وهكذا النفس، حفظ النفس من جهتين: البقاء والاستمرار، وهكذا من باب الحماية والصيانة. وقس في ذلك النفس، وقس في ذلك المال، وقس في ذلك العقل. وقد مر معنا ذكر الضروريات الخمس، وتكمن كذلك مسائل تنبني عليها بالضروريات الخمس، وهي مما يناسب ذكره ونحن في خضم الكلام حول المصالح. وهذه تعتبر من ضرورات الخمس التي ينبغي أن تعقل عند أهل الإسلام. بعضهم من العلماء يعبر عن هذه الضرورات: أنه يستبدل بدل كلمة نسل: النسب، يستبدل بدل كلمة نسل: النسب. وهذا وجد، نعم، من بعض أهل الأصول هذا التعبير وجد، وهذا ليس بدقيق، والأصح البقاء على اللفظ الأول، وهو الحفاظ على النسل، إذ النسل هو المقصود، وليس النسب. الفائدة الثانية كذلك مسألة مهمة متعلقة بترتيب هذه الضرورات، هذه الضرورات الخمس، نعم، يجب المحافظة عليها، لكن أحيانًا تتزاحم عليك، وهنا تحتاج إلى أن تعرف أين الأولوية؟ أين الأولوية في هذه الضرورات من حيث الرتبة؟ الأصل الحفاظ على الدين، والحفاظ على النفس، والحفاظ على العقل، والحفاظ على النسل، والحفاظ على المال، هذه تحافظ عليها، لكن من حيث الترتيب هناك مراتب تقريبًا شبه إجماع عليها. وهو أولى هذه المراتب التي ينبغي أن تصان: الدين، وبعد ذلك النفس، الدين والنفس، المرتبة الأخيرة المال، المرتبة الأخيرة المال. وتم الخلاف في تقديم أي: يقدم العقل على النسل أم يقدم النسل على العقل؟ هنا وقع في هذه الرتبة الثالثة والرابعة تم النزاع في أنظار الفقهاء: أيهما يقدم؟ أيهما يقدم؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أن العقل مقدم على النسل، وهذا الذي جرى عليه الشاطبي رحمه الله تعالى، بل وهكذا المالكية والشافعية على هذا الترتيب: ترتيب العقل على النسل، فيكون أولًا: الدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم النسل، ثم المال في الأخير. وذهب بعضهم كالآمدي، وهما ذهب عند الأحناف على تقديم النسل على العقل، على تقديم النسل على العقل. فمثلًا الذي لا إشكال في أن الدين مقدم على النفس، الدين مقدم على النفس، مثل التطبيق العملي لهذه القاعدة ما يسميه الفقهاء بمسألة التترس، وهي قضية يذكرها الفقهاء وأهل الأصول في كتبهم: التترس، وهي ما لو أن بلدًا من أهل الإسلام ابتلوا بغزو من الكفار، إلا أن الكفار استترا خلف مسلمين أسرى. فأنت إذا ستضرب الكافر حتمًا ولزمًا ستصيب أهل الإسلام، ستقتلهم وأنت تعلم أن هؤلاء براء، براء وليس لهم ذنب في القتل والقتال. وإذا كففت عنهم لحقن دمائهم، فإن هؤلاء سيدخلون إلى قرية الكفار، وحين سيكون الهيمنة للكفر، فأنت بين أمرين: إما أن تحافظ على الدين على حساب قتل الأنفس، وإما أنك تحافظ على الأنفس مقابل ذهاب الدين. هنا تأتي الضرورات الخمس تعينك الترتيب، ما هو المقدم؟ الحفاظ على الدين، النفس الثاني، إذا ماذا؟ يقتل الكل، نقاتل هؤلاء ولو ذهب من ذهب من الأنفس البرئة، تقتل أنفس حفاظًا للدين، لأن الدين هو المهيمن، وهو الأولى المراتب التي ينبغي أن تراعى. وهذا من فقه ترتيب الأولويات في باب الضرورات، وهذه مسألة تعفنا، ليست جدلًا، ولكن مسألة واقعية يحتاج إليها الناظر، وهكذا الباحث، وخاصة في المسائل التي تنزل على الناس. كذلك مما يقول: مسألة تذكر في الضرورات الخمس، مسألة إضافة أمر سادس قد يضاف فوق الضروريات، وهو العرض، وهو العرض. هل العرض يعتبر ضرورة من ضروريات التي ينبغي أن تذكر مع هذه الخمس؟ نعم، ذهب جماعة من أهل الأصول إلى ذكر العرض. فذكر ذلك الطوفي رحمه الله تعالى، بل القرافي رحمه الله تعالى ذكر هذا القول عن بعضهم، عن بعض ممن سبق، لما ذكر الكليات، فقال القرافي رحمه الله: قال الكليات الخمس حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال، وقيل: الأعراض، وقيل: الأعراض. فبعضهم ذكر العرض وأنه يعتبر من الضرورات الخمس. وممن دافع ونافع عن هذه المسألة الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في إرشاد الفحول، الشوكاني دافع ونافع عن هذه المسألة، ورأى أن الأعراض تدخل كذلك في الضروريات الخمس، فقال رحمه الله تعالى: وقد زاد بعض المتأخرين سادسًا وهو حفظ الأعراض، فهذا اعتراف منه أن هذا من إدراج بعض المتأخرين، أما القدامى فما ذكروا ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى مبينًا صحة هذا القول: وهو أحق بالحفظ من غيره، أي العرض، قال: وهو أحق بالحفظ من غيره، ثم قال: فإن الإنسان قد يتجاوز عن من جنى على نفسه وماله، ولا يكاد أحد أن يتجاوز عن من جنى على عرضه، أي: يدل على يبين شوكاني عظم الأعراض على الناس، بأن الرجل قد يتنازل في حق من تطاول على نفسه، ومن تطاول على ماله، لكن بالكاد قليل من ربما يتجاوز عنك إن تناولت عرضه، إن تناولت عرضه. فرأى أن هذه مسألة الكامنة في النفوس دلالة على أهمية الأعراض، لكن الصحيح في المسألة أن الأعراض لا تكون ضرورة سادسة، لما؟ لأن الضرورات الخمسة التي قد مرت معنا هي كليات، أمور كلية ترجع إليها معالم كثيرة من معالم الدين. والأمر الثاني أن الأعراض ما هي الضابط؟ لا تنضبط، مسألة الأعراض لا تنضبط، ليس لها بداية وليس لها نهاية. وأيضًا كذلك إذا فتح هذا المجال سيفتح لنا المجال على ضرورات كثيرة: ضرورة العبادة، ضرورة الإيمان، ضرورة الآداء، ضرورة الأخلاق، إلى ما لا نهاية. ولهذا فلا تذكر أيضًا عرض كضرورة سادسة، لكن تدخل الأعراض وهكذا الأنساب في باب حفظ النسل، كما ذكرنا: الأعراض والأنساب تدخل في باب حفظ النسل، هذا هو الأولى، لأن لو تلاحظ النسب وتلاحظ العرض ما هم إلا عبارة عن خدم للحفاظ على النسل، خدم للحفاظ على النسل. فماذا لأن نجعل أمرًا سادسًا الأعراض أو الأنساب؟ لا نجعل الأعراض والأنساب تدخل تحت مسألة ماذا؟ النسل، فنحافظ على هذه الضروريات الخمس، وأن هذه لها توابع، هذه مسألة سريعة متعلقة بالضروريات الخمس. كذلك من المصالح التي دعت إليها الشريعة، قلنا: الشريعة دعت إلى الحفاظ على المصالح، وهي تنقسم إلى مصالح ثلاثة: المصالح الضرورية، وقد ذكرناها، وهي الخمس. الثانية ما يعبر عنه البعض المصلحة الحاجية، المصلحة الحاجية، وهي التي مصالح يحتاج إليها الناس. هي نعم هي ليست كرتبة الضرورة، قلنا: ضابط الضرورة وهي الذي بفقدانها يختل نظام الإنسان في دينه أو دنياه، هذه الضرورات قد مرت، وهي الخمس. لكن المصالح الحاجية هي دون ذلك، هي طبعًا هي مصالح لو اختلت ما نقول أن اختلال سيقع في دين الناس ولا في دنياهم، لكن ما الذي يقع لهم؟ ضيق يقع في أمرهم، حرج يقع في أمرهم، كلفة. فهنا الشرع راعى هذا الباب، راعى هذا الباب، فاهتم بذكر المصالح ودعم المصالح الذي تدعم هذه الجهة، وهي جهة الحاجة، جهة الحاجة للناس. فمثل ذلك يكون هذا في باب العبادات، من ذلك الرخص، الرخص، فهذه الرخص مصلحة أرادها الشرع، وهي ليست مصلحة ضرورية، لكن مصلحة يحتاج إليها الناس. فمن ذلك الإفطار في حق المريض، الإفطار في حق الصائم، كذلك الصلاة جالسًا أو على مضجعه لمن لم يقدر على القيام، كذلك التيمم عند عدم القدرة على الماء أو عند فقد الماء. فتجد هذه أشياء ماذا؟ جاء الشرع بذكرها، فهي مصلحة، لكن ليست مصلحة ضرورية، لكن هي مصلحة حاجية يحتاج إليها الناس. وهكذا كذلك في باب المعاملات، من ذلك البيع والشراء والمزارعة والشراكة والشركة إلى غير ذلك من مسائل البيوع، فهذه مسائل الشريعة اعتنت بها لأن فيها مصالح، فهذه مصلحة اعتنت بها الشريعة لعباد الله، وإن لم تكن مصالح ضرورية، لكن مصالح حاجية. الصورة الثالثة أو القسم الثالث من المصالح التي دعت إليها الشريعة: المصالح التحسينية، المصالح التحسينية، وهي التي يعبر عنها العلماء كضابط لها: قال هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب ما تأنفها العقول، وتجنب ما تأنفها العقول. فهذه المصالح التحسينية هي تدور حول الأخذ بمحاسن العادات، بمحاسن الأخلاق، بمحاسن الآداب، فإن هذا الباب من باب المصالح التي يحتاجها الناس، الشرع ماذا؟ أرشد إليها. ويدخل في ذلك الكثير من باب الآداب: آداب الأكل، آداب الشرب، كذلك التمتع بالأكل المباح وبالشرب وبالمسكن وهكذا. خصال الفطرة هذه من المصالح التحسينية، خصال الفطرة وما يتعلق بالترفع عن النجاسات والقاذورات، فهذه المصالح يسميها الفقهاء بالمصالح التحسينية، فهذه كذلك مما دعت إليها الشريعة، مما دعت إليها الشريعة. فهذه كلها تعود إلى مصالح العباد، هي نعم تتفاوت تتفاوت من حيث ماذا؟ القوة، لكنها في النهاية تعود إلى مصالح العباد، والشريعة دعمت هذه المصالح الثلاثة: إما مصالح ضرورية دعت الشريعة لها، وإما مصالح حاجية كذلك حافظت عليها الشريعة، وإما مصالح تحسينية كذلك أرشدت، وهكذا في باب المصالح تقسيم آخر، وهو المصالح باعتبار حكم الشرع فيها. المصالح باعتبار حكم الشرع فيها، فهي تقسم إلى أقسام ثلاث، المصالح من حيث حكم الشرع فيها، قلنا: ذاك التقسيم الأول من حيث حاجة الناس إليها، تلك المصالح من باب حاجة الناس إليها تنقسم إلى الثلاث. وأما من حيث حكم الشرع في المصلحة، وهذا باب مهم جدًا، لأن كثيرًا من الناس من يقول: هذه مصلحة، فيقوم بأدائها، وقد لا تكون كذلك. ويقول في أمر آخر: بأنهم مفسدة، فيجتنبها، وهي من دين الله سبحانه وتعالى، إذن المصالح ينبغي أن تغبط، فحكم الشرع في باب المصالح على ثلاث صور: الصورة الأولى ما يسميها الفقهاء بالمصالح المعتبرة، بالمصالح المعتبرة، وهي التي اعتبرها الشرع مصلحة، اعتبرها الشرع كمصلحة، فأجرى عليها الأحكام، فأجرى عليها الأحكام. وهذه المصلحة المعتبرة لها ضابط، ضابطها كما يقول علماء: هو رجحان جانب المصلحة فيها، رجحان جانب المصلحة فيها، فهذه مصالح معتبرة. وهذا كثير من ذلك ما مر معنا من الضروريات الخمس، فهناك عندي مصلحة حفظ العقول، هذه مصلحة مقصودة، ومن هذا الباب حرم الخمر وشرب الخمر، وهكذا حفظ النسل، ومن أجل ذلك حرم ماذا؟ الزنا والقذف إلى غير ذلك. فهذه المصالح المعتبرة، والتي يمكن أن تعرف العلة منها بالنصوص الشرعية، تعرف المقصد منها بالنصوص الشرعية، أو بالإجماع، فهذا يدخل فيها باب القياس، يدخل فيها باب القياس. علمنا من خلال المصالح الشرعية التي دعت إليها الشريعة باعتبارها أنها مصلحة ما يتعلق مصلحة حفظ النفوس، هذه مصلحة شرعية، الشريعة دعت إليها، إذن يعلم هذا بالنصوص والإجماع. فإذن كل ما كان فيه حفظ للنفوس فيعتبر ماذا؟ مصلحة معتبرة، وما كان فيه مضرة للنفوس فإنه يبعد، وهكذا قس عبد الله، فمن ذلك مثلًا إذا علمنا أن من المصالح الشرعية الحفاظ على العقول، من المصالح الشرعية الحفاظ على العقول، فحفظ العقل مصلحة معتبرة عند الشرع، دل عليها النص ودل عليها الإجماع. إذن فكل ما كان يقول إلى فساد العقل فإنه يمنع، مثل ماذا؟ يلحق بالخمر المسكرات، ويلحق بذلك المخدرات، وقس على ذلك، فهل يسميها الفقهاء بالمصالح المعتبرة؟ القسم الثاني: المصالح المصلحة الملغية، أو يسمى المصلحة الملغاة، المصلحة الملغاة، وهي المصالح التي يراها بعض الناس أنها مصلحة، يراها بعض الناس أنها مصلحة، وهي في حقيقة الشرع لا مصلحة فيها، لا مصلحة فيها. فمثلًا الخمر والميسر كما جاء ذلك في نص القرآن، قال سبحانه وتعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، فربنا سبحانه وتعالى أخبر على أن الخمر والميسر فيه منافع، لكن بالمقابل فيه إثم وفيه مضرة، فلوجود هذه المضرة فإن لا ينبغي الانتفاع بالخمر والميسر. وعلى هذا قس كثير مما نراه في زمن المعاصر من كثير ممن يرى أن هناك مصالح موجودة، مصالح موجودة ينبغي أن تستخدم وينبغي أن نعمل فيها لوجود هذه المصلحة، وهذا ليس بصحيح، بل إذا كانت هذه المصلحة من ورائها مفاسد، فإن هذه المصلحة ملغية، فهذه مصلحة ملغية. مثل الانتحار مثلًا، أجد بعض الناس يرى أن الانتحار ليس فيه شيء، وخاص في حق رجل ابتلي في هذه الدنيا بعدة بلاء من أمراض وضيق وقلة في المعيشة، فهل هذه المفاسد الذي يراها في نفسه تبيح له أنه ينتحر؟ فيرى أن هذه مصلحة، لا، يقال: هذه، وإن رأيت أنها مصلحة، لكنها في شرع لا ملغية، لأن الشرع منع من قتل النفس بغير حق. وهكذا ما يتعلق بالربا مثلًا، بعض الناس كما في هذا الأزمان يرى أن التعامل بالربا مصلحة عظمى، يقول: أنا رجل ما أفهم في التجارة ولا أعي شيئًا في هذه الأبواب، فحسب أني أضع مال في بنك ويزيد هذا المال، بحيث أنتفع به، أنتفع به لأهلي ولعيالي، فيقرأ أن هذه مصلحة، فهل هذه مصلحة؟ وإن كانت مصلحة، نعم، يراها بعينه، لكن هل هي في شرع معتبرة؟ لا، الشرع ما اعتبر ذلك، بل الشرع ألغى ذلك. فهذه تسمى عند العلماء بالمصلحة الملغية، فإنما سميت مصلحة لا أن الشرع جعلها مصلحة، لكن هي مصلحة من حيث أن الرأي يراها مصلحة. الصورة الثالثة والأخيرة، وهي المصلحة المرسلة، يسميها العلماء بالمصالح المرسلة، المصالح المرسلة، يقول علماء: هي المصالح التي سكت عنها الشرع، فلم يتعرض لها لا باعتبار ولا بإلغاء، هذا معنى المصلحة المرسلة. فهي مرحلة وسط، لأن الشرع اعتبرها فذكرها أنها من المصالح الشرعية المطلوبة، ولأن شرع ألغاها ونفاها لما فيها من ضرر وفساد، بل الشرع سكت عنها، ولهذا سميت بالمصلحة المرسلة، مرسلة أي أنها مطلقة، الإرسال هنا بمعنى الإطلاق، كما في الحديث: إذا أرسلت كلبك المعلم، أرسلت كلبك بمعنى ماذا؟ أطلقته. إرسال بمعنى الإطلاق، فهي مصلحة مرسلة، إذا جئت بها إلى ميزان الإلغاء لم تلغى، وإذا جئت إلى ميزان الاعتبار لم تعتبر، فهذا الذي وقع فيه الخلاف بين علماء: منهم من أنكر مثل هذه المصالح، ومنهم من جوز مثل هذه المصالح، ومنهم من فصل فيها. والمسألة تحتاج إلى نظر، ويترك هذا إن شاء الله في درس غد نذكر أقوال علماء في هذا الباب من المصالح المرسلة. ومن أبواب المهمة التي وقع فيها اللبس، بل أصبحت مدخلًا مدخلًا لكثير من أهل الأهواء، بل كذلك مما نبتلَى به في هذه الأزمان من العقلانيين من أصحاب الأفكار اللادينية، مما لربما تشبث بما يسمى بالمصلحة المرسلة، فأدخل البدع وأدخل الأهواء وأدخل كذلك بعض ما يخالف الشريعة، كل ذلك تحت عنوان المصلحة المرسلة. والعلماء في هذا الباب ذكروا الشروط والقيود التي ينبغي أن تعتبر في هذا الباب الذي يدعى بهذا الاسم، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.