الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
النية تميز بين العبادات والعادات، وتلعب دورا بارزا في التمييز بين العبادات المختلفة. بدون نية صحيحة، لا تصح العبادة، حتى لو كانت الصورة الخارجية للعمل صحيحة.
مقاصد الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتجنب المفاسد، مع توضيح مفهوم المصلحة وتعريفها عند العلماء. الشريعة الإسلامية وضعت أحكاما لتحقيق هذه المقاصد.
الضروريات الخمس في الشريعة الإسلامية هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. الشريعة أمرت بحفظ هذه الضروريات من خلال مختلف الأحكام الشرعية.
الدرس ينتهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم، مع صلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. هذا الختام يعكس أهمية التواضع والاعتراف بحدود العلم البشري.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان العروج على أهم المسائل المتعلقة بالنية، من حيث الكيفية والزمنية، ومن حيث مسألة الاستصحاب والمشاركة في موضع الرياء، إلى آخر ما ذكر، وكذا نشير إلى مسألة ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في شرحه، حين قال: النية لها مرتبتان، وهذه تتعلق بمسألة مهمة جدا، وهي ما تتعلق بفوائد النية. فإن من أعظم فوائد النية التمييز بين الأعمال، التمييز بين الأعمال، فإن من أعظم ما تقوم به النية التمييز بين العادات والعبادات، وبين العبادات بعضها من بعض. وإلى هذا أشار المؤلف رحمه الله تعالى في الشرح، فقال: النية لها مرتبتان، إحداهما تمييز العادة عن العبادة، وذلك أن الصوم مثلا هو ترك الطعام والشراب ونحوهما، ولكن تارة يترك الإنسان عادة من غير نية التقرب إلى الله في هذا الترك، وتارة يكون عبادة. وهذه أمثلة كثيرة جدا، وخاصة في الأعمال التي تتشابه، الأعمال التي تتشابه من حيث الصورة، تجد العمل هو هو، العمل واحد، ولكن هذا عمل قد يعد عبادة، وقد يعد عادة، وذلك مرجعه إلى ماذا؟ إلى النية، إلى النية. فالنية تميز بين العادة والعبادة. فلو أن شخصا ما اتخذ أمرا ما عادة، وبعدما انتهى من تلكم العادة أراد أن يحتسبها عبادة، لا تصح، لا تصح؛ لأنه قد نواها عادة، فلا تكون عبادة قط. وهذا مثاله ما يتعلق بالاغتسال، فعندي الاغتسال صورة واحدة، أحيانا إذا أردت أن تكون عبادة بالنية تكون عبادة، كأن تكون اغتسالا من جنابة، وأحيانا يكون هذا الاغتسال بغير عبادة، أي إذا كنت أردت بذلك التبرد والاستحمام والتنظف، فهذا لا تكون عبادة على النية. ومن هنا نتعرف على أهمية النية، وهذه مسألة تكثر في حق من يقع منه هذه المسألة، وهو في حق الجنوب، مثلا، ربما جنوب أصبح جنوبا، ثم ينشغل بأمر ما، بل قد يذهب إلى البحر فينغمس الساعات الطوال في البحر، عندما ولج البحر وانغمس فيه إنما كانت نيته التنظف، التبرد، الاستحمام، التنزه، ولم يخطر على باله قط، لا من قريب ولا من بعيد، أنه على جنابة أبدا، نسي هذا نسيا. فلما انتهى من انغماس هذه الساعات الطوال في البحر، فلما وصل إلى البر ولبس ثيابه تذكر أنه على جنابة، فهل يقول: ما مر عليه من انغماس تلك الساعات في البحر، هل هذا يجزئ عن غسل الجنابة؟ الجواب: لا، هذا لا يجزئ، ولو انغمست تلك الساعات، لماذا؟ لأن بانغماسك لم تكن هناك لك نية أصلا، لم تكن لك نية التعبد. فانتبه يا عبد الله، فلا بد أن العبادة تحتاج إلى نية، فكان من فوائد النية أنها تميز بين العادة وبين العبادة. ثم قال رحمه الله تعالى أيضا: من أعمال النية التمييز بين العبادات، وهذا كذلك يتصور في الشيء المشترك في الصورة، تجد أن العبادات تشترك في صورة ما، صورة واحدة، مثل الصلاة. الصلاة قد تشترك في الهيئة في العدد، لكن تختلف هذه الصلاة من هذه الصلاة من حيث ماهيتها، فتجد أن ذلك فرد الظهر، وذلك فرد العصر، ولو أنه في الفرضية في رتبة واحدة، لكن هذا يتعلق بوقت الظهر، وهذا يتعلق بوقت العصر، فهذا يحتاج إلى نية، وهذا يحتاج إلى نية. أو قس كذلك من حيث العدد، قد يكون هذا فردا، وقد يكون هذه نافلة، هذا فرد وهذه نافلة، فهذا يحتاج إلى نية، فالنية تأتي تميز بين هذه العبادة وهذه العبادة. فأنت لو مثلا قمت، صليت أربع ركعات، أربع ركعات، فما هذه الصلاة؟ هل هي تريدها الظهر؟ تريدها العصر؟ تريدها العشاء؟ يمكن هذا، يمكن هذا، يمكن هذا. ما الفيصل بين هذه الصلوات؟ الفيصل النية، ما نويته في قلبك هو الفيصل، وبهذا ينبغي أنك تفرق بين العبادات بالنية. كما يمثل بعض العلماء مثلا لو أن رجلا استيقظ متأخرا وأراد أن يصلي الفجر، فدخل المسجد فصلى ركعتين على أنهما السنة القبلية، فلما صلاهما في الضحى، مثلا، صلاهما في الضحى في المسجد، فإذا بالناس قد خرجوا، ما لكم خرجوا؟ لقد صلينا في الداخل، ما صلينا؟ قد صلينا الفجر في الداخل، الله المستعان، وأنا أصلي منتظر في الخارج. قال: على كل حال، صليت السنة القبلية، هي هي الفجر، هي هي الفجر، هل هذا يصح؟ أبدا لا يصح، لا يصح؛ لأنه إنما نويت أن تصلي نية ماذا؟ السنة القبلية، ولم تنو بها ماذا؟ فريضة الفجر. فالنية، إخواني في الله، تلعب كذلك دورا بارزا في التمييز بين العبادات. هذا، إخواني في الله، ملخص هذه المسائل، وقد تكلمنا عن مجمل مسائل، ومن أراد المزيد فلينظر في المطولات حول المسائل المتعلقة بالنية. قال رحمه الله تعالى: الدين مبني على المصالح في جلبها والدرء للقبائح. هذا البيت، وهذا النظم يدور على مسألة من أعظم القواعد، وقد عبر عنها العلماء رحمه الله تعالى بعدة تعبيرات، من ذلك ما عبر عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وبتعطيل المفاسد وتقليلها. ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وبتعطيل المفاسد وتقليلها. فهذه هي الشريعة الربانية، أنها دعت إلى كل ما فيه مصلحة ومنفعة خالصة أو راجحة للناس، وأن الشريعة بالمقابل سعت إلى إلغاء ونفي كل ما كان فيه مفسدة أو مضرة خالصة أو راجحة على الناس. ومن تأمل في شريعة الله سبحانه وتعالى، وما سنه من الطاعات والعبادات، ومن القربات، ومن القربات، تجد أنها تدور على هذه القاعدة، أن الشرع إنما أمر العباد بما فيه مصلحة راجحة، وبالشرع بالمقابل نهى وحرم أشياء على الناس لما فيها من مفسدة راجحة. وسيتأتي معنا بعض المسائل المتعلقة بهذا. ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينا لهذه القاعدة، قال رحمه الله تعالى: وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم، قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد، لكن لما كانت مفسدتها راجحة على مصالحها، نهى الله ورسوله عنه. قد يكون هذه في منافع، يوجد الظالم في ظلمه، والسارق في سرقته، والذي يأتي الفواحش قد يتلذذ بها، نعم، يجني بها منفعة، لكن هل هذه المنفعة مقبولة منه؟ لا؛ لأن هذه المنفعة الحاصلة من هذه الأعمال هي قليلة بالنسبة للمفاسد التي سيكتسبها من وراء هذا العمل. فذكر رحمه الله تعالى أن هذه الأعمال، وإن وجدت بها منفعة، لكنها كمقارنة مع مفاسدها، فالمفاسد أكثر، ولهذا نهى الله ورسوله عنه. ثم قال رحمه الله تعالى: كما أن كثيرا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة، لكن لما كانت مصلحتها راجحة على مفسدتها، أمر به الشارع. ثم قال: فهذا أصل يجب اعتباره، هذا أصل يجب اعتباره. تجد أن الشريعة إنما تدور على تحقيق المصالح، كل ما كان فيه مصلحة خالصة راجحة محضة، فإن الشرع يدعو إليه ويأمر به، وكل ما كان فيه مفسدة أو فيه مضرة خالصة أو راجحة أو محضة، فإن الشرع سرعان ما يمنع. ومن تأمل في مقاصد الشريعة يرى ذلك. لهذا علق الإمام السعدي رحمه الله تعالى على هذا البيت بقوله: قال: هذا الأصل العظيم والقاعدة العامة يدخل فيها الدين كله، فكلهم مبني على تحصيل المصالح في الدين والدنيا والآخرة، وعلى دفع المضار في الدين والدنيا والآخرة. وهذا كما قلنا، يا إخواني في الله، من القواعد العظيمة، من القواعد العظيمة الذي اتفق عليها العلماء. تأتي مسألة قد يقول قائل: إذا كانت هذه من القواعد العظيمة، ما لنا لم نسمع عنها؟ عندما أقرأ بكتب أهل العلم أن القواعد الخمسة التي اتفق عليها العلماء والعقلاء ما قد ذكر سلفا، وهي: اليقين لا يزل بالشك، الضرورات تبيح المحظورات. قالوا: ما سمعنا هذه القاعدة تمر علينا، إذا كان العلماء يزعمون أن هذه قاعدة كلية وعظيمة ومهمة لهذه الدرجة، وأنها أصل عظيم من أصول الدين، فعلى ما لم تذكر في القواعد الخمسة التي اتفق العلماء على أن القواعد ترجع إليها؟ أشار بعض العلماء، كالفاندي رحمه الله تعالى، أشار إلى أن هذه القاعدة مضمنة تحت قاعدة: لا ضرر ولا ضرار، أو ما يعبر به بعضهم: الضرر يزال، الضرر يزال. فهذه القاعدة تنبثق من تلك القاعدة، لهذا استغنى العلماء عن ذكرها على حدة، فليكن هذا في البال. بل إن من العلماء من لما أراد أن يحصر القواعد، وهي القواعد الفقهية الكثيرة، أراد أن يحصرها حصرا، إذ به يحصر القواعد التي تعد بالمئات إلى أحد القواعد إلى خمسة قواعد، حتى وصل إلى بعض أهل العلم قال: أن جميع القواعد كلها ترجع إلى قاعدة واحدة، ما هي؟ هي هذه القاعدة. وهذا الذي حرره وقرره العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى، قرر أن جميع القواعد الفقهية تتفرع من هذه القاعدة الأم، من هذه القاعدة الأم: أن الشرع جاء لتحصيل المصالح، وإلى درء المفاسد. قال: مهما ذهبت يمنة أو يسرى لأي قاعدة، تجد أنها تجرك وتردك إلى هذا الأصل الأصيل. وهذا كما قل قائل قد ألف كتابه رحمه الله تعالى على هذه القاعدة، بأن جميع القواعد تتفرع من هذه القاعدة. وهذا يدلك على أهميتها. قوله رحمه الله تعالى: الدين مبني على المصالح، الدين مبني على المصالح، المصالح جمع مصلحة، جمعوا مصلحة، والمصلحة في لغة العرب بمعنى المنفعة. المصلحة في اللغة بمعنى المنفعة، حتى قال علماء المصلحة: هي المنفعة، وزنا ومعنى، من حيث الوزن نفس الوزن، ومن حيث المعنى هو المعنى. فالمصلحة هي المنفعة، وزنا ومعنى. وأما ما يتعلق بتعريف المصلحة عند العلماء، فالأهل العلم تعريف كثيرة، وخاصة من أهل الأفةل الأصول، كتعريف الغزالي، وتعريف كذلك الشاطبي، وتعريف العز بن عبد السلام، لهم تعريف ترجع في مضانها، لكن كلها تقول إلى أن المصلحة بمعنى: هي كل منفعة قصدها الشرع لعباده. قوله رحمه الله تعالى: في جلبها، جلب الشيء يجلبه جلبا، في القاموس قال: جلب الشيء بمعنى المجيء به من مكان إلى آخر، جلب الشيء هو المجيء به من مكان إلى آخر، إذن المقصود: الدين مبني على المصالح في جلبها، أي أن الشريعة تقوم على هذا الأصل، وهو أنك تجيء بالمصالح. فالشريعة تجيء بالمصالح. ثم قال رحمه الله تعالى: والدرء للقبائح، الدرء بمعنى الدفع، وكما في الحديث: ﴿ادرأوا الحدود بالشبهات﴾، معنى ادرأوا: بمعنى ادفعوها، الدرء بمعنى الدفع، أي بمعنى المنع، والدرء للقبائح، والقبائح جمع قبيح، وهو ضد الحسن، وهو ضد الحسن. إذن هذه معنى العبارة التي أرادها المؤلف رحمه الله تعالى. فالخلاصة أن هذه الشريعة إنما جاءت بتحصيل المصالح، وبدرء المفاسد. ذكرنا، يا إخواني في الله، أن الدين مبني على المصالح، والمصالح التي اهتم الشرع بجلبها للناس وبتقريرها للخلق كثيرة، وذلك باعتبارها. فمن أعظم المصالح الذي أمر بها الشرع وأتى بها الشرع من حيث القسمة، ما كان من المصالح التي بها قوام الأمة، قوام الأمة، هناك مصالح جاء الشرع بها وأمر بها وحث عليها، وهذه المصلحة لما فيها من منفع لقوام الأمة، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، تنقسم إلى ثلاثة أقسام. إذن نحن في القسم الأول، ما يتعلق بقسمة المصالح من حيث قوام الأمة، وهذه الأقسام الثلاثة: القسم الأول الضروريات، الضروريات مصلحة الضروريات، فربنا سبحانه وتعالى من خلال هذه الشريعة، بل وسائر الشرائع، أمر ربنا سبحانه وتعالى بحفظ الضروريات الخمس، بحفظ الضروريات الخمس. وهذه الضروريات ما ضابطها؟ ضابطها هي الضروريات الذي متى ما اختلت اختل نظام الناس في دينهم ودنياهم، هذا ضابط الضرورة التي جاء الشرع بحفظ هذه الضروريات الخمس، لماذا؟ لأن لها مصلحة عظيمة للناس، فأمر الشرع بحفظها. فهذا مما أتت به الشريعة بحفظ الضروريات الخمس، ما هي الضروريات الخمس؟ الضرورة الأولى: حفظ الدين، حفظ الدين، ويكون حفظ الدين بأمرين اثنين، المطلوب بحفظ الدين بحفظه من ناحيتين: الناحية الأولى من حيث الوجود، والناحية الثانية من حيث المنع. الحفاظ على الدين من جانب الوجود، إثبات الدين، إيجاد الدين، يكون ذلك بالتمسك بشرائع الدين، بأصول الدين، بالواجبات، بالفرائض، يكون حفظ الدين بوجوده، إيجاده يكون ذلك بالدعوة إليه، والعمل بشرائعه، فعلك هذا حفظ دين الله سبحانه وتعالى، أي وجودا. وأيضا حفظ الدين من جانب العدم، الشريعة جاءت بالحفاظ على الدين من أن يأتي عليه شيء فيهدمه، ومن هنا جاء الجهاد في سبيل الله، الجهاد، ودفع الصائل، وقتال الكفار، حتى لا يقم أحد بعد ذلك بالتناول لدين الله، أو بهدم دين الله سبحانه وتعالى. إذن الشريعة جاءت في حفظ أول ضرورة، وهي حفظ الدين، وحفظ الدين يكون من ناحيتين: حفظ وجوده، وحفظ كذلك العدم، أن لا يأتيه العدم. الضرورة الثانية: حفظ النفس، وهذه كذلك من الضروريات الخمس، وحفظ النفس أمرت الشريعة بحفظ النفس؛ لأنها فيه مصلحة للناس. وحفظ النفس كذلك على نفس القسمة التي مرت، إما حفظ النفس من حيث الوجود، وأن يكون كذلك حفظ النفس من حيث العدم. أما حفظ النفس من حيث الوجود، الشرع أمر بهذا، ومن هنا جاءت الشريعة بذكر، بالحث على الزواج، بالحث على التكاثر، بالحث على النكاح، بالحث على التعدد الزوجات، كل ذلك في سبيل حفظ وجود النسل، حفظ وجود النفس. نبدأ بالنسل، قد ذكرنا النسل من هذا الباب، أن الشريعة جاءت لتقرر الحفاظ على النسل البشري، ويدخل في ذلك كذلك الحفاظ على الأعراض، فالشريعة جاءت بالزواج والنكاح والتعدد، كل ذلك في حفظ النسل من حيث وجوده وإيجاده. وكذلك أمرت الشريعة بحفظ النسل من أن يأتيه العدم، وكيف ذلك؟ بإقامة الحدود، بإقامة الحدود في حق كل من أراد أن يعبث بهذا الركن الركين، فجاءت الحد الزاني، وهكذا، حدود القذف، في حد القاذف الذي يتناول أعراض الناس بغير حق، كل ذلك في الحفاظ على النسل. كذلك من الضروريات الخامس ما يتعلق بحفظ ماذا؟ بحفظ العقل، بحفظ العقل، كذلك حفظ العقل من الضروريات الخامس التي جاءت الشريعة بحفظه. وحفظ العقل كما مر، إما بحفظه كإثبات وجوده وإبقائه، وكذلك حفظه من باب أن تدفع عنه ما يراد منه إعدامه ومنعه. فمن باب حفظ الشرع للعقل، أمر ربنا سبحانه وتعالى بأن يستخدم العقل في التفكر والتأمل، وكم هي الآيات التي يقول فيها ربنا جل وعلا: ﴿أفلا تعقلون﴾، أما تنبهوا بغفلة العقل، ومنه طلب العلم؛ لما فيه من تحريك العقل والتأمل والتدبر، كل ذلك في سبيل حفظ العقول. وبالمقابل، كما أن الشرع أمر بحفظ العقول من جانب الوجود، كذلك أمر بحفظ العقول من جانب العدم، أن لا يعتريه ما ينقصه، من هنا جاءت الشريعة بماذا؟ بإقامة الحدود في حق من شرب الخمر، والمنع من تناول الخمور؛ لما لها من تأثير على العقول، وإلغاء العقول، ولحق العلماء بذلك كل مسكر، كما سيأتي بيانه. وهكذا من ضرورة، إخواني في الله، الضرورة الخامسة والأخيرة: المال، حفظ المال، من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها. وحفظ المال كذلك من هاتين الجهتين: من جانب وجود المال، ومن جانب كذلك المنع من عدمه. فمن باب إثبات وجود المال، أمر الشرع بالاكتساب، وحث على العمل، ورغب فيه، كل ذلك في سبيل كسب المال، بإثبات المال وثبوته. وبالمقابل أمر الشرع بحفظ المال من العدم، فأقام الشرع الحدود العظيمة في حق من سرق، ومن غصب الأموال، ومن نهب، وقام حد المحاربة لمن قطع الطريق، وقطع السبيل، والاستيلاء على أموال الناس. وهكذا الأحاديث الكثيرة الذي فيها الوعيد الشديد في حق من أخذ مال امرئ مسلم، ولو كان عودا من أراك، أخذ مال مسلم، ولو عود من أراك، هذا لا يحل. إذن، إخواني في الله، هذا القسم الأول من المصالح التي جاءت بها الشريعة، وهي حفظ الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، وماذا؟ وكذلك المال والعقل. أبقي كذلك أقسام أخرى تذكر إن شاء الله في درس غد. إلى هنا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.