الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 23، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد الشيخ على ضرورة أن يبدأ الواعظ بمحاسبة نفسه وتقويمها قبل توجيه النصح لغيره، مستشهداً بأبيات الإلبيري التي تبرز فضل من هُدِي بعد ضلال. ويشير إلى أن الداعية الموفق يجب أن يرفق بمن يدعوهم ويتعامل معهم باللين والرحمة.
يفسر الشيخ عبارة "حميا أم دفر" بأنها إشارة إلى شدة سكر الخمر وتعلق القلب بالدنيا الفانية، مستعرضاً أشعار العرب في ذمها. ويحذر من انتهاك الحرمات والاستحلال في مواطن الظلم، مقارناً حال المتكلم قبل الهداية وبعدها.
يشرح الشيخ تواضع الناظم بمقارنته نفسه بأبي بكر الصديق معترفاً بذنبه، مبيناً أن هذا التواضع سبب لقبول النصيحة. ثم يوجه نصائح للمسافرين بالصبر وإيثار الإخوان وإخلاص النية، مستشهداً بحديث "السفر قطعة من العذاب".
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله، ويحمد الله رب العالمين على تمام النعمة. ويفوض العلم المطلق والغيب إلى الله تعالى وحده لا شريك له.
بسم الله الرحمن الرحيم نعم، من يقرأ؟ أخذنا في الدرس الماضي ثلاثة أبيات من أبياتي، أو أربع أبيات من أبياتي منظومة الإلبيري، ألا وهي قوله رحمه الله تعالى: «وَقُلْ يَا نَاصِحِي بَلْ أَنْتَ أَوْلَى بِنُصْحِكَ لَوْ لِفِعْلِكَ قَدْ نَظَرْتَ، تَقَطَّعَنِي عَلَى التَّفْرِيطِ لَوْمَا، وَبِالتَّفْرِيطِ دَهْرُكَ قَدْ قَطَعْتَ، وَفِي صِغْرِي تَخَوَّفُنِي الْمَنَايَا، وَمَا تَجْرِي بِبَالِكَ حَيْثُ شَخَصْتَ، وَكُنْتَ مَعَ الصِّبَا أَهْدَى سَبِيلًا، فَمَا لَكَ بَعْدَ شِيبِكَ قَدْ نَكَسْتَ». نعم، من يقرأ؟ تقرأ يا باحاتم بصوت جميل. ها، نعم، عندنا قارئ، أو أقرأ؟ أقرأ. طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى وغفر له، ولنا، ولوالدينا أجمعين. قال: «وَهَا أَنَا لَمْ آخُذْ بِحَرِّ الْخَطَايَا كَمَا قَدْ خَطَّهُ حَتَّى غَرِقْتُ، وَلَمْ أَشْرَبْ حُمِيَّا أَمَّ دُفْرٍ، وَأَنْتَ شَرِبْتَهَا حَتَّى سَكِرْتَ، وَلَمْ أُحِلَّ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ، وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَ». وهنا رحمه الله تعالى لا زال يبين أهمية اتعاظ الواعظ، وانتصاح الناصح، فأول من يخاطب بهذه المواعظ وبهذه النصائح هو المتكلم، هو المتكلم قبل السامع. ومن الخطأ أن ينسى الناصح، وأن ينسى الواعظ والمذكر عيوب نفسه، وينظر فقط إلى عيوب الآخرين. ابدأ بنفسك أولًا، فانهها، فإذا انتهت فأنت حكيم. وهنا يقول -ولك الحق يا أبا بكر- أن تقول لي، وأنا أنصحك وأذكرك، أن تقول لي: «وَهَا أَنَا لَمْ آخُذْ بِحَرِّ الْخَطَايَا كَمَا قَدْ خَطَّهُ حَتَّى غَرِقْتُ». يعني: أنت يا أيها الناصح، ويا أيها الشيخ الكبير في القدر والسن، خضت بحر الخطايا، وفعلت من الذنوب ما فعلت، بينما أنا -وإن كان سني صغيرًا، وإن كان عندي ما عندي من التقصير- لم أفعل مثل ما فعلت أنت، ولم أستغرق في ارتكاب الخطايا والذنوب، ولم أتمادَ فيها كما حصل منك. ولهذا يا إخوان، الشخص حين يكون له ماضٍ مع المعاصي، ومع الفواحش، ومع التقصير والتخلف عن الصلوات والجمع والجماعات، ثم يمن الله عليه بالهداية، لا ينسى أن يرفق بمن يدعوهم، وأن يتلطف مع من ينصحهم. كذلك كنتم من قبل، فمن الله عليكم، فتبينوا. لا تنسَ الظلمات التي كنت تعيشها، أنقذك الله منها، حاول أن تكون سببًا في إنقاذ غيرك. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «وَلَمْ أَشْرَبْ حُمِيَّا أَمَّ دُفْرٍ، وَأَنْتَ شَرِبْتَهَا حَتَّى سَكِرْتَ». وقوله: «وَلَمْ أَشْرَبْ حُمِيَّا»، وحُمِيَّا قالوا: هي شدة الخمر وسورتها، وأخذها برأس شاربها، يعني: مرة أصبح، وبلغ في السكر مبلغًا، مبلغًا شديدًا. «وَلَمْ أَشْرَبْ حُمِيَّا أَمَّ دُفْرٍ»، والدفر يا إخوان قالوا: هو أنتا الرائحة الكريهة. وأم دفر هذه كنية من العرب يا إخوان، كانوا يكنون حتى بعض الجمادات، وبعض الأشياء غير المحسوسة. فالعجلة كانوا يكنونها بماذا؟ العجلة بأم الندامة. وأم دفر من هي؟ من هي أم دفر هذه؟ نعم، الخمر. طيب، أحسنت. فمن يزيد؟ قال أبو الزبير: الخمر أم دفر التي أتعبت الجميع يا إخوان، أتعبت الجميع. نعم، الدنيا. أحسنت. فأم دفر هذه كنية الدنيا، يقول: «وَلَمْ أَشْرَبْ حُمِيَّا أَمَّ دُفْرٍ، وَأَنْتَ شَرِبْتَهَا حَتَّى سَكِرْتَ». أنت قلبك قد تعلق بها أيما تعلق، وانهمكت بها أيما انهماك. فماذا؟ فاليوم هداك الله عز وجل، وتركت الدنيا، وأقبلت على الطاعة وعلى الخير، فماذا؟ يذكر الناظم رحمه الله تعالى من يخاطبه بأنه له الحق أن يقول: أنت كنت أشد تعلقًا مني اليوم بهذه الدنيا، بهذه الدنيا. ولهذا جاء ذكر الدنيا بهذه الكنية في أشعار العرب المشهورة، ومن ذلك ما ذكر عن أبي العلا، قال في الدنيا: «ذَا مُمَتَّكِي أَمَّ دُفْرٍ فَاسْمَعِينِي وَجَازِينِي بِذَاكَ أَوْ دَعِينِي، وَجَازِينِي بِذَاكَ أَوْ دَعِينِي». وهكذا قال في قصيدة أخرى عن الدنيا وتعلق من يتعلق بها: «أَخُوكَ مُعَذَّبٌ يَا أَمَّ ذُفْرٍ، أَضَلَّتْهُ الْخُطُوبُ وَأَرْهَقَتْهُ، وَمَا زَالَتْ مُعَانَاةُ الرَّزَايَا عَلَى الْإِنْسَانِ حَتَّى أَرْهَقَتْهُ، حَتَّى أَرْهَصَتْهُ». فهذا فيه ذم الدنيا والتعلق بها. وقوله: «وَلَمْ أُحِلَّ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ، وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَ». وقوله: «وَانْتَهَكْتَ»، فيقال: انتهك الشيء، أي إذا أذهب حرمته. يقال: هذا منتهك، أي إذا أذهب حرمته. ويقال: انتهك حرمة الله، أي نقض العهد، وغدر بالمعاهد. وفي بعض النسخ: «وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْهَمَلْتَ»، من «أَوْ انْهَمَلْتَ»، أو «انْهَمَكْتَ». عندكم من عنده نسخة أخرى؟ عندكم ماذا؟ «وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَ». نعم، في نسخة أخرى عندك ماذا؟ «وَانْتَهَكْتَ». هو بين بين البيتين: «وَلَمْ أَنْشَأْ بِعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٍ». نعم، «وَلَمْ أَنْشَأْ بِعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٍ، وَأَنْتَ نَشَأْتَ بِعَصْرٍ، وَأَنْتَ نَشَأْتَ فِيهِ، وَمِنْ تَفَعَّتَ». أنا في النسخة التي عندي أظن يأتي بعده، يأتي بعده. فأشاهد من هذا أن الناظم رحمه الله تعالى يذكر أبا بكر، بل يذكر نفسه قبل ذلك بما كان عليه. قال: «وَلَمْ أُحِلَّ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ، وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَ». والمراد بالبيت يا إخوان: أي أنت تلوثت بارتكاب الظلم، وانتهكت محارم الله، وانتهكت محارم الله، بينما أنا لم أفعل مثل ما فعلت أنت. وهذا يا إخوان فيه الاعتراف بالذنب، وفيه -كما سبق أيضًا- التواضع من الناظم رحمه الله تعالى. وهكذا ينبغي أن يكون أهل العلم، وأن يكون حالهم مع من يدعون، ومن يعلمون، ومن ينصحون، فإن ذلك يعتبر سببًا لقبول نصحهم، ولاتعاظ الناس بكلامهم، وهكذا أخذ الناس العلم عنهم. فنسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقنا لكل خير، وأن يجنبنا كل شر وضير، وأن يجعلنا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. وبالنسبة لإخواننا أصحاب الرحلة في يوم غد إن شاء الله عز وجل، نسأل المولى أن يوفقنا وإياهم لكل خير. والذي ينبه عليه يا إخوان هو أن مثل هذه الأسفار البعيدة تتطلب من الشخص صبرًا، ومن الشخص إيثارًا لإخوانه، وسعة في الصدر، سعة في الصدر. كذلك أيضًا ينبغي احتساب الأجر عند الله عز وجل، وهكذا أيضًا تصحيح النوايا، وتحسين المقاصد. إنما الأعمال بالنيات. والسفر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يُمْنَى أَحَدُكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، يُمْنَى أَحَدُكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيَعْجَلْ إِلَى أَهْلِهِ». فنوصي إخواننا بتقوى الله عز وجل، والصبر، وإخلاص النية. وهكذا التآلف فيما بينهم، والتعاون فيما بينهم، وأن يؤثر كل منهم أخاه في المجلس، وفي المركب، وفي غيرها. فالسفر يا إخوان كما قيل: «يُصَفِّرُ عَنْ مَعَادِ الرِّجَالِ، عَنْ مَعَادِ الرِّجَالِ». فنسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفق إخواننا جميعًا في حلهم وترحالهم، وأن يحفظهم حيثما نزلوا، حيثما حلوا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.