شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 24

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 24

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 24، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

آداب النصيحة ووجوب إصلاح النفس قبل نصح الآخرين

يؤكد الناظم على ضرورة انشغال المسلم بإصلاح عيوب نفسه قبل التوجه لنصح الغير، مشدداً على أن النصيحة تكون بالرفق واللين مع اختيار الألفاظ المقبولة. ويحذر من اتخاذ الصبا والشباب عذراً للتقصير في الواجبات وارتكاب المحرمات.

محاسبة النفس والتذكير بالموت والنذيرين (القرآن والمشيب)

يشير المقطع إلى شمول الموت للجميع ووجوب محاسبة النفس وتوبيخها لا تزكيتها، مع ضرب مثل لشاب يعاتب شيخاً لم ينتفع بصحبة العلماء. ويذكر أن القرآن الكريم والمشيب نذيران إلهيان لإيقاظ القلوب، لكن القلوب القاسية قد لا تستجيب لهما.

الشيب نذير باقتراب الأجل والاستعداد للموت

يوضح أن ظهور الشيب يُعد نذيراً مرئياً من الله بقرب الأجل، مستدلاً بالآيات والأحاديث وأقوال السلف. ويحث على اغتنام العمر بعد الستين بالتوبة والعمل الصالح، محذراً من الغفلة والانشغال بالدنيا عن ذكر الله.

الدعوة للتوبة النصوح وإصلاح العلاقات

يحث المتحدث على المبادرة بالتوبة النصوح وإصلاح ما فسد بين العبد وربه وبينه وبين الناس. ويختتم بالدعاء بأن ينفع الله الجميع بالقول والعمل ويجعلهم من المستمعين للقول المتبعين لأحسنه.

  • 20 جمادى الأولى 1445هـ - 02/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع منظومة الإمام أبي إسحاق الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى وغفر له. وآخر ما مر معنا هو قوله رحمه الله تعالى: «وَهَا أَنَا لَمْ أَخُضْ بَحْرَ بَحْرَ الْخَطَايَا كَمَا قَدْ خُطَّهُ حَتَّى غَرِقْتَ، وَلَمْ أَشْرَبْ حُمَيَّا أُمَّا أُمَّا دُفْرٍ وَأَنْتَ شَارِبْتَهَا حَتَّى سَكَرْتَ، وَلَمْ أَحْلِلْ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ». إنعم في الترتيب، سيأتي التنبيه على هذا أنه اختلاف في الطبعات بين تقديم وتأخير، والطبعة التي بين يدي وهي معتمدة فيما تعتمد على ديوان أبي إسحاق الإلبيري فيها تقديم هذا البيت على الذي بعده، ألا وهو قوله: «وَلَمْ أَحْلُلْ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَأَنْتَهَكْتَ». ومر معنا التعليق حول هذه الأبيات وما فيها من عتاب، وما فيها من نصح للمتكلم والناصح قبل السامع وقبل المنصوح. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «وَلَمْ أَنْشَأْ بِعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٌ وَأَنْتَ نَشَأْتَ فِيهِ وَمَنْ تَفَعْتَ، وَقَدْ صَاحَبْتَ أَعْلَامًا كِبَارًا وَلَمْ أَرَكَ اقْتَدَيْتَ بِمَنْ صَحِبْتَ، وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ، وَيَقْبُحُ بِالْفَتَى فِعْلُ التَّصَابِي وَأَقْبَحُ مِنْهُ شَيْخٌ قَدْ تَفَتَّتَ». وكما سبق الإشارة إلى أنه في بعض النسخ تقديم وتأخير بين البيتين، بين البيت التاسع والستون والبيت السبعون، والبيت السبعون. وهنا أيها الأحبة في الله، لا زال الناظم رحمه الله تعالى في هذه الأبيات يبين أهمية النصيحة للمنصوح، وهكذا أيضاً لأن ناصح، وأن الشخص ينبغي أن ينشغل بإصلاح عيوب نفسه، أن ينشغل أولاً قبل كل شيء بإصلاح عيوب نفسه، ولا تشغله عيوب الآخرين عن عيوبه، عن عيوبه. وهكذا أيضاً أنه ينبغي أن يرفق بالمنصوح ويشفق عليه، ويتخير له من العبارات والألفاظ التي تكون في الغالب مقبولة عنده، مقبولة عنده. ويتذكر قول الله عز وجل: ﴿كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾. بعض الناس قد يكون في شبابه وفي أول أمره مقصراً في الصلوات، ومخزناً، مدخناً، وسباباً إلى غير ذلك، فيمن الله عليه بالهداية، فحين أن يرى من الشباب من هو لازال هذا حاله، فينبغي أن يتذكر هو حاله الأول، وكيف أنقذه الله عز وجل من هذه البؤر، من بؤر الفساد ومستنقعات الرذيلة والشر. كذلكم ينبغي أن يكون حريصاً على نصحي الآخرين، على نصحي الآخرين. وهنا يقول النظم رحمه الله تعالى، يقول على لسان من كان يعاتبه، على لسان من كان يعاتبه؛ لأنه فيما سبق قال لذلكم الشاب الذي يخاطبه: قال له: «وَلَا تَقُلِ الصِّبَا فِيهِ امْتِهَالٌ». لا تقل أن الشخص حين أن يكون صبياً صغيراً أو شاباً قوياً فعنده مهلة يعصي ويلعب ويتخلف عن الواجبات ويرتكب المحرمات. الموت لا يفرق بين صغير ولا كبير، ولا بين غني ولا فقير، ولا بين قوي ولا ضعيف، ولا بين صحيح ولا مريض، وإنما الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. فيقول هنا رحمه الله تعالى على لسان ذلكم الشاب، ويعيد العتب على نفسه، على نفسه، فيقول له: «وَلَمْ أَنْشَأْ بِعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٌ»، يعني أنا صغير في السن وأنت لك فترة تنصحني، لم أنشى بعصر فيه نفع، لكن أنت يا أيها الشائب ويا أيها الناصح، وأنت نشأت فيه وما انتفعت، وما انتفعت. أي أنت تميزت عني بأنك نشأت في عصر فيه علم وفيه نفع، ومع هذا كله لم تنتفع ولم تنتصح ولم يصلح حالك. ثم قال رحمه الله تعالى: «وَقَدْ صَاحَبْتَ أَعْلَامًا كِبَارًا»، وقد صاحبت أعلاماً كباراً، «وَلَمْ أَرَكَ اقْتَدَيْتَ بِمَنْ صَحِبْتَ»، ولم أرك اقتديت بمن صاحبت. وهنا يبين رحمه الله تعالى، أو في هذا البيت: أي وتيسر لك مصاحبة كبار العلماء والأدباء الذين لزمت دروسهم وجلست في مجالسهم، لكنك لم تقتدي بهم، على عكس حالي حيث لم أجد من أنتفع بعلمه ومن أستمع نصيحته. وكل هذا يا إخوان، الكلام السابق الذي قاله الناظم، وهكذا الكلام الذي يأتي بعده، كله يا إخوان من باب محاسبة النفس، كله من باب محاسبة النفس ومعاتبتها، وإظهارها بمظهر التقصير والتفريط، تذكيراً لها وتنبيهاً. وهذا يا إخوان إن دل على شيء دل على تواضع الإمام أبي إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له. وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان يا إخوان، يكون معاتباً لنفسه غير مزكٍ لها، ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، هو أعلم بمن اتقى. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ». أي قد أتاك أمران اثنان فيهما من النذارة ما يوقظ عقلك وما يلفت انتباهك. النذير الأول هو الكتاب، والمقصود به القرآن الكريم، المقصود به القرآن الكريم. فكم فيه من العظات والآيات المفصلات والعبر البالغات التي لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. لكن أحياناً يا إخوان، قلب هذا الإنسان يكون أقسى من الحجارة الصماء، ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. لكن أحياناً القلوب إذا قست لا تنفع معها الآيات، ولا تستجيب للنصائح ولا للمواعظ. وأما النذير الثاني فقوله: «وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ». والمشيب يا إخوان يعتبر نذيراً، إذا رأيت البياضة يغزو لحيتك وشاربك، وهكذا مفرق رأسك، فكن على حذر، كن على حذر، واعلم أن الأجل أصبح يقترب بشدة وبسرعة، فكن حذراً، فكن حذراً. ولهذا مر معنا قوله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ نَعُمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، وجاءكم النذير. والنذير قيل القرآن، وقيل النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل الشيب، وقيل الشيب. وهذا ذهب إليه كثير من المفسرين كقول ابن عباس، وهكذا عكرمة، وابن عيينة، وقتادة، وغيرهم، ذهبوا إلى أن النذير في هذه الآية هو هذا الشيب. فهو نذير مرئي، يعني يراه كل ذي عينين. أحياناً يا إخوان يغفل الواحد منا، فبعد أيام ينظر إلى نفسه في المرآة، فيرى التغير الذي طرأ على خلقه، على خلقه، من تجاعيد في الوجه، وهكذا أيضاً بياض في الشعر، وهكذا غيرها من الأمور. فماذا: «وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ»، ونبهك المشيب فمن تبهت. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ بَلَغَهُ سِتُّونَ سَنَةً». وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره. أعذر الله إلى امرئ، أي لم يبقِ له عذراً بعد ستين سنة. إذا جاءه الموت قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، فيما تركت. الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾. لاحظ إلى هذا التعبير القرآني: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، أي أن الله عز وجل الذي أمرك بالإنفاق هو الذي أعطاك. ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. شف ما يريد شيء طويل، يقول: يا رب خمس دقائق، يا رب أعطني عشر دقائق، ربع ساعة، ما سأكذب وما سأسب وما سأتخلف عن الصلوات، يا رب عشر دقائق، ما سأعود إلى سماع الأغاني والنظر إلى الأفلام والمسلسلات والتلذذ بالصور العارية والخليعة، ﴿لَعَلِّي أَصَّدَّقَ وَأَكُونَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. لكن ﴿أَنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، والله خبير بما تعملون. يقول الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَلْيَشْتَرِ كَفَنًا». من بلغ ستين سنة فليشتري كفناً. ما معنى فليشتري كفناً؟ أي السعد، السعد للموت وما بعده من الأهوال العظيمة. ومما جاء في مقامات الإمام الحريري رحمه الله تعالى: «أَمَّا بَانَ لَكَ الْعَيْبُ أَمَّا أَنْذَرَكَ الشِّيبُ». أما بان لك العيب، أما أنذرك الشيب. فأنظروا يا إخوان إلى هذه الذكرى الذي جعلها الله عز وجل في هذا المشيب، وهكذا في غيرها من الأمور المنبهة. «وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ». أكذا يقول رحمه الله تعالى وغفر له. فلهذا يا إخوان، الواجب هو أن الإنسان يبادر بالتوبة النصوح، وهكذا أيضاً يصلح ما فسد، ويصلح ما بينه وبين الله عز وجل، وما بينه وبين الناس. نسأل المولى جل علاه أن ينفعنا جميعاً بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر