المحاضرة بعنوان القدوة الصالحة، والتي كانت بمسجد باحارثة بمنطقة دفيقة - حارة المشراف بالشحر يوم الجمعة 3 رجب 1446هـ الموافق 3 يناير 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الدين النصيحة وأن فطرة الإنسان مجبولة على حب الاقتداء، مستدلاً بالآيات والأحاديث الآمرة بالتأسي بالأنبياء والصالحين، وساق قصص ابني آدم وكعب بن مالك لتوضيح أثر القدوة الحسنة في استقامة المسلم.
يسرد المقطع قصة كعب بن مالك في صدقه مع النبي صلى الله عليه وسلم عند العودة من تبوك مقابل كذب المنافقين، مبيناً أن النبي هو القدوة الحق التي فطر الله الناس على التأسي بها، وموضحاً اقتداء الصحابة به في دينهم ودنياهم.
يستعرض المقطع مظاهر الاقتداء العملي في صلح الحديبية حيث امتثل الصحابة لأمر النبي رغم مشقة البنود كما في قصة أبي جندل، ويذكر مواقف أخرى كإلقائهم النعال في الصلاة اقتداء به، ومواصلة الصيام، وتنفيذ أبي بكر لجيش أسامة تأكيداً على التسليم التام لقيادته.
يؤكد المقطع وجوب اتباع السنة كما فعل أبو بكر بإرسال جيش أسامة، ويوضح كيف كان الصحابة كابن عمر وابن مسعود يحتجون بفعل النبي في الدقيقة والجلية، مبيناً سلسلة القدوة المتصلة من الأئمة كالأحناف وسفيان الثوري وإبراهيم النخعي وعلقمة وابن مسعود وصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، حفظكم الله تعالى. نحمد الله عز وجل على ما من به علينا من نعمه، جل وعلا، نحمده سبحانه وتعالى على أن وفقنا لأداء هذه الصلاة، صلاة المغرب، وكذلك أن يسر لنا هذا اللقاء بإخواننا في هذا المسجد المبارك، نتذاكر شيئا من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلوات الله وسلام عليه، لعل الله عز وجل ينفعنا بها. فإن هذا الدين، أيها الإخوة الكرام، قائم على النصيحة. ففي صحيح مسلم عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم». فلهذا، عباد الله، في النصيحة هي الدين، فالدين باقي ما بقيت هذه النصيحة. فنحمد الله جل وعلا أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا، على أن وفقنا أننا نجلس مثل هذه المجالس. كم من أناس قد حرموا هذه المجالس، إما أنهم يمنعون منها، وإما أنهم يحرمون منها، يقدم عليها مجلس اللعب واللهو، مجلس اللغط والكلام الذي لا ينفع، يقدم عليها، قد يكون مجالس فيها الحرام والعياذ بالله. فلهذا يحمد الله عز وجل أن أوفق العبد، وأن وفقنا جميعا على هذا المجلس، ونسأل الله عز وجل أن يجعله مجلسا مباركا، نسأله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما نسمع، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبعوا أحسنه. عباد الله، قد سمعتم أن عنوان هذه المحاضرة: القدوة الصالحة. القدوة المراد بالقدوة هو من يتأسى به، ومن يقتدى به، ومن يتبع، ومن يكون في عمله يرغب الناس في ذلك العمل الذي يفعله، والذي يقوم به، وله أناس ينظرون إلى عمله. فهذه القدوة، والله عز وجل جعل من فطرة العبد أنه يحب الاقتداء، جعل من فطرة العبد أنه يحب الاقتداء، إما اقتداء بخير، وإما اقتداء بشر. ولهذا ذكر الله عز وجل لنا قصصا في القرآن، وقال جل وعلا: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة﴾، أي قصص الأنبياء، ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى﴾. فقصص الأنبياء سيقت لأجل العبرة، ولأجل كذلك الاتعاظ، ولأجل الاقتداء. ولهذا قال الله عز وجل لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده﴾. هؤلاء الأنبياء الذين هداهم الله، فأمر الله عز وجل نبيه أن يقتدي بهم، وقد فعل عليه الصلاة والسلام، فكان يتأسى بالأنبياء. وقال الله عز وجل له: ﴿واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾. كان الله عز وجل يجعل لنبيه عليه الصلاة والسلام من يقتدى به. فلهذا فالقدوة، فالقدوة والتأسي أمر جعله الله عز وجل في الفطر. عندما ذكر الله عز وجل خبر ابني آدم، لما قتل أحدهم الآخر فلم يدفن، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال: ﴿يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي﴾، فأصبح من النادمين. تأسى بهذا الغراب لأنه لم يجد من يتأسى به، فلما رأى أن الغراب يفعل هذا الفعل، يدفن مثله، مثله، تأسى بذلك الغراب. وكذلك أيضا مما يدلنا على أن التأسي في الفطر، ما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، لما سأل هرقل أبا سفيان أسئلة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: هل كان أحد قبله قال بهذه المقالة؟ قال: لا. قال: فهل أحد من آبائه قال بذلك؟ قال: لا. فقال له بعد ذلك: أي هرقل، قال: سألتك هل قال أحد بهذه المقالة قبله، قلت: لا، فإن كان قالها رجل قبله، قلت: رجل يتأسى بمن قبله. قال: قلت: رجل يتأسى يقتدي بمن كان قبله. قال: قلت: رجل يتأسى بمن كان قبله. وإن كان أيضا، وسألتك هل قالها أحد من آبائه، فقلت: لا، قال: فإن قالها أحد من آبائه، فأقول: لعله رجل يتبع آبائه فيما قال، أو كما قال. فلهذا، عباد الله، فالتأسي موجود في فطر الناس، وهذا الأمر إثباته في الأحاديث كثيرة جدا. النبي عليه الصلاة والسلام، مثل ما أمره الله عز وجل، لما أوذي، وجاء عبد الله بن مسعود، وقال له بخبر ذلك الرجل الذي قال: «إن هذه القسمة»... لما جاء في حنين، جاء لما رجع النبي عليه الصلاة والسلام به من حنين، وكان معه مغانم كثيرة، وأخذ من هوازن وثقيف وغيرهم، فوزعها النبي عليه الصلاة والسلام على بعض قادة القبائل، فقال الرجل: «هذه قسمة ما أريد بها وجه الله». انظر إلى هذه الجرأة من هذا الخوارجي، هذا الرجل يقول على النبي عليه الصلاة والسلام الذي أمنه الله عز وجل الرسالة، أمين من في السماء، فقال هذا الرجل: «هذه القسمة ما أريد بها وجه الله»، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام أفعاله كلها لله، فهو وحي من الله جل وعلا. فقال هذا الرجل: «هذه القسمة ما أريد بها وجه الله»، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فغضب، ثم قال: «لقد أوذي موسى بأكبر من هذا فصبر». تأسى عليه الصلاة والسلام بنبي الله موسى. وهكذا وهكذا كان يقول نبي الله صلى الله عليه وسلم: «موسى نكل وحق بالشك»، وابن إبراهيم، وقال: «لو دعيت مثل ما دعي يوسف لأجبت الداعي». فعلى يريد أن هؤلاء هم القدوة، وحصل منهم هذا الشيء، إنما لأجل أمور كانت عندهم. فلهذا، عباد الله، أيضا كذلك كعب بن مالك، ذلك الصحابي البليغ، الصحابي الذي صدق مع الله، والذي برأه الله عز وجل من فوق سبع سماوات. كعب بن مالك، ما جاء عنه بالصحيحين، صحيح البخاري ومسلم، في قصة توبته مع مرارة بن ربيعة وهلال بن أبي أمية. يقول كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام من تبوك، رجع النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في الحر، في شدة الحر، وغزوا فيها الروم، وكانت بلاد بعيدة في الشام، فتأخر كثير من الناس عن الغزو، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم بالخروج، فتأخر كثير منهم، ومنهم هؤلاء الثلاثة: كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أبي أمية. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام، ورجع من تبوك، فكيف جاء المنافقون يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ربنا جل وعلا أحداث هذه الغزوة ومثلها في سورة التوبة، وذكر إتيان المنافقين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذارهم، ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾، وأيضا الله عز وجل ذكر أنهم يحلفون الأيمان على اعتذارهم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل منهم. فجاء المعذرون من الأعراب، أو قال: جاء المنافقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذروا. قال: فلما قابلني رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبسم، صلوات الله وسلم عليه، وقال: «يا كعب، ما لك تأخرت؟ أو ما لك لم تأت معنا؟» فقال كعب رضي الله عنه: يا رسول الله، لو وقفت عند ملك من الملوك لاستطعت أن أخرج نفسي من ذلك، أنا لشدة بلاغتي وشدة أيضا بياني، كان عندي حسن بياني. يقول: النبي عليه الصلاة والسلام: «لو وقفت عند ملك من الملائكة، أو عند ملك من ملوك الأرض، لخرجت منه بكلامي». لكني، يقول: نظرت فيمن تخلف، فلم أجد إلا رجل منافق مغموص في النفاق، ورجل معذور. فيا رسول الله، لا عذر لي، ما عندي عذر أبدا في تأخري. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فصدق، أما هذا فصدق». قال: فلما خرجت من المسجد، جاء بنو سليم يعيرونني على ذلك، يعيبونني على ذلك، بمعنى يقولون له: لما أجبت، لماذا تجيب؟ فما كان لك إلا أن تعتذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل غيرك، ويقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عذرك. قال: ثم قالوا لي: ما قال هذه المقالة أحد إلا رجلان. قال: ومن قال؟ فقالوا: مرارة بن ربيع، وهلال بن أمية. قال كعب: فذكر لي رجلين مؤمنين صالحين، بهما يتأسى، أو قال: بهما تأسى، فعن وجد له أسوة. انظر إلى هذه الفطر التي فطرت على التأسي بغيرها. فالإنسان إذا كان وحده، أو عمل شيئا لم يكن عمله غيره، غالبا يؤنب على ذلك، وغالبا أيضا يجد من نفسه الشك. لكن إذا وجد من قد فعل ذلك الفعل، فإنه يتأسى بغيره. فلهذا، كما قلنا، قد وضع الله عز وجل في فطر الناس التأسي بغيرهم. فلهذا، عباد الله، فما دام كذلك، فإن العبد إذا أراد أن يتأسى، يتأسى بمن قد عصم من الخطأ، يتأسى بمن قد أخذ الله عز وجل حق الشيطان منه، فلا مدخل، فلا مدخل للشيطان عليه، يتأسى بمن أمنه الله عز وجل، أنا أمين من في السماء. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». أمنه ربه جل وعلا. نتأسى بمن قال الله عز وجل: ﴿لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. هكذا، عباد الله، فهذا الذي يستحق التأسي، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾. فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو حق أن يقتدى به، صلوات الله وسلام عليه، فهو الذي جعله ربه جل وعلا قدوة للناس، وأسوة للناس، يتأسون به، صلوات الله وسلام عليه، لأن القدوة لا بد أن يكون في مقام هذا الأمر. فالقدوة، عباد الله، أمرها عظيم، لأنها مسؤولية، الناس يقتدون بك. حتى قدوة الإمامة في الصلاة، قدوة الأذان، قدوة كذلك الإمامة والمسؤولية في الدولة، المسؤولية في المسجد، المسؤولية في مثلا مدرسة، أنت مدرس فأنت قدوة، أنت عبد في البيت فأنت قدوة لأولادك. فالقدوة، عباد الله، ليست محصورة، لكن أحق من يقتدى به هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن انتهج نهجه، ومن مشى على ما هو عليه. إلا فمن لم يتأسى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا شك أنه سيتأسى بغيره. من لم يتأسى برسول الله ويجعله قدوة له، فلا شك ولا ريب أنه سيجعله الشيطان يتأسى بغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يرى ويعجب بأناس ليس على طريقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعجب بأناس من أهل الشر، يعجب بأناس هم أهل الحراف، بل قد يكونوا من الكفار، والعياذ بالله. فلهذا، عباد الله، فإن التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتأسي بمن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هو الذي ينبغي أن يكون من القصد. فإن هذه القدوة في ديننا صارت قدوة متتابعة، كالسلسلة. أخذت هذه القدوة، كان الصحابة رضي الله عنهم أشد الناس تأسيا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأكثر الناس تأسيا برسول الله صلوات الله وسلامه عليه. حتى أنهم كانوا يتأسون في أمور الدنيا، أمور الدنيا يتأسون فيها، ليس فقط في أمور الدين، بل أمور الدنيا كذلك. جاء في الصحيحين عن مهير بن رافع الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء، أو نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء، كان لنا فيه مصلحة، ولكن طاعة الله ورسوله أحب إلينا. لما نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عن تلقيح النخل، ولم ينههم، وإنما قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، «أنتم أعلم بأمور دنياكم». هذا كما قلنا، في أمور الدنيا كان الصحابة رضي الله عنهم يتبعون النبي عليه الصلاة والسلام ويقتدون به عليه الصلاة والسلام. كان الرجل يخرج من بيته فيقول: أنظر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يأتي الرجل من مكان بعيد لأجل أن يطلب العلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: سأنظر كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي، كما ذكر عن مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه. وهكذا، عباد الله، فكان الصحابة رضي الله عنهم يتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء يرونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى أن عليا رضي الله تعالى عنه شرب ماء وهو على ناقته، ثم تبسم، فقال: «ما لك يا بلال؟» قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب ماء من زمزم، أو قال: شرب ماء ثم تبسم». اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أمره عظيم عند الله، فإنه لا يستطيع واحد أن يخلص هذا الاقتداء، وأن كذلك يصنع في هذا، في هذا الاقتداء، إلا كما قال الله عز وجل: أن يكون يريد الدار، الدار الآخرة، يريد الله، يريد الله والدار الآخرة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾. لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا. فذكر ربنا جل وعلا علامات للمتأسي الذي يريد أن يتأسى برسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فالعلامة الأولى: أنه يريد الله والدار الآخرة، أي يريد ما عند الله، ويريد رضا الله جل وعلا. ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾. وهذه العلامة الثانية: أنه يذكر الله كثيرا، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل. كان النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الله على كل أحيانه، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها. فلهذا، عباد الله، فأعظم أسوة أنك تتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم، هو القدوة الصالحة، صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتأسون بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمته ودله، حتى أنه كان يتأسون بمشيته، صلوات الله وسلامه عليه. كان عبد الله بن مسعود يعرف في الصحابة أنه كان من أشبه الناس برسول الله صلوات الله وسلامه عليه. ما جاء في صحيح البخاري: «نبي موسى كان أشبه الناس برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ابن أم عبد». قال أبو موسى: «كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في دله وهديه وسمته، ابن أم عبد، من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع، ولا ندري ماذا يفعل في بيته، معنا في بيته، ما نحكم عليه، نحكم عليه عندما نراه، منذ أن يخرج من بيته إلى أن يرجع، وهو على هدي رسول الله، وعلى سمته ودله، صلوات الله وسلامه عليه». كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون مثل ما يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يتأخرون. حتى لما حصل ما حصل في الحديبية، صلح الحديبية، اتفق النبي عليه الصلاة والسلام مع الكفار على خطة، وعلى صلح مع كفار قريش، وقال عليه الصلاة والسلام: «والله لا يسألوني خطة، أي اتفاقا، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرم الله جل وعلا، إلا أجبتهم عليها». أنا يقولون: إذا كان هذا يريدون خطة فيها تعظيم لحرم الله، معنى: ليس لأنفسهم، وإنما للحرم، قال: لأجبتهم عليها. فجاءه جماعة من قريش، جاء أولا حويطب بن كعب، لكنه كان رجل شريب، فخرج، أو رجع إلى قومه، ولم يلقَ من النبي عليه الصلاة والسلام شيئا. ثم جاء عروة بن مسعود الثقفي، من أهل الطائف، وقد أسلم رضي الله عنه مع من أسلم من ثقيف. جاء عروة بن مسعود، وكان من عظماء العرب، وكذلك من دهاتها. جاء للنبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا محمد، أتريد أن تقاتل قومك؟ فوالله ما أرى حولك إلا... قال: ما أرى حولك إلا أناس، أو قال: أوباش، حقيقة أن يفروا ويدعوك، أو قال كما في رواية أخرى: ما أرى حولك إلا أوباش، حقيقة أن يفروا ويدعوك، ويدعوك ما أنت... يقول هذا عروة بن مسعود، وهو عن المغيرة، وكان المغيرة قائم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيام الحاجم، فقائم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال هذا الرجل: ما أرى هؤلاء إلا أوباش، كأنهم اتجمعوا، وإذا جاء وقت الحرب، أولا سيفرون ويدعوك. فغضب أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقال: نحن... أو قال: امصص بضر اللات. عيره ببضر، لم يكن له ببضر أمه، وإنما قال له: بضر اللات، أي هذا الذي تعدونه. قال: امصص بضر اللات، أنحن نفر وندعه؟ أنحن نفر وندعه؟ فقال هذا عروة بن مسعود: من هذا؟ قال: هذا أبو بكر الصديق. فقال عروة: لولا أن لك يدا عندنا لأجبتك، لولا أن لك يدا عندنا لأجبتك. ثم ثم بعد ذلك أراد أن يمس لحية النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يضربه، أو ضربه المغيرة على يده حتى لا يمس لحية النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: من هذا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا ابن أخيك المغيرة». فقال: يا غدر، إنما لازلت تسعى في غدرتك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما الإسلام فنقبل، وأما المال فلا نقبل». حصل بعد ذلك أن جاء سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام قال: «سهل أمركم». فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام الصلح مع سهيل بن عمرو. لكن الذي جعل الصحابة يجدون في أنفسهم، وجعل الصحابة رضي الله عنهم أيضا كذلك يصيبهم الهم، أن في بند من بنود الاتفاقية: أن من جاء من قريش، من جاء من عند الكفار ويريد عند المسلمين، فإن المسلمين يرجعون إليه، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار، فإنهم لا يرجعون. ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام يعقد هذا العقد مع سهيل بن عمرو، جاء أبو جندل، وأبو جندل ابن سهيل بن عمرو، هذا الذي يعقد العقد الصلح مع رسول الله. جاء أبو جندل وهو مقيد بالسلاسل، وقد هرب من مكة يريد الإسلام، حتى حتى الجدل عند رسول الله، سقط لأنه جاء يجر حديده، حتى جاء إلى الحديبية، أنا مسافة كبيرة، من يعرف الآن مكة معنا، جاء من قرب البيت إلى الشرائع، منطقة الشرائع الآن هي الحديبية في آخر الحرم. جاء سهيل بن عمرو، جاء أبو جندل، وسقط في ذلك المكان، فلما رآه أبو سهيل قال: هذا، هذا أقاضيك به، معنا العالم، اتفقنا على هذا، هذا أول من يدخل في الاتفاق. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إنا لم نقضِ بعد الكتاب، لم ننهِ بعد الاتفاقين». وهذا أيضا أمر مهم، أخذ منه العلماء مسألة عظيمة تحصل كثيرا في اتفاقات الناس وعقودهم، أنهم تجد أنه مثلا يحصل شيء مما قد يتفقون عليه، والكتاب لم يقضَ بعد، معنا: ما في اتفاق بعد، لم يرضوا على هذا العقد الذي عقدوه، فيحصل مثلا شيء ينقض هذا العقد، فيحتج المحتج أنه قد عقد عقدا، وهذا خطأ، ما دام أن العقد لم يتم بعد، ولم يتفق بعد عليه، فلا يسمى عقدا، معنى ما ما تكون أثاره في المسائل هذه التي يتفق عليها. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لسهيل: «لم نتفق بعد، لم نمضِ الكتاب بعد». قال: هذا الذي يقول، ولا أقاضي كذا، ما سيتم هذا الصلح إذا ما عطيتني هذا. فلما رأى أبو جندل أن النبي عليه الصلاة والسلام سيرجع، قال لأهل الإسلام، قال للصحابة: أيها المسلمون، أرجع إلى الكفار يفتنونني في ديني. فكأن الصحابة أخذتهم شيء، يعني يستطيعون أن يدافعوا عنهم في ذلك الوقت، لكن النبي عليه الصلاة والسلام هو الأسوة، وهو القدوة لهم، لم يستطع أحد أن يفعل شيئا، مع أنه في ذلك المواقف تجد ذاك يغضب، وهذا ينفر، وهذا كذا، لكنهم ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يحرك أحدهم ساكنا. ولهذا كان يقول سهل بن حنيف لما حصل ما حصل في صفين وغيرها من الاختلاف، ولما كان أراد أن يباعي عليا، فقال سهل بن حنيف: «اتهموا رأيكم، اتهموا رأيكم، فوالذي نفسي بيده، لو كنا أردنا أن نرد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم أبي جندل، لرددناه في يوم أبي جندل»، أي في الحديبية، لما أرجع أبا جندل إلى الكفار، قال: «لو كنا نريد أن نرد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددناه في ذلك الموقف». ولهذا يقول: «اتهموا رأيكم»، لا تجعلوا آراءكم فوق الإسلام، لا تجعلوا آراءكم فوق دين الله جل وعلا. إذا كان رأيك لا يتفق مع حكم الله جل وعلا، فاتهم رأيك، اتهم رأيك هو الخطأ. لا نقول كما قال بعض من لم يعرف دين الله من الفلاسفة وغيرهم: أن العقل هو الذي يقدم على الشرع، إذا لم يوافق الشرع، وقولهم: ردوا هذا الشرع، وأخذوا بعقولهم، ولم يسلموا لله جل وعلا ولرسوله صلى الله عليه وسلم. لكن الصحابة رضي الله عنهم، قال سهل بن حنيف: «لو أردنا أن نرد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددناه يوم أبي جندل». جاء عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ أليس عدونا على الباطل؟ ألست... وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: بلى. قال: لست يا رسول الله، قلت لنا أننا سندخل بيت الله جل وعلا ونطوف. قال: قلت لك أنك ستدخل السنة معنا، قلت لك أنك ستدخل هذه السنة، الله عز وجل قال: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾، لكن لم يذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم السنة التي سيدخلون فيها. ثم ذهب، قال: ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، إني رسول الله، ولست عاصي، ما سأعص الله عز وجل». وهذا عمر، الله... ثم جاء إلى أبي بكر، وقال: يا أبا بكر، ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: أليس أدونا على الباطل؟ قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ لماذا نعطي الدنية؟ نستطيع أن ندخل إلى المسجد الحرام ونقاتل، أولا لكن نبي صلى الله عليه وسلم منعه، لماذا نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر: كلام رسول الله، يا عمر، إنه رسول الله، فالزم غرزه، إنه رسول الله، فالزم غرزه، وإنه لا يعصي الله عز وجل. وكما قال رضي الله عنه. فلهذا لما حصل ما حصل، كان الصحاب قد أصابهم هم عظيم، أصابهم هم، كيف يأخذ رجل منهم، أرادهم فيأخذ إلى الكفار. فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحلل، لم يستطع أحد منهم أن يقوم. فقالت لهم أم سلمة: «أخرج إليهم، وأمر الحلاق أن يحلق لك، ولا تكلم أحدا». ففعل النبي عليه الصلاة والسلام مثل ما قالت أم سلمة. وأم سلمة قالت هذا لأنها تعرف تعظيم الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام، والتأسي به، صلوات الله وسلام عليه. فلما خرج، وأمر الحلاق يحلق، فقام الصحابة يحلقوا بعضهم بعضا، يحلقوا بعضهم لبعض، تأسيا برسول الله صلوات الله وسلام عليه. انظروا في هذه المواقف، ولم يتخلوا على التأسي، فكانوا يتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم. أحيانا تجد الصحابة رضي الله عنهم لا يدرون لماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل، فيتأسون به، مثل ما حصل لما ألقى نعليه وهو في الصلاة، كما جاء عند أحمد وأبي داود والنسائي: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى، وكان يصلي فينا عليه، فلما صلى ركعتين، ألقى نعليه، فألقى الصحابة نعالهم، أنا كانوا يصلون في نعال، فألقى الصحابة نعالهم، أحديتهم، فلما سلم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «ما لكم؟ ما لكم ألقيتم نعالكم؟» قالوا: يا رسول الله، رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا، فألقينا نعالنا. هو القدوة عليه الصلاة والسلام، قدوة صالحة. قال: «إنما جاءني جبريل عليه السلام، وأخبرني أن فيهما أذى». بل كان الصحابة رضي الله عنهم يتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فيما يكون شاقا عليهم. لما واصل النبي عليه الصلاة والسلام في الصيام، واصل معه الصحابة، وكان يأمرهم بالإفطار، وقالوا له: يا رسول الله، نفعل كما تفعل، نصوم كما تصوم، ونواصل كما تواصل. فقال لهم: يا... فقال لهم: «إني أبيت، يطعمني ربي ويسقيني». يطعمه ربه جل وعلا من أمور الحكمة وخوالبها أن يطعمه بالمحبة والكلام، فإن العبد مما جعله الله عز وجل في الناس أنه أحيانا يتغذى بالكلام، يتغذى بالكلام الذي يعطى مما فيه مودة ومحبة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا سمع كلام ربه جل وعلا، نسي الطعام ونسي الشراب. فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إني أبيت، ربي يطعمني ويسقيني». فأموا إلا المواصلة. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر». وقد واصل بهم النبي عليه الصلاة والسلام في آخر رمضان، كالمنكل بهم، فواصل أول ليلة في ليلة ثمان وعشرين، ثم واصل، يعني واصل، أي لا يأكل شيئا، لا يأكل شيئا، لا في الإفطار ولا في السحور. واصل أولا، أولا ليلة ثمان وعشرين، ثم تسع وعشرين، أو ليلة سبع وعشرين وثمان وعشرين وتسع وعشرين، ثم رأوا الهلال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو لم نرى الهلال لواصلت بكم». فلهذا، عباد الله، الصحابة رضي الله تعالى عنهم، تأسيهم، وقدوتهم، وأزوتهم، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يفعلون مثل ما يفعل عليه الصلاة والسلام. أيها الإخوة، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم ضربوا مثالا عظيما في التأسي برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا لا يدعون شيئا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، لما مسك الخلافة، وبويع بالخلافة، وارتدت العرب، ارتد كثير من العرب عن الإسلام، قالوا: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يبقى دين الله، فارتد كثير منهم. فقال بعض الصحابة لأبي بكر، كعمر وغيره، قالوا له: ارجع جيش أسامة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يمرض، سير جيشا إلى الروم، وكان بقيادة أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما. فلما سمع أسامة بمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأخر عن، وقف في أعلى المدينة، ولم يتحرك، يريد أن ينظر ما الخبر. مات النبي عليه الصلاة والسلام، وتوفي، صلوات الله وسلامه عليه، وحصل ما حصل، ثم بويع لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. فقيل لأبي بكر: ارجع جيش أسامة، أن الآن نحن نحتاج إلى هذا الجيش لأجل مناوعة أولي الذين ارتدوا. فقال: «والله لا أرجع، لا أرجع شيئا، لا أرجع شيئا، قد قد فعله رسول الله، أو قد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم». وجاء في رواية عند أحمد، قال أبو بكر: «لو جرت الكلاب على أرجل أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، لما أرجعت شيئا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم». فسير جيش أسامة، فكان خيرا لأهل الإسلام، وكلما رأته قبيلة، رأت هذا الجيش ذاهب إلى الروم، فقالوا: فاعتقدوا أن الإسلام باق، فرجعوا عن الردة، فرجع كثير ممن رأى هذا الجيش عن ردته. وهذا كله ببركة اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلهذا، عباد الله، فلابد للمسلمين أن يكون قدوتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا كما قلنا، الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتأسون برسول الله، يتأسون به في كل شيء، في عباداتهم، فكانوا ينقلون عبادات رسول الله، ينقلون صلاة رسول الله، ينقلون وضوءه، ينقلون صيامه وحجه، وينقلون أي شيء من كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ينقلون لنا ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، من وتره، من صلاته في الليل، من صلاته الضحى، من كذا، كذلك من صيامه وغير ذلك مما ينقلون. أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا لم يعرف أحدا في هذه المعمورة، أي في الدنيا كلها، منذ أن خلق الله عز وجل هذه الدنيا إلى أن يتوفى الله عز وجل الناس، لم يعرف أحد نقلت سيرته كما نقلت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقل كل ما يقوله عليه الصلاة والسلام، وكل ما يفعله، صلوات الله وسلام عليه. وهذا لمعرفة الأمة بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم. ابن عمر، كما جاء في الصحيحين، سئل عن الرجل يطوف ولا يسعى، ويقع في امرأته، أو قالوا له: هل يجوز أن يواطئ امرأته؟ فقال: «طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أشواط على البيت، وسعى بين الصفا والمروة، وحلق، ثم حل من عمرته، ثم حل من عمرته». لم يجاوبهم إلا بما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قرأ: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. فانظر إلى ابن عمر رضي الله عنه، أراد منهم أن يتأسوا برسول الله. ينبغي المسلم أن يجعل قدوته النبي عليه الصلاة والسلام، لا ينظر: هل إذا فعله يكون حجه غير صحيح، أو أن حجه صحيح؟ معنى: بعض الناس تجده ينظر إلى هذه الحيثية، وإن كان هذا لابد منه، لكن لا يجعل همه فقط أنه إذا لم يكن ناقضا، أو لم يكن مبطلا، أو لم يكن حراما، فإنه سيفعله. لا ينبغي أن ينظر إلى سنة رسول الله كما كان الصحابة رضي الله عنهم. ولهذا ابن عمر قرأ هذه الآية: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. ولما سأل ابن عباس، قال: قال: عمرته باطلة، لأنه طاف وجاء امرأة، معنى: ما كمل عمرته وهو محرم، جاء امرأته، فبطلت هذه العمرة. لكن ابن عمر يعرف هذا الجواب، لكنه أراد منهم أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاءت الآيات الكثيرة في هذا الباب. ولهذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أيضا هم القدوة، يقتدى بهم الناس. جاء عند أحمد، بل في صحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن امرأة جاءت إليه، وقالت: يا أبا عبد الرحمن، أنت تذكر كذا وكذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تريد: «لعن الله النامصة والمتنمصة»، وغير ذلك مما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام. فقال... فقالت هذه المرأة: هل هذا في كتاب الله جل وعلا، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو شيء قلت به من نفسك؟ فقال لها: هل هذا الذي قلته في لعن النامصة وغيرها مما ذكرت، هل هذا قلته، هو موجود في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم شيء من عندك؟ قال: لا، بل هو في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت هذه المرأة: والله لقد قرأت بين دفتي المصحف، معناه: من أول إلى آخر، قد قرأت بين دفتي المصحف، فلم أجد ما ذكرت. قال لها: «إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، ألم تقرأي قول الله جل وعلا: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾؟» فقالت: بلى. فقال: «فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة». فقالت هذه المرأة: إنه قد ذكر لنا إن أهلك يفعلون شيء من ذلك، أنا أهلك، أي زوجتك، تفعل مثل هذا، كيف تنهى الناس وتنهى النساء وزوجتك تفعل؟ فقال: «ادخلي وانظري، ادخلي وانظري إلى أهلي». فدخلت هذه المرأة، ثم خرجت، فقالت: والله ما رأيت شيء. قال: «لو رأيتي شيء، والله، قال: لفارقتها». معنى: إذا رأيتِ شيء من هذا الذي أنهى عنه، وأخذوا عن رسول الله، وأهلي يفعلونه، لفارقتها. هكذا، عباد الله، كانوا يتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يتأسون بهم. النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، عصمه الله عز وجل، لكن الصحابة رضي الله عنهم قاموا مقامه، وصاروا قدوة للناس، وصاروا أمنة لهذه الأمة، فكان الناس يقتدون بهم. هذه القدوة الصالحة، كان العلماء يأخذونها عن مشايخهم، ينتفعون، ينتفعون بهؤلاء المشايخ، وهؤلاء العلماء. قال سلمة بن شبيب: قال: كنا نشبه أحمد بن حنبل في سمته ودله وهديه بوكيع بن الجراح، وكنا نشبه وكيعا بسفيان الثوري، وكنا نشبه نشبه سفيان بإبراهيم، أو قال: كنا نشبه سفيان بمنصور بن المعتمر، وكنا نشبه منصورا بإبراهيم بن يزيد النخعي، أي في أهل الكوفة. قال: وكنا نشبه إبراهيم بحلقة ابن قيس، الذي قالوا فيه: أكثر من واحد: إذا لم ترى ابن مسعود، ولم تجلس مع ابن مسعود، وجلست مع علقمة، كأنك جلست مع عبد الله بن مسعود. فقالوا: كنا نشبه إبراهيم بعلقمة، وكان علقمة يشبه بعبد الله بن مسعود، وكان عبد الله بن مسعود يشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر إلى الإسناد، إسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدوة، أنهم كانوا يقتدون بهؤلاء. قال عبد الرزاق: ما رأيت رجلا أفضل من ابن جريج في الصلاة، في الصلاة. انظر إلى قدوة الآن في الصلاة: ما رأيت رجلا أفضل من ابن جريج في الصلاة. قال: لما كان يصلي، يصلي خاشعا هادئا. قال: وكان أهل مكة يقولون: أن ابن ج