شرح السنة للإمام البربهاري 56

شرح السنة للإمام البربهاري 56

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 56، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شروط البيع والشراء

يتناول المقطع شروط البيع والشراء في الإسلام، حيث يشترط أن يكون البيع موافقًا للشرع وخاليًا من الظلم. يجب على البائع أن يكون صادقًا في وصفه للسلعة ويبين عيوبها.

أهمية العلوم الشرعية وآداب التجارة

يُناقش المقطع أهمية تعلم العلوم الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات، ويُشدد على ضرورة تعلم أحكام البيع والشراء. كما يُوضح آداب التجارة وأحكامها الشرعية.

التوازن بين الرجاء والخوف في السير إلى الله

يتناول المقطع آراء العلماء حول كيفية التعامل مع الرجاء والخوف، حيث يرى البعض إغلب جانب الرجاء، بينما يرى آخرون ضرورة التوازن بينهما مثل جناحي طير.

الختام والدعاء بالثبات والمغفرة

ينصح بالثبات على الصلاح والخوف من الله، وبالطمع في مغفرة الله لمن كان على فجور. يختم بالدعاء والصلاة على النبي.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم أن الشراء والبيع ما بيع في أسواق المسلمين حلال ما بيع على حكم الكتاب والسنة، أو على حكم الكتاب والإسلام والسنة، من غير أن يدخله تغيير أو ظلم أو جور أو غدر أو خلاف للقرآن أو خلاف للعلم. في هذه المسألة تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة متعلقة بالمعاملات، وهي متعلقة بالبيع والشراء، فقال رحمه الله تعالى: واعلم أن الشراء والبيع ما بيع في أسواق المسلمين حلال ما بيع على حكم الكتاب والإسلام والسنة. البيع، إخواني في الله، من الأشياء المشروعة، والذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فمن القرآن قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، فربنا قد أحل البيع، والسنة لحديث ذي الكثيرة مستفيضة مشهورة متواترة في مشروعية البيع، سئل عليه الصلاة والسلام: أي الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور»، وكل بيع مبرور، والبيع المبرور قال علماء: هو ما اجتمع على قواعد ثلاث، أن يكون فيه صدق، وأن يكون فيه بيان، وأن يكون موافقًا للشرع. فالصدق في البيع والشراء أنك تصدق، يا عبد الله، في وصفك للسلعة، تصدق في وصفك، لا تغالط ولا تبالغ ولا تزيد في وصفها، وإنما تذكرها على ماهيتها، هذا الصدق. وأما البيان، أنك تبين ما فيها من عوار، وتبين ما فيها من معيب، إن كان فيها معايب، وذلك كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن صدق وبين بورك لهما في بيعهما»، فالشرط الأول الصدق، والشرط الثاني البيان، والشرط الثالث أن يكون موافقًا للشرع، فلا يعقل أنك تصدق وتبين في خمر مثلًا أو في خنزير، تبيع وتشتري فيه، هذا لا يحل، فلابد أن يكون البيع والشراء موافقًا للشرع. ولهذا نبه المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الشرط بقوله: حلال ما بيع على حكم الكتاب والإسلام والسنة، فلابد أن يكون هذا البيع موافقًا للشرع، وكذلك لا ينبغي أن يضيعوا، وأن يضيع البيع على الشرع، فلا ينبغي أن يتلهى الناس بالبيع والشراء على إقامة شرع الله جل وعلا. والأسف، هذه بلية قد تليت بها الكثير من المجتمعات، ممن لربما يدخل في البيع والشراء على حساب الدين، ينادى للصلاة وتقام الصلاة والناس في الأسواق في بيعهم وشرائهم، ولربما يؤذن الأذان الأول لصلاة الظهر وأذان الثاني والعصر وهكذا، وصاحبنا في السوق ما أقام الصلاة، فهذا بيع محرم، ووبال على صاحبه، ووبال على صاحبه. فذكر ربنا من صفات المؤمنين: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة﴾، فلا ينبغي للمؤمن أن يتلهى بالبيع والشراء عن إقام الصلاة، وكذلك ينبغي التنبيه على بيع وشراء كما نبه المؤلف رحمه الله تعالى في آخر قوله، قال: من غير أن يدخله تغيير أو ظلم أو جور أو غدر أو خلاف للقرآن أو خلاف للعلم. كذلك لابد أن يكون من يشتغل في البيع والشراء، وأن يعمل في التجارة، أن يكون عنده شيء من الخلفية الشرعية العلمية في مسائل البيع والشراء، أما أنك تدخل، يا عبد الله، في البيع والشراء وأنت أعمى، ما تدري بشروط البيع الجائز، وما هي الشروط النافذة، وما هي الشروط المحرمة، وما هو البيع المشروع، وما هو البيع غير المشروع، ما ينبغي أن يدخل في البيع من هو يجهل بدين الله جل وعلا. ولهذا جاءت الآثار بصحة الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يأتي زمان، أنه ما من بيت إلا ويدخله الربا، ودخول الربا إما أن يقع عن ضعف الإيمان والجشع الذي يقع في الناس أن يتعاملوا بالربا، أو أن الربا يدخل إلى البيوت عن جهل، يدخل إلى البيوت عن جهل، كحال كثير من الناس الآن، كم من المسائل الربوية يقع فيها الناس عن جهل، وقد لا يعذرون بجهلهم لأن سبل العلم موجودة ومتوفرة، لكن التقاعس منهم. رجو الله ربما يعمل في الذهب، يعمل في الأصناف الربوية، ولا يسأل قط عن أحكام الشرعية في الربا، أو أحد يتعامل ماذا في بيع المواشي، وكذلك في بيع بعض المواد، ولا يسأل عن البيع المحرم والبيع الجائز، هذا لا يجوز. ولهذا صح كما روى ذلك الترمذي في سننه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «لا يبع في أسواقنا من لا يفقه»، لا يبع في أسواقنا من لا يفقه، ما ينبغي لا تفقه شيء أبدًا، تأتي لباعة لهم سنوات طويلة وعديدة في سلك البيع والشراء، إن سألته عن أصناف الربوية يقول: لا أدري، هو قد يتعامل بها، إن سألته عن الصور المحرمة الله أعلم، طيب كيف تتعامل؟ ولهذا من أمثال هؤلاء من يدخل ويخرج في الحلال والحرام، شعر بذلك أو لم يشعر، فلابد إخواني في الله للشخص أن يتعلم، وخاصة من كان من أهل التجارة، وهذا يجرنا إلى مسألة ما نبأ عليه العلماء رحمه الله تعالى، ما يتعلق بما هي العلوم التي ينبغي ويفترض للإنسان أن يتعلمها. قال علماء: هذا لا ينضبط، العلوم التي ينبغي أن يتعلمها كل إنسان، هذا لا ينضبط، فقال علماء: كل يتعلم ما كان في ذمته، فمثلًا أنت إذا بلغت وأصبحت من أهل الصلاة، فوجب عليك أن تتعلم أحكام الصلاة، فأصبحت من أهل الصيام، وجب عليك حينها أن تتعلم أحكام الصيام وجوبًا، أصبحت من أهل الحج، عندك القدرة والاستطاعة، وجب عليك أن تتعلم من أحكام الحج ما يصح به حجك، أصبحت على مال وعندك مال، ووجبت عليك الزكاة، تتعلم هنا، وجب عليك أن تتعلم أحكام الزكاة، قبل ذلك ليست باللزوم، وليس لازم أنك تعلم أحكام الزكاة لأنك لست من أهل الزكاة، لكن لما أصبحت من أهل الزكاة، وجب عليك أن تعرف أحكام الزكاة، وهكذا قل. إذا كان عندك التجارة والبيع والشراء، هنا وجب عليك وجوبًا عينيًا أن تتعلم أحكام بيع، وما يصح به بيعك، وما لا يجوز فيه البيع، فهكذا العلم يسير معك، كلما كان علم، وكلما كانت عبادة في ذمتك، فعليك ماذا، يا عبد الله، أن تتعلم منها ما يصح فيها تلكم البيعة، أو تلكم ماذا المسألة من العبادات. فهذا ما أراد المؤلف بقوله: واعلم أن الشراء والبيع ما بيع في أسواق المسلمين حلال ما بيع على حكم الكتاب والإسلام والسنة، من غير أن يدخله تغيير أو ظلم أو جور أو غدر. طبعًا هذه الأشياء منهية، وقد جاءت أدلة تفصيلية مبينة أن هذه الأشياء محرمة، لا يجوز أن يقع في البيع تغيير، أراد التغرير، التغرير لا يجوز في البيع والشراء، وهو التغرير أنك تظهر البيع على خلاف أصله وعلى خلاف حقيقته، ويدخل في ذلك النجش كما نهى عن ذلك نبينا بقوله: «لا تناجشوا». وكذلك الظلم، أنك تلزم الناس بأن يبيعوا السلع المعينة بسعر معين من باب الظلم والقهر والقسر، فهذا لا يجوز، لأن البيع والتجارة تقوم على تراض، يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض، لابد من التجارة فيها تراض. ولهذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه»، فإن وجد قهر، وإن وجب غصب وإلزام، فهذا لا يصح. وهناك طبعًا أشياء مطولة، وأن هناك شروط لابد أن تتوفر في الذي يعقد، العاقد بأن يكون مميزًا، وأن يكون عاقلًا، وكذلك في الذي يعقد عليه السلعة، لابد لها من شروط، أن يكون من المقدور تسلمها، وأن يكون كذلك مما ينتفع به، وتكون لها قيمة مالية، وأن لا يكون ماذا نجس العين، وغير ذلك من الأشياء التي ينبغي من خاض في باب البيع والشراء أن يكون ملمًا بها. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أنه ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة أبدًا ما صحب الدنيا، لأنه لا يدري على ما يموت، وبما يختم له، وعلى ما يلقى الله عز وجل، وإن عمل كل عمل من الخير، وينبغي للرجل المسرف على نفسه أن لا يقع رجاءه من الله تعالى عند الموت، ويحسن ظنه بالله تبارك وتعالى، ويخاف ذنوبه، فإن رحمه الله بفضل، وإن عذبه فبذنب. في هذه المسألة، أخواني، فيها مسألة عظيمة متعلقة بحال العباد إزاء الله جل وعلا، وكيف يتعاملون مع ربهم سبحانه وتعالى، هناك مرتبات يسميها العلماء بمرتبة الرجاء، وهو أنك تتطلع وترجو إلى فضل الله، وإلى مغفرة الله، وإلى رحمة الله، وأنك تطمع في ثواب الله جل وعلا. و هناك مسألة أو رتبة الخوف، أنك تخاف وتنزجر وتتعظ بمواعظ الله جل وعلا، وأنك تتذكر وعد الله وعيد الله جل وعلا، وما أعده سبحانه وتعالى من العذاب الأليم، ومن العذاب المقيم لمن عصاه وتعدى حدوده، فهذا مقام الرجاء، وهذا مقام الخوف. المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى هذه المقامات، والناس في هذه المسألة على مذاهب، أيهما يقدم، وأيهما له الأولوية في مسير العبد إلى الله جل وعلا، فمن الناس من يرى أن العبد في هذه الدنيا عليه أن يسير إلى الله جل وعلا وهو يغلب جانب الخوف، يغلب جانب الخوف، يتذكر وعد الله وعيد الله، عذاب الله، انتقام الله جل وعلا، ما أعده الله من العذاب والنكال لمن تعدى حدوده، فيبقى العبد في خوف، يسير إلى الله بهذا الوازع، هذا قول لبعض الناس. وقالوا أن هذا الخوف هو أفضل وأولى لأنه إن ترك الخوف لربما أوقعه ذلك إلى ماذا؟ إلى أنه يركن إلى رحمة الله جل وعلا، فيقع في الذنوب. وذهب طائفة من الناس على خلاف ذلك، ويرى أن الناس في دنياهم عليهم أن يسير إلى الله جل وعلا وهم يغلبوا جانب الرجاء، يغلبوا جانب الرجاء، يتطلعون إلى رحمة الله، إلى مغفرة الله، يعرفون أن الله غفور رحيم، وأن الله يتوب على من تاب، وأن الله واسع الرحمة واسع المغفرة، فتطلع برجاء إلى الله جل وعلا، فإن ذلك أعون لك، أعون لك لأن تسير قدما إلى الله سبحانه وتعالى. وقالوا أن هذا الباب، كونك أنك تدخل برجاء إلى الله جل وعلا، أن هذا أفضل، لأنك إن تركت الرجاء، أدخلك ذلك ماذا؟ من الإياس من رحمة الله، من ترك الرجاء ودخل في الخوف، وغلى في الخوف، فربما كثرة الخوف تجعله ماذا؟ ييأس، كما قال: يخلط من رحمة الله، والقنوط هو شدة اليأس، والقنوط هو شدة اليأس. ومن العلماء من يفصل، يقول: إذا كان العبد في دنياه جاءت حالة الشدة والضراء والبأساء، في هذه الحالة يغلب ماذا؟ أو يغلب جانب الرجاء، وإذا كان في حال الرخاء، وفي حال السعة من الغنى والصحة والعافية، في هذا الباب، في هذه الحال يغلب جانب الخوف. هذا قول ثالث، ومن قال بالتفصيل، وهناك مذهب رابع، وقول كثير من العلماء، أن المسلم في دنياه، وأن العبد في لقاء الله جل وعلا في هذه الدنيا ماذا يكون؟ يجعل الرجاء والخوف كجناحي طير، كجناحي طير، يجعل ماذا؟ يسير إلى الله جل وعلا جل وعلا على هذه الجناحين، جناح الرجاء، وجناح الخوف، لا يغلب هذا على ذاك، ولا ذاك على هذا. وهذا قول كثير من العلماء، وتدل به الآيات العامة، كما في قول ربنا جل وعلا في حق عباد الرحمن: ﴿يرجون رحمته ويخافون عذابه﴾، يرجون رحمته ويخافون عذابه، رجاء وخوف، فكان ذلك من صفات الإيمان، أنه يسيرون بهذين الجناحين. وكذلك ما ثبت في السنن، في قصة ذاك الشاب الذي دخل عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، فسأله عن حاله، كيف تجدك؟ فقال الشاب: يا رسول الله، إني أجد نفسي أرجو الله وأخاف ذنوبي، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما يجتمعان أي هذا المقام، مقام الخوف والرجاء، ما يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف»، أعطاه الله مما يرجو، وأمنه مما يخاف. فدل ذلك على أن العبد يسير إلى الله جل وعلا بهذين الجناحين، بماذا؟ بجناح الرجاء، وبجناح الخوف، لا يغلب هذا على هذا، وإنما يتذكر رحمة الله، وكذلك ما يتذكر وعيد الله لمن عصى وتعدى حدوده. والمؤلف أشار إشارات إلى هذا الباب، فالحاصل، عباد الله، فالمسلم ينبغي أن يسير، فلا يغتر أحد بعمله، فمن كان من أهل الصلاح، ومن كان من أهل الإحسان، وعطاه الله ما أعطاه، وفقه الله جل وعلا بأن يكون من الأخيار، من يقيم الصلاة، ومن كان على تقوى، فلا يغتر بأعماله، ولا يغتر بعباداته، بل عليه أن يخاف، يخاف ماذا؟ من أن الله جل وعلا أن يسلب منه هذه النعمة. ولهذا كان من كان من أهل الصلاح، وهم من الأنبياء والرسل، وهم أعظم رتبة عند الله جل وعلا، ومع علو منزلتهم، وعلو قدرهم عند الله جل وعلا، إلا أنهم ما ركنوا على عباداتهم، ومغترين بأعمالهم. فهذا إبراهيم عليه السلام، كان من دعائه: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾، هذا إبراهيم يخشى على نفسه، ويخاف على ذريته من أن يقع في الشرك، مغترًا بأعماله، وهو ﴿صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾، إبراهيم عليه السلام، وخليل الرحمن، بنى قبة الموحدين، وكسر الأصنام، وفدى بابنه، ومع هذه الأعمال العظيمة الجليلة، ومع ذلك ماذا؟ يخاف ويخشى من أن ينحرف ويزل، وأن يضيع عما كان عليه من الخير. وكان من دعاء الصالحين: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾، فأهل الصلاح كانت ألسنتهم تلهج بدعاء الله بأن الله ماذا؟ يثبتهم، فلا يغترن أحد، عباد الله، بأعماله، ولا بعباداته، بل الكل ما وفق الله لخير، فعليه أن يخشى أن تسلب منه هذه النعمة. وهكذا العكس بالعكس، إذا كان الرجل متعديًا لحدود الله، ابتلاه الله بالموبقات والجرائم والعظائم، فكذلك لا ييأس من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة الله، وإنما كذلك عليه أن يرجو الله جل وعلا، وأن يطمع بمغفرة الله سبحانه وتعالى. فليجعل ما فعله من جرائم، وما فعله من ذنوب وكبار، أن هذه حائلة بينه وبين الله، ولكم عبرة في القصة ذاك الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فقال له ذاك العالم: قال: من ذا الذي يحول بينك وبين التوبة؟ لا أحد يحول، لكن أصدق مع الله جل وعلا، وقل لعباد الذين أسرفوا على أنفسهم: ﴿لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾. فإخواني في الله، فلا أحد ماذا؟ ييأس من دين الله جل وعلا، فمن كان في صلاح، فليثبت في صلاحه، وذلك بالخوف، ومن كان على فجور وعلى بعد، فليطمع بمغفرة الله، وليدن من ربه جل وعلا، فإن الله غفور رحيم. فإخواني في المسألة المتعلقة بهذا الباب، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.