التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 7

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل الحج ومشقته

يشرح فضل الحج ومشقته، حيث يفارق الحجاج أوطانهم رغبة في الأجر. يعتبر الحج نوعا من الجهاد الذي يحتاج إلى جهد ومجاهدة للنفس.

حال الحجاج عند رؤية البيت الحرام

يصف حال الحجاج عند وصولهم البيت الحرام وتحولهم من التعب إلى الفرح. يشرح العلامة ابن عثيمين هذه الحالة ويفسر الآيات ذات الصلة.

تعظيم البيت الحرام ومحبة الله

يشرح تعظيم البيت الحرام وعلاقته بمحبة الله، حيث يبين أن إضافة البيت إلى الله سبب تعظيمه. يتناول التناقض في تعظيم البيت مع معصية الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أعلامة من القيم رحمه الله، في قصيدته الميمية، وهو يذكر حال أحبابه حين يحرمون بالحج، وكيف حالهم عند مفارقتهم لأوطانهم وبلدانهم، وكيف عظيم شوقهم عند لقاء بيت الله جل وعلا الحرام. قال رحمه الله: وقد فارقوا الأوطان والأهل رغبة، ولم يثنهم لذاتهم والتنعم. قال العلامة من عثيمين رحمه الله: معنى البيت أنهم فارقوا أوطانهم وأهلهم وتنعمهم ولذاتهم، فارقوا كل ذلك رغبة فيما عند الله عز وجل. ومعلوم أن السفر قطع من العذاب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «السفر قطعة من العذاب»، وذلك لما يجد المسافر من ألم الفراق، فراقه لأهله، فراقه لزوجته، فراقه لأولاده، فراقه لوطنه، فراقه لأصدقائه وأحبابه، ومع ما يقع له في سفره من مشقة وتعب، تعب السفر والتنقل. فيذكر الإمام القيم رحمه الله أنهم فارقوا أوطانهم وفارقوا أهلهم رغبة، يعني لم يكرهوا على ذلك، وإنما فعلوا هذا رغبة لما عند الله جل وعلا من الثواب والأجر، ولم يثنهم لذاتهم، يعني ما فيه من اللذات وما هم فيه من التنعم بأنواع النعم التي منى الله جل وعلا بها عليهم، لم يثنهم ذلك ولم يمنعهم ذلك من تركها ومفارقتها والذهاب إلى بيت الله الحرام. قال: ولهذا كان الحج نوعا من الجهاد، ومعلوم أن الجهاد فيه مشقة عظيمة، فيه مشقة عظيمة، وما سمي الجهاد جهادا إلا لما فيه من بذل الجهد، من بذل الجهد والطاقة. فالحج نوعا من أنواع الجهاد لما فيه من التعب والمشقة. وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة». والحيث رواه الإمام أحمد وابن ماجة من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني رحمه الله. وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: «جهادكن الحج، جهادكن الحج». وهكذا أيضا، كما أن الرحلة إلى الحج رحلة طويلة وشاقة، وفيها ترك اللذات من لذات الدنيا ونعيمها، كذلك رحلة العبد في هذه الدنيا إلى دار الآخرة وإلى الجنة، فهي رحلة طويلة وشاقة تحتاج من العبد إلى جهد ومجاهدة لنفسه وترك ملذات النفس وشهواتها ولذاتها حتى يصل إلى ذلك المقصود العظيم. قال رحمه الله: يسيرون من أقطارها وفجاجها رجالا وركبانا، ولله أسلموا. وقوله: رجالا، يعني على أرجلهم، وركبانا، أي راكبين على الرواحل والمركوبات، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، رجالا أي على أرجلهم يمشون، وضامر أي راكبين. قال: يسيرون من أقطارها وفجاجها، يعني من أقطار الأرض ومن فجاج الأرض ومن سائر البلدان والبقع. قال العلامة العثيمين رحمه الله: قوله من أقطارها وفجاجها، أي من كل الأقطار، فيأتون من أقصى شرق آسيا ومن أقصى المغرب، يأمون هذا البيت، يعني يقصدونه. ولقد حدثنا المشات الذين كانوا يمرون بنا، ويسمون عند العامة الدراويش، أن الواحد منهم يبقى ستة أشهر، ينزل من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، حتى يصلوا إلى مكة. هكذا يتحملون المشاق والتعب والتنقل من بلدة إلى أخرى، يفعلون ذلك ماذا؟ على أرجلهم أو على الرواحل والمركوبات البطيئة. قال: وقوله ولله أسلموا، أي انقادوا له محبة وتعظيما ورجاء لما عنده. وهذا الذي قادهم إلى تحمل تلك المشاق والمصاعب هو محبتهم لله سبحانه وتعالى، وتعظيمهم لشعائر الله جل وعلا، وإرادة الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى. وهكذا المسلم في هذه الدنيا، إذا وقعت محبة الله جل وعلا في قلبه، قاده ذلك إلى الانقياد إلى أوامر الله واجتناب نواهي الله جل وعلا، لإرادة نيل ما عند الله جل وعلا من الثواب والأجر. ثم قال رحمه الله: ولما رأت أبصارهم بيته الذي قلوب الورى شوقا إليه تضرر، كأنهم لم ينصبوا قط قبله. لأن شقاهم قد ترحل عنهم. ومعنى ذلك أن هؤلاء الذين قطعوا المسافات وقطعوا المشاق وقطعوا تلك البقاع والأقطار لأجل حج بيت الله الحرام، لما وصلوا إلى مقصودهم، ورأت أبصارهم بيت الله جل وعلا الذي قلوب الوراء شوقا إليه تضرم، يعني تلتهب القلوب شوقا ومحبة ورغبة في الوصول إلى ذلك المكان العظيم. فلما وصلوا إلى مقصودهم ورأوا بيت الله جل وعلا، ذهب عنهم ما كانوا يجدون من التعب والمشقة والنصب، وكأنهم لم يصيبوا شيء من النصب والتعب قبل ذلك. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: يعني أنهم لما وصلوا إلى المحبوب، نسوا جميع المشاق التي واجهوها في الطريق، وكأن شيئا لم يكن. ثم قال رحمه الله: فلله كم من عبرة مهراقة، وأخرى على آثارها لا تقدم. قال: يعني رحمه الله أنهم إذا رأوا البيت، بكوا وعجوا بالبكاء لحصول مطلوبهم وشدة شوقهم إلى ربهم عز وجل، لا لألم أو ضيق، وهذا من شدة محبتهم وشوقهم إلى لقاء بيت الله جل وعلا، لا تتمالك القلوب ولا تتمالك الأعين أن تصب عبراتها وتصب دموعها شوقا ومحبة وتعظيما. ثم قال رحمه الله: وقد شرقت عين المحب بدمعها، فينظر من بين الدموع ويسجم. قال: يعني رحمه الله أن الإنسان إذا غرورقت عيناه من الدموع، فإنك تجد لا يبصر البصر المعروف، ولكن ينظر من بين الدموع، من بين هذا الماء الذي يترقرق في عينيه. نسأل الله جل وعلا أن يبلغنا وإياكم بيته العظيم، وأن لا يحيمنا من زيارته بحج أو عمرة. قال رحمه الله: إذا عاينته العين زال ظلامها، وزال عن القلب الكئي بالتألمه. قال: وإنما كان كل ذلك لأنه يرى بيت محبوبه الذي ما جاء من أقصى البلاد إلا من أجله، فيزول عنه ألم القلب، فلا يبقى فيه شيء من الألم أو التعب. ثم قال رحمه الله: ولا يعرف الطرف المعاين حسنه، إلى أن يعود الطرف والشوق أعظم. يعني كلما نظر إلى بيت الله الحرام، يزداد في قلبي الناظر أو في عيني الناظر إليه تعظيما وحسنا وجمالا وبهاء. قال رحمه الله: أنه مع كونه وصل إلى الغاية، فإنه إذا نظر إلى هذا المحبوب، لا يعود الطرف إليه إلا وقد ازداد شوقه إليه. وهذا إنما يكون مع كل محبوب يحبه الإنسان محبة شديدة، فإنه لا يشبع منه، حتى ولو ظفر به، فلا يكاد ينظر إليه أو يسمع صوته إلا ازداد شوقه إليه. ثم قال رحمه الله: لا عجب ولا عجب من ذا، فحين أضافه إلى نفسه الرحمن فهو المعظم. وقوله رحمه الله: ولا عجب من ذا، أي لا تعجب من هذا الشوق العظيم لهذا البيت، وهذا الفرح بلقاء هذا البيت، فقوله: حين أضافه إلى نفسه الرحمن، فهو المعظم، يعني رحمه الله أن ما في القلوب من المحبة والتعظيم لهذا البيت، إنما هو بسبب إضافته إلى الله عز وجل، فتعظيم البيت من تعظيم الله عز وجل. قال: والعجب في ذلك أن من الناس اليوم من يعظم هذا البيت، وهو جدير بهذا، ولا يريد أن يخدشه أو يمسه أحد بأي أذى، ولكنه مع ذلك لا يعظم رب هذا البيت، فهو دائما في معصية رب هذا البيت، وفي الفجور والفسق، وهذا لا شك أنه تناقض عظيم. فإن من أحب بيت الله جل وعلا، فإنه يحب رب هذا البيت، وإذا أحبه رب هذا البيت، فلابد أن ينقاد له، وأن يطيعه، وأن يجتنب معصيته ومخالفة أمره. قالوا: هذا من عكس القضية، لأننا لا نحب بيت الله عز وجل، ولا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نحب المؤمنين إلا من أجل الله عز وجل. ومن القيم رحمه الله، كما مضى قد بيّن أن ما يحل في القلوب من محبة البيت وتعظيمه، إنما هو من أجل أن الله قد أضافه إلى نفسه، أي أن حصول هذا التعظيم العظيم لهذا البيت، وما يقع في قلوب أهل الإيمان من تعظيمهم له، هو لأجل تشريفه الذي شرفه الله عز وجل به بإضافته إليه. طيب، ما كفاني بهذا القدر. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.