الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشرح بتوضيح شدة محبة ابن القيم للصحابة والتابعين من خلال أبيات منظومته الميمية. يبين العلامة ابن عثيمين رحمه الله معاني هذه الأبيات.
تتضمن الأبيات الشعرية تعبيراً عن شدة الشوق والرغبة في لقاء الأحبة، حيث يصف الشاعر التفاؤل بلقاء من يحب ويتجه ببصره نحو الجهة التي يوجدون فيها.
يفسر ابن القيم بيت شعر يعبر عن شدة الشوق والحب، حيث يسأل الشاعر عن أحبته ويشير إلى أوطانهم، ويبين ابن القيم دلالة البيت على المحبة الشديدة.
يفسر المقطع الأخير معنى بيت شعر يصف شدة شوق المشتاق وتحمله للفراق، ويشبه ذلك بتعلق القلب بالله واشتعال الحزن في القلب حتى لقائه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله في منظومته الميمية: لأنتم على قرب الديار وبعدها أحبتنا، إن غبتم أو حضرتم. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: هذا مما يدل على محبة عظيمة قد ملأت قلب ابن القيم رحمه الله لهؤلاء، فهو رحمه الله يحبهم قربوا أو بعدوا، غابوا أو حضروا، والمراد بهم كما مر معنا صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن اتبعهم وسار على طريقهم وهديهم. ثم قال رحمه الله مستشهدا: سلوا نسمات الريح كم قد تحملت محبة صب شوقه ليس يكتم. قال رحمه الله: قوله «سلوا نسمات الريح» يعني عند هبوبها، أي عند نزول الرياح، وقوله «كم قد تحملت» وذلك لأن الريح هي التي تأتي بالروائح، فسألوها كم قد تحملت من الأشواق الكثيرة، وهذا من تعبير الشاعر عن شدة حبه وتعلقه بمن أحب. وقوله «محبة صب» يعني محبة محب قد غلب الحب قلبه، وتعلق قلبه بمن أحب حبا عظيما، وشوقا عظيما إلى لقائهم. وقوله «شوقه ليس يكتم» يعني ليس يكتم هذا الشوق ويستره، بل هو يكاد أن يظهره وأن يبوح به. قال رحمه الله: وشاهد هذا أنها في هبوبها تكاد تبث الوجد لو تتكلموا. قوله «الوجد» قال: هو شدة المحبة، يعني أن هذه النسمات الريحية التي تحمل محبتنا إليكم تكاد تنشر الوجد بالصوت لو تتكلم، يعني تبوح وتظهر هذه المحبة علانية لسائر الخلق. قال: ولكنها لا تتكلم، إلا أنها تحمل الأشواق، وهذا من باب يعني بلاغة الشعراء في التعبير. ثم قال رحمه الله: وكنت إذا اشتد بالشوق والجواء، وكادت عرى الصبر الجميل تفصم. قال الشارح رحمه الله: قوله «وكنت» قال: خبرها ما بعد هذا البيت من الأبيات إلى قوله «أسائل عنكم كل غاد ورائح وأومى إلى أوطانكم وأسلم». وقوله «إذا اشتد بالشوق والجواء» الشوق هو شدة المحبة، والجواء الظاهر أنه أصل الحزن على فراق المحبوب، فالجواء الحزن وحرقة القلب على فراق المحب لمن أحب، فهو شدة الوجد، وكذلك أيضا حرقة القلب، فهو يذكر رحمه الله أنه كلما اشتد به الشوق واشتد به محبة لقاء من أحب، يكاد أن ينفصم عنه عرى الصبر، يعني أن تتقطع أو تتكسر أسباب الصبر، فلا يتحمل الصبر على بعده عنهم وعدم لقائه بهم. ومعنى «تفصم» كما سمعنا بمعنى تتكسر، تتكسر وتنقطع عرى الصبر من شدة الشوق والمحبة. ثم قال رحمه الله: أعلل نفسي بالتلاقي وقربه، وأوهمها لكنها تتوهم. قال رحمه الله: قوله «أعلل نفسي» هذا هو حديث النفس، وقوله «أعلل نفسي بالتلاقي وقربه» أي أقول في نفسي إن اللقاء سيأتي إن شاء الله، فاصبري أي نفس، فإن كل آت قريب، ولسوف تلتقين بأحبابك يوما. وقوله «وأوهمها» يعني بقرب التلاقي وأنه ليس ببعيد، وهذا من باب التخفيف، التخفيف على هذه النفس لما تجد من شدة الشوق والوجد لمحبة لقاء من أحب. قال: وقوله «ولكنها تتوهم» أن يلحقها الوهم من شدة الشوق، ولا تعي ما أقول لها «أعلل نفسي بالتلاقي وقربه وأوهمها لكنها تتوهم» يعني تتوهم أن لقاء من أحب قريب، فذلك يخفف عنها شدة المحبة والوجد. ثم قال رحمه الله: وأتبع طرفي وجهة أنتم بها، فلي بحماها مربع ومخيم. قال رحمه الله: قوله «وأتبع طرفي» هذا عمل العين، يعني طرف العين، بمعنى أتبع بصري إلى الوجه والمكان الذي أنتم فيه. قال: ومعنى البيت أنه يتصور أنه خارج البلد، ومحبوه نحو مكة، ولذلك فإن نظره سيتوجه إلى الجهة التي هم فيها، وهي مكة، وهذا انتقال من مشهد إلى مشهد آخر، فهو الآن يتمنى لقاء أصحابه ومن أحب، ثم يجعل وجهة هؤلاء ومكان اللقاء بهم هو جهة مكة، وكذلك إلى بيت الله الحرام. ومعنى قوله «فلي بحماها مربع ومخيم» المربع الموضع الذي ينزل فيه أيام الربيع، ويريد أنه له مقصد للنزول في ذلك المكان، وله كذلك أيضا يعني منزلا ينزله ويقصده. ثم قال رحمه الله: وأذكر بيتا قاله بعض من خلف، قد ضل عنه صبره، فهو مغرم. قال رحمه الله: قوله «وأذكر بيتا» هذا هو عمل النفس، وقوله «مغرم» يعني أنه مغرم بالحب، وكأن غريما لازمه، ويريد بهذا أنه سيذكر بيتا قاله غيره من الشعراء، قاله غيره من الشعراء، وهو ممن قد نفذ صبره في لقاء من أحب، وتشوق إلى لقائه، فهو يذكر هذا البيت لشدة حبه رحمه الله وشوقه إلى لقاء أحبته، وهو قوله: «أسائل عنكم كل غاد ورائح وأومى إلى أوطانكم وأسلم». قال رحمه الله: قوله «غاد» يعني في الصباح، الغدو في الصباح، وقوله «ورائح» يعني في المساء، وهو الرواح، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمر: «لو تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا»، تغدو يعني في أول النهار خماصا بطونها فارغة، وتروح بطانا تأتي في آخر النهار وبطونها ممتلئة. قالوا: هذا البيت لغير ابن القيم رحمه الله، لكنه ذكره واستشهد به لمناسبة المقام لذلك، ولكنه يتذكر هذا القول الذي كان يقوله صاحبه. قالوا: هذا البيت لو تصورته وتخيلته وجدت فيه شوقا عظيما، لأنه لا يترك كل أحد يجيء في الصباح أو في المساء إلا ويسأله أين الأحبة وأين تركتهم إلى آخر ذلك من الأسئلة. «أسائل عنكم كل غاد ورائح» يعني كل من جاء في الغدو وكل من ذهب في الرواح، وهذا يدل على شدة المحبة والشوق إلى لقاء من أحب، حتى يسأل عنهم كل من مر في الصباح والمساء. قال: وقوله «وأومى إلى أوطانكم وأسلم» أي ومع ذلك فأنا أومى إلى أوطانكم وأسلم، كأني مجنون، وذلك من شدة الوله ومن شدة الشوق، أومى يعني أشير، الإيماء الإشارة، فهو يشير إلى محل مساكنهم ومحل أوطانهم، ويسلم من شدة شوقه إلى لقائهم. ثم قال رحمه الله: وكم يصبر المشتاق عمن يحبه، وفي قلبه نار الأسى تتضرم. قوله «تتضرم» بالضاد، ومعنى تتضرم يعني تتلهب، تتلهب أي يشتعل قلبه لهبا لحزنه وتألمه على فراق من أحب. قال: ومعنى البيت أنه ما أكثر ما يصبر المشتاق على لقاء من يحبه، ويتصبر لذلك، ولكنه مع ذلك يجد النار من الحزن تتضرم في قلبه إلى أن يصل إلى محبوبه، فهكذا إذا تعلق القلب بمن أحب ولم يلق محبوبه، فإنه يجد ماذا نارا وحرقة في قلبه، لا يطفئها إلا لقاء من أحب، ومن تعلق قلبه به. وسيذكر رحمه الله بعد ذلك تجاه المؤلف رحمه الله وقصده إلى بيت الله الحرام، وشدة شوقه إلى لقاء حجاج بيت الله والوصول إلى تلك الأماكن المعظمة، وسيأتي ذلك إن شاء الله في الأبيات التي بعد هذه الأبيات. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.