التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 4

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حقيقة المحبة واتباع النبي

المحبة لله تظهر في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم سنته، وادعاء المحبة بدون اتباع هو كذب. حقيقة المحبة هي الاتباع وليست بالإدعاء وقول اللسان.

ثمار محبة الله وتأثيرها على القلب

إذا أحب الله عبدا، نادى جبريل ليحبه الناس، ويوضع له القبول في الأرض. المحبة تزيد الإنسان سرورا وانشراحا وفرحا وانقيادا.

أثر المحبة في سلوك الإنسان

المحبة هي المحرك الأساسي لأفعال الإنسان، والموفق هو من يتبع محبته لمحبة الله. المحبة تؤثر على سلوك الإنسان وتجعل النفوس عرضة للهلاك إذا كانت شديدة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال رحمه الله: وحملها قلب المحب، وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألمه. قال نعمة المبثوثين رحمه الله: قوله «ليضعف عن حمل القميص ويألمه» المحبة من أشد ما يصيبه، وذلك لأنها جذابة، فهي تجذب الإنسان بسلاسل من حديد إلى المحبوب. ولهذا لا يمكن أن تجد أحدا يحب الله عز وجل إلا وهو يعمل بطاعته، يعني إذا وقعت محبة الله جل وعلا في قلب العبد فإنه ينقاد إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، ويقبل عليها إقبالا كليا، فلا يتكاسل، ولا يصرفه شيء، ويمنعه شيء عن القيام بطاعة الله سبحانه وتعالى. قال: ولما ادعى قوم محبة الله، قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. قد ورد هذا عند ابن جرير وغيره من طريق من طرق عن الحسن البصري مرسلا. ومرسل الحسن ضعيف. ومعنى الآية الصحيح أن كل من ادعى محبة الله جل وعلا، فإن تصديق ذلك باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل جعل شرطا في تحقيق محبته باتباع نبيه، «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني» أي نبي عليه الصلاة والسلام. فإذا فعل ذلك العبد، فقد حقق محبته لله سبحانه وتعالى، فحقيقة المحبة الاتباع، وليست بالإدعاء وقول اللسان، كم خالف القول الفعل. بل المحبة تظهر في اتباع العبد للنبي صلى الله عليه وسلم، ولزوم سنته. فإذا فعل ذلك، نال محبة الله ومغفرة الله، «يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم». قال: أي إذا كنتم صادقين في هذه المحبة، فاتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما أن يقول الواحد منكم: والله أنا أحب الله، وأحب الرسول، ثم يمنع ويمنع دموعه، وإذا به من أفسق الناس، فهذا كذب؛ لأن الميزان في ذلك الذي لا يبخس هو اتباعه، هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. فليس مجرد قول اللسان، والدعاء محبة الله جل وعلا، أو محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم هو يخالف سنته، ويردها، ويعارضها، ويعاندها. إذا هذه دعوة كاذبة، هذه دعوة كاذبة. إن كان صادقا في دعوته لاتبع النبي صلى الله عليه وسلم. وكما قيل: «إن المحبة لمن يحبه مطيعه». الذي يدعي محبة النبي عليه الصلاة والسلام فلابد أن يطيعه في شرعه ودينه وسنته، وإلا كان كاذبا. قال: وكلما رأيت الإنسان أتبع للرسول صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه يحب الله؛ لأن محبة الله جل وعلا مقرونة باتباع النبي عليه الصلاة والسلام. فكلما كمل اتباع العبد للنبي صلى الله عليه وسلم، كلما كملت محبته لله سبحانه وتعالى. قال: وأن الله يحبه؛ لأن الله وعد من أحبه أو تبع رسوله من يحبه. قال: لأن محبته لله قادته إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأثمر هذا الاتباع محبة الله له. فهنا سلاسل ثلاث: محبة الإنسان لله، وهذه ينتج عنها اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيثمر هذا الاتباع محبة الله عز وجل لهذا الإنسان. وإذا حب الله جل وعلا عبده، فيبشر بخير الدنيا والآخرة، يضع الله عز وجل له القبول في الأرض، كما في حديث أبي هريرة: «إذا حب الله عبدا نادى جبريل: إني أحب فلانا، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». والحديث في المسلم. هذه من ثمار محبة الله جل وعلا للعبد، أن يجعل الله عز وجل محبته عند أهل السماء وأهل الأرض، يوضع له القبول، تجد الناس يحبونه ويتوددون إليه، كما قال الله جل وعلا: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾، أي محبة وتوددا. فهذه من ثمار محبة الله جل وعلا. قالوا: قوله «أحملها قلب المحب» أي أن هذه المحبة يحملها الله قلب المحب، يعني الله عز وجل يجعلها في قلب المحب. وقوله «وإنه» هل مراد به القلب أو المحب؟ الجواب يحتمل هذا وهذا، يعني قوله «إنه يضعف» أي القلب أو صاحب القلب، قال: يحتمل هذا أو يحتمل هذا. قال: ولكن الذي يلبس القميص هو المحب، فيكون هو المراد، أي صاحب القلب المحب هو الذي يعود إليه الضمير، يعني يكون فيه من الضعف ما يضعف عن حمل القميص الذي يلبس، ومع ذلك يتحمل هذه المحبة الثقيلة. ثم قال رحمه الله: وذللها حتى استكانت لصولة المحبة، لا تلوي ولا تتلعثم. قال: قوله «وذللها» الظاهر أن المقصود هو القلوب. وقوله «لصولة المحبة» المحبة أمرها عظيم، يعني ذلل هذه القلوب لمن أحب حتى جعلها بليغة منقادة، منقادة لمن أحب. قال: المحبة أمرها عظيم، ولا يعرف شأنها وأثرها إلا من قرأ أخبار العشاق. قد ذكر الإمام القيم رحمه الله شيئا من ذلك في كتابه «الداء والدواء» المسمى بـ «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، ذكر شيئا من أخبار العشاق. وهكذا أيضا في كتاب «روضة المحبين». وهكذا أيضا ألف محمد المغدادي المتوفى سنة 500 من هجرة كتابه «مصارع العشاق»، ذكر فيه أيضا شيئا من ذلك. قال: ولكن محبة الله لا تولد ما تولده محبة العشاق؛ لأن محبة العشاق قد تقتل العاشق، تصل به إلى حد القتل، بل إلى حد الجنون، إلى حد الجنون، فأمر العشق أمر خطير. ومحبة الله جل وعلا لعبده، أو محبة العبد لربه لا توصف بالعشق، لا توصف بالعشق؛ لأن العشق مقرون بالشهوة، وهذا شيء ممتنع في حق الله سبحانه وتعالى ورسوله. إذا من الخطأ أن يقول للإنسان: أن أعشق الرسول، أو يقال: يا عشاق الرسول، أو يا عشاق الله، هذا تعبير خاطئ. وإنما يعبر بالمحبة، محبة الله، محبة رسوله، أو الخلة التي أرفع من المحبة. قال: وأما محبة الله فإنها تزيد الإنسان سرورا وانشراحا وفرحا وانقيادا. فبين المحبتين أعظم مما بين السماء والأرض. ولعظيم شأن المحبة، قال ابن القيم رحمه الله في «روضة المحبين»: إن كل شيء يدور على المحبة، كل شيء يدور على المحبة. قال الشيخ المعظم رحمه الله: وهذا صحيح، فلولا محبتك للخبز لما أكلته، ولولا محبتك للنوم لما نمت، ولولا محبتك للذهاب إلى أصحابك لما ذهبت، وهكذا يعني كل شيء يدور على المحبة. قال: ولكن الموفق من وفقه الله، وجعل محبته تابعة لمحبته سبحانه. نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم. قال: وقوله «لا تلوي ولا تتلعثم» أي لا تتأخر ولا تميل يمينا ولا شمالا، يعني من قياد المحب لمن أحب، فإنه لا يتأخر عن محبوبه، ولا يميل يمينا ولا شمالا. وهذه حقيقة المحبة، فإذا أحب العبد ربه جل وعلا ورسوله، فإنه لا يميل يمينا ولا شمالا، ولا يخالف ما أمر الله عز وجل أو أمر رسوله عليه الصلاة والسلام. ثم قال رحمه الله: وذلل فيها أنفسا دون ذلها، حياظ المنايا فوقها وهي حوم. قال: قوله «وذلل فيها» أي في المحبة. وقوله «أنفسا دون ذلها» أي أن هذه النفوس ذلت لغير الذل الذي هو ذل الموت، وإنما ذلت للمحبة. قال: هناك مثال يغرم لذلك، أو قصة بريرة. وقوله «وذلل فيها أنفسا دون ذلها» يعجب على ذل وهي أرفع من هذا الذل الذي تأنفه النفوس، لكن غلبت المحبة على القلب، جعلتها ذليلة. قال: هناك مثال يغرم لذلك، هو قصة بريرة. ومغيث وبريرة كانت هي مولاة لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وكانت مولاة لبعض بني هلال، فكاتبوها واشترتها عائشة منهم، فلما عتقت وكان تحت مغيث زوجها -مغيث هو عبد مملوك- فلما عتقت جعل النبي عليه الصلاة والسلام الخيار في البقاء معه أو طلب الفراق، ففارقته، اختارت نفسها وأرادت أن تفارقه. وكان مغيث هذا يحبها حبا شديدا، كان يحبها حبا شديدا. قال: فإن مغيثا كان يحب بريرة، وبريرة لا تحبه، فكان يمشي وراءها في سكة المدينة يبكي، يعني بعدما اختارت نفسها وطلبت أو اختارت فراقه، تألم من ذلك، فكان يطوف خلفها في الأسواق، يعني يرجو منها أن تتنازل عن هذا الأمر أن ترجع إليه. قال: فانظر كيف يمشي رجل خلف امرأته ويطلب منها أن ترجع له أو أن تبقي النكاح. إذن فهذا الرجل ذلت نفسه لهذه المرأة من أجل المحبة، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء يشفع له، قال لبريرة: «لو راجعته»، قالت له: يا رسول الله، أتأمرني بذلك؟ أتأمرني؟ قال: «لا، ولكن أشفع»، فقالت: «لا حاجة لي فيه». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تعجبون من حب مغيث لبريرة، ومن بغض بريرة لمغيث؟». وهذا كما مر معنا أن المحبة من الله جل وعلا. قال: فانظر كيف تصنع المحبة في الرجال، وهذا أمر من الله، كما قال المؤلف: «أما والذي شق القلوب وأوقع المحبة فيها حيث لا تتصرمه». ولهذا ينبغي لك دائما أن تسأل الله عز وجل أن يجعل محبتك تابعة لمحبته، أي تابع لمحبة الله، وأن تحب ما يحبه الله جل وعلا، وأن تبغض ما يبغضه الله سبحانه وتعالى. اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. اللهم آمين. قال: وقوله «حياظ المنايا فوقها وهي حوم» يعني أنه بشدة المحبة، كأن حياظ المنايا -المنايا يعني الموت- والحياظ جمع حوال، يعني كأن أسوار الموت فوق المحبة. قال: كأن حياظ المنايا وهي موارد المنايا التي تند إليها، يعني أسباب الموت والهلاك فوق هذه النفوس تحوم عليها وتقتلها بشدة المحبة. حياظ المنايا فوقها، عن فوق المحبة، فيحصل بها ماذا؟ الهلاك والموت، فقد تقتل، يعني شدة الحب يقتل صاحبه.