التعليقات على كتاب الأدب المفرد 375

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 375، ألقاها

جواز الجلوس على السرير واستدلال الإمام البخاري

يستدل الإمام البخاري بحديثين على جواز الجلوس على السرير، مما يدل على سعة التشريع الإسلامي في التعامل مع أمور الحياة اليومية.

تأخير صلاة الظهر في شدة الحر وسنة الإبراد

تُشرح سنة تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، ويُبين أن الإبراد يكون بظهور الفيء في الجدر، وتُذكر تطبيقات هذه السنة في مختلف الظروف.

زهد النبي في الدنيا ورضاه بالقليل

يُظهر زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا من خلال مشهد رواه أنس بن مالك، حيث كان النبي على سرير بسيط، مما يعكس رضاه بالقليل وعدم تعلقه بالدنيا.

فضل ما عند الله تعالى مقارنة بالدنيا

يُبين فضل ما عند الله عز وجل مقارنة بما في الدنيا، ويُظهر أن الآخرة خير من الدنيا لمن آمن وعمل صالحاً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا علي بن الجعد قال: حدثنا شعبة عن أبي جمرة ونصر بن عمران الضبعي قال: كنت أقعد مع ابن عباس، فكان يقعدني على سريره، فقال لي: أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي، فأقمت عنده شهرين. الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وأصله في صحيح البخاري. وفي رواية البخاري في صحيحه يتبين السبب الذي لأجله قال له ابن عباس: أقم عندي أجعل لك سهما من مالي، وذلك أن في صحيح البخاري أن أبا جمرة تمتع بالعمرة إلى الحج، أي حج متمتعا، قال: فنهاني ناس -يعني عن ذلك- فسألت ابن عباس، قال: فأمرني -يعني بها بالتمتع- قال: فرأيت في المنام كأن رجلا يقول لي: حج مبرور وعمرة متقبلة، قال: فأخبرت ابن عباس، فقال: سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: قال لي: أقم عندي فأجعل لك سهما من مالي. قال شعبة: قلت لما قال للرؤية التي رأيت فأقام عنده شهرين. ثم ذكر عنه رواية حديث وفد عبد القيس. فقوله هنا: أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي، تبين سببه هو ما رآه من تلك البشارة بسبب تمتعه في حجه حين حج متمتعا، فأخبر ابن عباس بذلك، فرح بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثم طلب أن يقيم عنده. وقوله: كنت أقعد مع ابن عباس فكان يقعدني على سريره، يعني حين أقام عنده. وجاء أيضا في بعض الروايات أنه كان يترجم لمن يأتي إلى ابن عباس يسأله، فمن أهل العلم من قال: إنه كان يحسن الفارسية، فكان يترجم لمن كان يتكلم بهذه اللهجة واللغة. وقيل: معنى ترجمته أنه يبلغ الناس كلام ابن عباس، يفهمهم كلامه، أنه كان يفهمهم كلامه. لذلك طلب منه أن يقيم عنده -يعني هذا مما قيل أيضا في سبب إقامته عنده- أنه كان يترجم لمن يأتي لابن عباس يسأله، إما أنه يفهمهم كلام ابن عباس ويبين لهم كلامه، أو أنه يحسن اللغة الفارسية، كما قال ابن بطال رحمه الله، فيترجم لمن كان يتكلم بهذه اللغة. الشاهد من هذا الحديث هو قوله: كنت أقعد مع ابن عباس فكان يقعدني على سريره، يسدل به الإمام البخاري رحمه الله على جواز الجلوس على السرير. فلهذا كره في هذا الباب باب الجلوس على السرير. قال: وحدثنا عبيد قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال: سمعت أنس بن مالك وهو مع الحكم أمير بالبصرة على السرير يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكر بالصلاة. هذا الحديث كذلك حسن، صححه الألباني رحمه الله، وأصله في صحيح البخاري من حديث أنس. فأبو خلدة يقول: سمعت أنس بن مالك وهو مع الحكم أمير بالبصرة -أي حكم بن أيوب كان أميرا بالبصرة- رأى أنس بن مالك رضي الله عنه وجالس معه على السرير، ثم ذكر هذا الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد بكر بالصلاة. وسبب ذكر أنس لهذا الحديث أن الحكم أخر الجمعة يوما -أخر الجمعة يوما- وكأنه يعني بالغ في التأخير، وقد لا يكون هناك سبب موجب للتأخير، فذكر له أنس رضي الله عنه هذا الحديث. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد بكر بالصلاة -يعني في صلاة الظهر- وهكذا قل في الجمعة. الإبراد بالصلاة أن تصلى صلاة الظهر في آخر وقتها، أن تصلى في آخر وقتها عند اجتداد الحر، عند اجتداد الحر. وهذه سنة أن تؤخر صلاة الظهر إذا اجتد الحر، كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم»، فإن شدة الحر من فيح جهنم. ويحصل الإبراد كما ذكر أهل العلم بظهور الفيء في الجدر -يعني بداية ظهور الظل- بداية ظهور الظل في الجدر -يعني بعد ظهوره- وفي بعض الروايات في الحديث في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر مع أصحابه، فقام المؤذن ليؤذن في صلاة الظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبرد»، فجلس، ثم قام ليؤذن فقال: «أبرد»، فجلس، ثم قام ليؤذن فقال: «أبرد»، قال: «أذن أذن»، قال: وذلك عند ظهور فيء التلول -التلول هي الأكوام من الرمل- عند ظهور ظلها، عند ظهور ظلها. وهذا كما ذكر أهل العلم أنه يكون في آخر الوقت -يعني ممكن أن تقول في الثلث الأخير مثلا من الظهر يكون هذا الوقت وقت الإبراد في آخر وقتها. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة، هذا إذا كان هناك حاجة للإبراد، كون الناس مثلا يصلون في أماكن لا شيء مثلا يقيهم من الحر، أو المسجد مكشوف مثلا ونحو ذلك. أما مع وجود وسائل التبريد كالكهرباء والمراوح والمكيفات أو نحو ذلك، فهنا قد لا يكون هناك حاجة للإبراد لوجود ما يحصل به من تبريد الجو، فتكون الغاية المقصودة من الإبراد هي موجودة في هذه الوسائل الحديثة من الكهرباء والمراوح والمكيفات ونحوها. أما إذا كان مثلا في صحراء أو في سفر أو نحو ذلك، أو ناس في بادية أو شيء من ذلك، فاحتاجوا إلى الإبراد، فهذه سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وإذا كان البرد بكر بالصلاة -يعني إذا كان الجو باردا بكر بالصلاة- صلى الصلاة في أول وقتها ولم يؤخرها. طيب هذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فتأخير الصلاة مثلا ساعة بين الأذان والإقامة هذا لا يعد من الإبراد، هذا لا يعد من الإبراد، الإبراد يكون أكثر من ذلك، يكون أكثر من ذلك. قال: الشاهد من هذا الحديث هو قول أبي خلدة: سمعت أنس بن مالك وهو مع الحكم أمير بالبصرة على السرير، أن أنس بن مالك رضي الله عنه جلس مع الحكم على السرير. وقوله: مع الحكم أمير بالبصرة، هذا أيضا فيه جواز الدخول على الأمراء إذا كان المقصد من ذلك هو نصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فهذا أمر مطلوب لمن كان عنده الاستطاعة، وخاصة من أهل العلم والفضل، فهذا أمر محمود. أما إن كان لأجل غير ذلك من أمور الدنيا، فالأولى هو ترك ذلك. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من أتى السلطان فالسلطان إفتتان»، ولهذا كان السلف يحذرون من الدخول على السلاطين بسبب ما قد يحصل من الدخول عليهم من الافتتان بالدنيا، وربما يفتتنون، ربما يفتنون الإنسان بما عندهم من مال وجاه وسلطان، حتى لا يستطيع بعد ذلك أن ينكر منكرا ولا أن يأمر بمعروف. فلهذا كان السلف رحمه الله يذمون الدخول على السلطان من أجل الخوف عليهم من الافتتان بهم. أما لأجل النصيحة ونحو ذلك، فهذا فعل كثير من العلماء رضي الله عنهم. قال: حدثنا عمر بن منصور قال: حدثنا مبارك قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا أنس بن مالك قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرمول بشريط -مرمول بشريط يعني منسوج من السعف بالحبال- وهذا يستعمله كثير من أهل القرى والبوادي، يصنعون سرير من سعف النخل، يرسلون بعضه إلى بعض، ثم يربطونه بالحبل. قال: تحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، ما بين جلده وبين السرير ثوب، فدخل عليه عمر فبكى، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر؟ قال: أما والله ما أبكي يا رسول الله إلا أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، فهما يعيثان فيما يعيثان فيه من الدنيا، وأنت يا رسول الله بالمكان الذي أرى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فإنه كذلك. والحديث صحيح، وقد ثبت نحوه في صحيح الإمام مسلم من رواية ابن عباس في قصة اعتزال النبي عليه الصلاة والسلام لنسائه ودخول عمر عليه رضي الله تعالى. هذا الحديث يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرمول بشريط، وعرفنا أنه المنسوج من السعف بالحبال، تحت رأسه وسادة من أدم -أدم يعني من جلد- حشوها ليف، ما بين جلده وبين السرير ثوب -ثوب يعني ثوب مفترش على السرير وهو جالس عليه عليه الصلاة والسلام- فلما رأى عمر رضي الله عنه هذا المنظر بكى رضي الله عنه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أما والله ما أبكي يا رسول الله إلا أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر -يعني أعلم أنك أكرم منهم أفضل منهم- ولك منزلة عند الله عز وجل عظيمة، لكن هما مع ما فيهم من الكفر والتكذيب والإعراض، وهما يتمتعان في الدنيا. كسرى وقيصر كانت -يعني في ذلك الوقت- من أعظم الممالك، كسرى لقب لمن ملك الفرس، وقيصر لقب لمن ملك الروم، وكانت تعتبر من أقوى الممالك في ذلك الوقت، وكانوا أهل أموال وغنى. فيقول له: هؤلاء يعني يعيثان في الدنيا يتمتعان بما عندهم من أموال وكنوز، وأنت بهذا المكان وعلى هذا الحال -يعني سرير ماذا؟ منسوج بالسعف، وأسادة من أدم، والبيت خالي ليس فيه شيء- وأنت أكرم على الله سبحانه وتعالى منهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: قلت بلى يا رسول الله، قال: فإنه كذلك. لهم الدنيا يتمتعون بها، لهم الدنيا يتمتعون بها من ما أكل ومشرب وملبس ومركب إلى آخره، ولنا الآخرة -يعني نعوض بما يصيبنا في هذه الدنيا من قلة ذات اليد وقلة التمتع بما فيها من متاع- بما يعوضنا الله عز وجل في الآخرة من نعيم الجنة التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ويحل الإنسان فيها ما حرم عليه في الدنيا من لبس الذهب والفضة وهكذا شرب الخمر -خمر الجنة- وغير ذلك من النعيم الذي فيها. فإذا كان الأمر كذلك، فهذه دنيتهم وهذه آخرتهم، يتمتعون بها كيف شاءوا. قال: أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فإنه كذلك. الشاهد من هذا الحديث هو قول أنس رضي الله عنه: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرمول بشريط، أي النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس على السرير وينام على سرير عليه الصلاة والسلام، هذا وجه الشاهد الذي ذكره رحمه الله في هذا الباب باب الجلوس على السرير. وفيه أيضا ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الزهد في الدنيا وعدم الرغبة فيها، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يملك من الدنيا أكثر مما ملك كسرى وقيصر وغيرهما، لكنه عليه الصلاة والسلام لم يرد الدنيا، بل خير عليه الصلاة والسلام في أول أمره أن يكون نبيا ملكا أو يكون عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا فقيرا عليه الصلاة والسلام، ففضل ما عند الله عز وجل على ما في هذه الدنيا، فكان عليه الصلاة والسلام على هذا الحال. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على