الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن الآية تشير إلى استيئاس أتباع الرسل لا الرسل أنفسهم، مستنداً إلى رواية عائشة وابن عباس. ويبين أن الظن المذكور هو ظن الواقع لا اليقين، مع تأكيد يقين الصحابة بنصر الله.
يناقش المقطع خلاف المفسرين حول المراد بالرسل، موضحاً أن تأخر النصر قد يكون لتمحيص المؤمنين. ويضرب مثال شيخ الإسلام ابن تيمية الذي تحقق نصره بعد وفاته.
يوضح المقطع أن النصر ليس بالضرورة انتصاراً عسكرياً فورياً، بل قد يتحقق بعد موت الداعية كما حدث مع نوح وإبراهيم ومحمد. ويؤكد أن الثبات على الحق وعدم الانحراف يعد نصراً بحد ذاته.
يشير المقطع إلى أن بقاء العبد على الحق والخير يُعتبر انتصاراً وتوفيقاً من الله. وينفي أن النصر مقتصر على هزيمة الأعداء فقط.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: حتى إذا استيأس الرسل». قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، وابن أويس الأويسي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب. قال: وأخبرني عروة بن الزبير. أي: ابن شهاب يقول: وأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها. وعروة هو عروة بن الزبير، من العوام، العبد الصابر المحتسب. وعائشة خالته، وهو ابن أسماء بنت أبي بكر، وبينه وبين عبد الله بن الزبير عشر سنين. قالت: له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: 110]. قال: قلت: أكذب أم كُذب؟ قالت عائشة: كُذب. قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، فما هو بالغين؟ قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنوا أنهم قد كُذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110]. هذا أيضا مثل قول الله جل وعلا في الأحزاب: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأحزاب: 22]. فيظنون بعد النصر، ونصر الله عز وجل قريب. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم كانوا من أهل اليقين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. لما رأوا الأحزاب تحزبوا عليهم، أيقنوا بالنصر. انظر إلى اليقين والإيمان العظيم الذي في قلوب هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم. والظن هنا ليس المراد به اليقين، الظن هنا ليس المراد به اليقين، وإنما ظن الواقع، كما قال بعض أهل العلم: «الظن: ظن الواقع»، تعني: ظنوا أن الأمر تأخر عليهم، تأخر عليهم، فظنوا أنه ليس هناك نصر. لهذا قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. وهذه القراءة المشهورة أنها بالتخفيف، تخفيف الذال: «كُذبوا»، وقرئت أيضا بالتشديد. ولهذا جاء عن ابن عباس أنه لما قرأ هذه الآية، قرأ الآية التي ذكرناها: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، فقال ابن عباس: كانوا بشرا، ضعفوا وأيسوا، وظنوا أنهم قد كُذبوا. فهذا قول ابن عباس، وظاهر الآية. ولكن هل المراد بهم الأتباع أم الرسل؟ فالظاهر أنهم الأتباع. وأخذ بعض أهل العلم من كلام ابن عباس أنهم الرسل، لهذا قال: إنهم بشر ضعفوا وأيسوا، لما رأوا تسلط الأعداء عليهم، حصل منهم الضعف والإياس، وظنوا أن قومهم كذبوهم، أو أنهم ظنوا أنهم قد وعدوا قومهم بشيء لم يقع. ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. وجاء في الآية الأخرى: ﴿قَالُوا مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. قالوا: متى نصر الله؟ إلى متى سيأتي نصر الله؟ فرد الله عز وجل عليهم: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. فقولهم: «متى نصر الله» استبطاء وشكوى بالاستبطاء للنصر، وطلبا له. وهذا مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر، في صحيح مسلم: كان يقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، إنك إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد بعدها أبدا». ويُحتمل الكلام، كما قال بعض أهل العلم، على أنهم بطول البلاء عليهم، وإبطاء النصر، وشدة السَّنَجَاز من عدوهم، والتسلط عليهم، توهموا أن الذي جاءهم من الوحي كان حسبانا من أنفسهم، أنه ليس وعدا، وظنوا أنهم قد غلطوا في تلقي ما ورد عليهم من ذلك. أن هذا يُحمل على إن قلنا إنه أراد الرسل، وإلا فلا يجوز أن يُعتقد أن الرسل تكذب ربها جل وعلا. فهذا الحمل الذي يُحمل على كلام ابن عباس. وإلا كلام عائشة رضي الله عنها واضح على أن المراد هم الأتباع: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، أي: أتباع الرسل ظنوا أن هذا الوعد الذي وعدوهم به الأنبياء ليس صحيحا. طيب، قال: وقال: حدثنا أبو اليمان، هو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة. فقلت: لعلها «كُذب» مخففة؟ قال: ما عدا الله نحوه. والمهم أن هذه الآية تدل على أن النصر لا يأتي إلا بعد شدة، وبعد تمحيص. فقد يكون هذا النصر ليس على معناه في حياة الأنبياء، أو في حياة أتباعهم، قد يكون هذا النصر بعد موتهم، بعد موتهم. فكم من نبي من أنبياء الله عز وجل قُتل، ثم وجد له أتباع، فكان اليهود يقتلون الأنبياء، فبعد ذلك يكون لهم أتباع. كذلك أيضا أهل الصلاح وأتباع الأنبياء، يكون له دعوة قوية يدعو الناس إلى الخير، إلى الحق، لكن تجد في وقته لا يتبعه إلا القليل، ولا يكون معه إلا القليل، فإذا مات عرف الناس حقيقة دعوته. لهذا كم من داعٍ إلى الله، كم من عالم لم تعرف دعوته إلا بعد موته، ومنهم من انتشرت دعوته بعد موته، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، انتشرت دعوته انتشارا عظيما بعد موته، وإلا في وقته كان أكثرهم يعادونه، كان أكثرهم يعادونه، والدولة والجولة كانت لأهل البدع. فلما مات عرف الناس دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ونشرها أصحابه، وخاصة تلميذه البار الإمام ابن القيم رحمه الله، وغيره من أئمة الإسلام، كابن عبد الهادي، وابن كثير، وكذلك الذهبي، وغيرهم من أئمة الإسلام. ولا شك أن أعظم هؤلاء هو الإمام ابن القيم، فقد نشر علم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، وكذلك ابن عبد الهادي. فهذا كما قلنا يدل على أن النصر قد يأتي بعد ذلك، فليس معنى النصر أن الإنسان يهزم أعداءه، فليس هذا النصر. فهذا نوح عليه الصلاة والسلام مات بعد دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ومات، أو أقصد أن الله عز وجل بعد ذلك أرسل على قومه السيل، ونجاة، أو أنه جاءت تلك المياه العظيمة وغطت الأرض، ولم ينجُ إلا من كان مع نوح عليه السلام. وأيضا كذلك قوم هود، قوم صالح، عذبهم الله عز وجل، وأنزل عليهم الهزيمة. لكن بعض الأنبياء لم يعذب الله عز وجل قومه، كنبي الله إبراهيم، فإنه دعا قومه إلى التوحيد، ومات عليه السلام، ثم انتشر بعد ذلك التوحيد عند العرب، انتشر التوحيد عند العرب، فنصره الله عز وجل في دعوته. وهكذا غيرهم من الأنبياء، كنبي الله... كنبي الله محمد عليه الصلاة والسلام، أيضا كذلك لم يعذب الله عز وجل قومه، وإنما نصره الله في مواطن كثيرة، في مواطن كثيرة، ولم يمت عليه الصلاة والسلام حتى دانت له الجزيرة، ثم أكمل أصحابه رضي الله عنهم من فتوحات، ثم أكمل من بعدهم كذلك، وتوسع دين الله جل وعلا، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها. لهذا فليس النصر أن يكون لا بد في الواقع، بل قد يكون بعد موت الشخص. وكذلك أيضا ذكر العلماء أن النصر ليس معناه أنه يكون شيئا هزيمة وكذا، بل الثبات على الحق هو نصر، الثبات على الحق هو نصر. ولهذا الله عز وجل ذكر قصة الرسل الذين أرسلهم إلى بني إسرائيل، إلى قيل أنهم إلى بني إسرائيل، قيل إلى غيرهم، لما أرسلهم، فعزز... فعزز الله عز وجل بثالث، أرسل اثنين ثم عزز بثالث، وقتلوهم جميعا، قتلوا الثلاثة، قتلوا الثلاثة، وأظهر الله عز وجل بعد موتهم دينه، وإلا فهم ماتوا، وليس لم يتبعهم أحد إلا ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة، قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: 20-21]، إلى آخر ما ذكره الله عز وجل. وكذلك أيضا ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس في يوم القيامة، قال: يأتي... قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يأتي النبي ومعه الرجل، الرجلان، والنبي وليس معه أحد، والنبي وليس معه أحد». فهل معنى ذلك أن ذلك النبي لم ينصره الله؟ لا، وإنما هذا نصر له، لأنه كان ثابتا على الحق. فالثبات على الحق هو نصر. ولهذا كان يقول ابن مسعود رضي الله عنه لما سئل عن الفرقة الناجية، كما جاء عن عمرو بن ميمون، فقال: «أنت الطائفة المنصورة، وإن كنت وحدك»، أو: «أنت على الحق، وإن كنت وحدك، وإن كنت وحدك». لماذا؟ لأنك ثابت على الحق. فإذا ثبت العبد على الحق، فهذا نصر له، نصر له من الله جل وعلا، وتوفيق من الله سبحانه وتعالى. لهذا الثبات على الحق نصر، والثبات على خير نصر. لهذا فليس النصر كما يظنه كثير من الناس، أنه لا بد أن يكون هزيمة أو كذا. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام. ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.