كتاب التفسير من صحيح البخاري 13

كتاب التفسير من صحيح البخاري 13

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح باب راودته التي في بيتها: رجال الإسناد ومعاني الألفاظ

يستعرض المقطع شرح الإمام البخاري لحديث يوسف مع امرأة العزيز مبيناً رجال الإسناد المتصلين إلى ابن مسعود ومفسراً معاني ألفاظ مثل هيت لك ومثواه وألفيها. كما يذكر قراءة ابن مسعود بل عجبت ويسخرون وإثبات صفة العجب لله ومكانة الراوي الحميدي ولزومه لسفيان بن عيينة والشافعي.

انتقال الإمام أحمد إلى حلقة الشافعي ومكانة الحميدي

ترك الإمام أحمد حلقة سفيان بن عيينة للجلوس إلى الشافعي معترضاً عليه أقرانه فرد بقوله الشهير عن فوت العقل. ثم التحق الحميدي بالشافعي ولازمه حتى مصر وصار من رواة المذهب القديم ومدحه الشافعي لحفظه تسعة عشر ألف حديث عن سفيان.

تفسير آية الدخان واختلاف الصحابة في تأويلها

يروي المقطع حديثاً بسند متصل إلى ابن مسعود عن دعاء النبي على قريش بسبع سنوات عجاف فأصابتهم مجاعة شديدة رأوا فيها الدخان من شدة الجوع. ويناقش اختلاف الصحابة في تفسير آية الدخان فابن مسعود يراها الدخان الذي رأوه في الدنيا بينما ابن عباس وجماعة يرون أنها من أشراط الساعة.

الدخان كآية من آيات الساعة وعلاماتها المستقبلية

يذكر أن الدخان حدث في أهل مكة وأخبر النبي بأنه سيظهر مجدداً قرب يوم القيامة كإحدى علامات الساعة العشر. ويؤكد المقطع ربط هذه الآية بالآيات الكونية المستقبلية الواردة في حديث علامات الساعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «بابٌ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب، وقالت: هيت لك». وقال عكرمة: «هيت لك» بالحورانية: هلمَّ. وقال ابن جبير: «تعالى». قال: حدثني أحمد بن سعيد، وهو أحمد بن سعيد الدارمي الإمام الحافظ، وليس هو الدارمي المعروف بالمسند أو السنن، هو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وليس أيضاً عثمان بن سعيد صاحب النعمين، وأيضاً مؤلف كتاب النقب على بشر المريسي، فذاك عثمان بن سعيد الدارمي. وهذا أيضاً إمام من أهل دارم، ودارم هي منطقة من مناطق خراسان فيها علماء خيرون. قال: حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمر، وهو الطاهر العبد، قال رحمه الله: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالرجال أو في الرجال في البصرة، كان حافظاً كبيراً، وامتاز رحمه الله بحفظ طوال الأحاديث، وبمعرفة علم الحديث. قال: عن سليمان، وهو الأعمش، سليمان بن مهران. قال: عن شقيق، وهو شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، وهو عبد الله بن مسعود الهذلي، وهو إمام من أئمة المسلمين، وحافظ من حفاظ الصحابة وفقهائهم، وكان يفتي. قال رحمه الله: قال: «هيت لك». قال: وإنما نقرؤها كما علمناها. تعلمون أن هذه الكلمة قد قُرئت بأكثر من قراءة، لكن القراءة المشهورة التي قرأ بها أهل الكوفة: أي هذه «هيت لك»، قرأ بها أكثر الصحابة. قال: وإنما نقرؤها كما علمناها. قوله: «مثواه» أي مقامه. أي مقامه. «وألفيها» أي وجد. «وألفي سيدها بالباب» أي وجد سيدها بالباب. «وجدنا آباءنا على أمة» أي وجدنا آباءنا. قالوا: عن ابن مسعود: «بل عجبت ويسخرون». وهذه بعض الشراح لم يدرِ لماذا أتى بها هنا المؤلف، لأن هذه الآية إنما هي في الصافات، وقرأ ابن مسعود بضم التاء: «بل عجبت ويسخرون»، وهذا فيه إثبات صفة العجب لله. قال رحمه الله: حدثنا الحميدي، وهو عبد الله بن الزبير الحميدي الأسدي المكي القرشي، هو أسدي قرشي، ولهذا قدمه البخاري في أول حديث في حديث النية، قدم الحميدي لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «قدموا قريشاً». فأول حديث في البخاري حديث النية، بدأ به الإمام البخاري برواية الحميدي عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري. والحميدي رحمه الله كما قال الإمام محمد: «الحميدي عندنا إمام». الحميدي عندنا إمام، وقد لازم سفيان عشرين سنة، ثم لزم الشافعي، مع أنه كان يزامل الشافعي، مع أنه زميله. الشافعي روى عن سفيان، والحميدي روى عن سفيان. والحميدي قد رأى الشافعي، لكنه لم يطلب العلم عنده إلا بعد أن أخذه أحمد بن حنبل، رحمهم الله جميعاً. وانظر، وانظر إلى أن العالم قد لا يعرف، أو أن طالب العلم قد لا يعرف استفادته إلا إذا درس وعلم الناس. فالشافعي لما كان في مكة يسمع سفيان بن عيينة، لا يعرفه أحد، لكن لما درس وعلم ونشر كتبه عرفه الناس. بل إن من علماء السنة من ترك حلقة سفيان بن عيينة وجلس عند الشافعي، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله. ولهذا أنكر عليه إسحاق بن راهويه، والحميدي، وغيرهم. أنكر على أحمد، قالوا: تترك سفيان بن عيينة وحديثه، وتترك عالي حديث سفيان، وتجلس عند الشافعي؟ فقال رحمه الله مقالته المشهورة: «لو فاتني حديث سفيان بعلو لا أدركته بنزول، لو فاتني حديث سفيان بعلو لا أدركته بنزول، ولو فاتني عقل هذا الفتى يريد الشافعي لما وجدته». والمراد من كلام الإمام محمد يقول: أنه لو فاتني حديث سفيان المعين بعلو، أي أخذته منه، أي لم أخذه منه، لو وجدت أصحابه أصحابه عندي كالحميدي وغيره عندي سأخذه منه، ولا يهم أنه بعلو أو بنزول لأنه لا ثقات بخفاض. لكن قال: «لو فاتني عقل هذا الفتى لما وجدته». ولهذا جاء الحميدي وجلس في حلقة الشافعي فأعجب به، ولزمه بعد ذلك. حتى لما خرج الإمام الشافعي من العراق ذهب معه الحميدي إلى مصر، ذهب معه الحميدي إلى مصر، وجلس معه فترة، ثم رجع إلى مكة. ويعد الحميدي من رواة المذهب القديم. أنا عند التقسيم يعد الحميدي من رواة المذهب القديم بالشافعي. معلوم أن الإمام الشافعي رحمه الله له مذهب قديم ومذهب جديد. المذهب القديم الذي كان بالعراق، أصحابه الذين كانوا من العراق: أحمد بن حنبل، والحسن الزعفراني، والحميدي، وكذلك أبو ثور، وجماعة من العراق، هؤلاء قالوا: إنه المذهب الأول. والذين سمعوا منه أيضاً بمكة أيضاً كذلك يدخلون في هذا، فقد سمع منه الإمام أحمد بمكة. وأما رواة المذهب الجديد الذي في مصر، فهم الذين نشروا كتبه: كالبويطي، يوسف بن يعقوب البويطي، وكذلك الربيع بن سليمان الجيزي، والمزني، وغيرهم، وابن عبد الحكم، إلا أن عبد الحكم بعد موت الشافعي تحول إلى مذهب مالك، وغيرهم من هؤلاء الذين نقلوا عن الشافعي مذهبه الجديد. فالحميدي كان من أصحاب الشافعي، ومن أصحاب سفيان بن عيينة. كان الشافعي رحمه الله يقول: «ما رأيت صاحب بلغم يحفظ حديث سفيان بن عيينة كالحميدي»، فهو يحفظ تسعة عشر ألف حديث عن سفيان. «أنا صاحب بلغم» أي صاحب كرش، يحفظ هذا الحديث الكثير عن سفيان بن عيينة. قال: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي المكي، معنى نسبة ينسب إلى مكة، وهو أصل كوفي، وهو أصل كوفي، ولد في الكوفة وتربى بها، إلا أنه كان، إلا أن أباه كان يأخذه كل سنة إلى مكة، منذ كان سنه ست سنوات، فكان يأخذه إلى الحج ويجلس معه أربعة أشهر في مكة. ثم لما، لما كان صغيراً وبلغ ست عشرة أو قبلها، كان قد حبب إليه الحديث، فسمع من عمرو بن دينار، وسمع من الزهري، سمع من عمرو بن دينار، وسمع من الزهري. ثم أنه بعد ذلك جلس في مكة، جلس في مكة فترة يدرس، يستمع للحديث ويدرس، ثم رجع إلى الكوفة قليلاً، ثم رجع بعد ذلك إلى مكة، فهو مكي كوفي، وكان إماماً. يقول: يا أخي، ابن معين قال ابن معين، قال: يا أخي، ابن معين، سفيان بن عيينة إمام قبل أربعين سنة، إمام قبل أربعين سنة. وقال: لا يوجد من أساتذنا إلا سفيان بن عيينة، أو قال: من معلمين إلا سفيان بن عيينة. أنا قد مات شعبة، وسفيان الثوري، وغيره، وسفيان بن عيينة صغير السن، لكنه قد أدرك الكبار. سفيان بن عيينة في سنة عبد الرحمن بن مهدي، في سنة ابن معين، لكنه يعتبر شيخه، فهو في طبقة شعبة وسفيان الثوري، وهو أصغر من شعبة بعشرين سنة، لكنه في طبقته لأنه أدرك، أدرك بعض التابعين الذين أدركهم شعبة، فهو في طبقته. قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، وهو ابن صبيح، أبو الضحى الكوفي. قال: عن مسروق، وهو ابن الأجدع الوادعي، مسروق بن الأجدع الوادعي، وادعة همدان، همدان، وهو أيضاً كوفي، يعد من أهل الكوفة، وكان قاضي أهل الكوفة، ويكنى أبا عائشة. قال: عن عبد الله رضي الله عنه، أي ابن مسعود: إن قريشاً لما أبطأوا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالإسلام، قال: «اللهم ادفعهم بسبع كسبع يوسف». فأصابتهم سنة حصت كل شيء، حتى أكلوا العظام، حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها مثل الدخان. قال الله عز وجل: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ وقد مضت الدخان، ومضت البطشة، البطشة الكبرى. فسرها عبد الله بن مسعود بأنها بدر. وهنا في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حتى صابهم الجوع، وأكلوا العظام، ورأوا الدخان. لكن هل مبسوط الدخان هذا الذي في الآية هل هو هذا؟ فعبد الله بن مسعود رضي الله عنه حمله على هذا، وعبد الله بن عباس، وجماعة من الصحابة كانوا يقولون: أنه لم يأتِ بعد، أي هذا الدخان، وإنما يأتي يوم القيامة. ويدل على ذلك حديث أبي سريحة، أو أبي السريحة الغفاري، حديث ابن مسعود في ذكر علامات الساعة العشر، فذكر منها الدخان، فذكر منها الدخان. فقد يكون هذا الذي ذكره بعض الصحابة على أنه يأتي بعد، وهو من علامات يوم القيامة. وفسره عبد الله بن مسعود: هذا الدخان الذي كان يراه بعض أهل مكة: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فقال رحمه الله: ﴿أَفَأَكْشِفُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يعني لما قالوا بعد هذه العذاب، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. يقول رحمه الله: ابن مسعود رضي الله عنه: إذا كان هذا الدخان يوم القيامة، فكيف يكشفه الله عز وجل بعد ذلك؟ أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ فلذا قد يكون هذا الدخان الذي قصده هذا، والدخان الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكون قرب القيامة سيأتي إن شاء الله تعالى. والذي، والدخان الذي مضى هو ما رآه بعض أهل مكة عندما ساد فيهم الجوع، لأن الإنسان إذا جاع واشتد فيه الجوع، تجد أنه يرى كالدخان، الرؤية تذهب عليه، وقد يذهب عليه البصر كله. فلذا قال مسعود هنا: قال: حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها مثل الدخان. فهذا لشدة الجوع يرى الإنسان هذا الدخان. والمهم أن الدخان هذا حصل في أهل مكة، وكذلك أيضاً أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيأتي، أنه سيأتي إلى قرب يوم القيامة، فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر، والله أعلم. شكراً.