الدرس في شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 7، ألقاها
يناقش الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رأي المرجئة ويرد عليهم بأن الإيمان ليس مجرد قول بل يشمل العمل، ويعتبر القول عملا للسان. يُظهر تناقض اعتبار القول دون العمل.
يشرح المقطع مفهوم العمل في الإسلام، حيث يشمل أعمال القلوب مثل التصديق والتوكل، وأعمال اللسان مثل النطق بالشهادتين والدعوة إلى الله. يُظهر أن كلا النوعين من الأعمال يُعتبر عملاً صالحاً أو طالحاً.
يناقش المقطع تفسير الشكر والعمل في القرآن، ويستدل بالآيات القرآنية على أن الكلام يمكن اعتباره عملا، ويرد على من يدعي أن المتكلم بالإيمان مستكمل له. يُستشهد بقصة إبليس لتوضيح ذلك.
من ينكر كفر إبليس يكون مكذبا للقرآن الكريم، حيث ورد في القرآن أن إبليس كافر ولعين ومطرود من رحمة الله. يُظهر أن إنكار كفر إبليس يعتبر مخالفة للقرآن.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: قال، وزعم من خالفنا أن القول دون العمل، فهذا عندنا متناقض؛ لأنه إذا جعله قولا فقد أقر أنه عمل، وهو لا يدري، وهو لا يدري بما أعلمتك من العلة الموهومة عند العرب في تسمية أفعال الجوارح عملا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: وزعم من خالفنا، أي من المرجئة ممن لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان. قال: وزعم من خالفنا أن القول دون العمل، أي أن القول ليس من العمل، وأن المعتبر في الإيمان مجرد القول مع إقرار القلب، أي أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن يقر بقلبه، وأن الأعمال ليست داخلة في الإيمان بوجه. فالإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى يقول: فهذا عندنا متناقض، لماذا هو متناقض؟ يقول رحمه الله: لأنه إذا جعله قولا فقد أقر أنه عمل، واضح؛ إذا جعل الإيمان قولا فقد جعله عملا، كيف هذا؟ قال: فقد أقر أنه عمل، وهو لا يدري، وهو لا يدري بما أعلمتك من العلة الموهومة عند العرب في تسمية أفعال الجوارح عملا. العرب يسمون أفعال الجوارح عملا، ومن الجوارح اللسان، وسيأتي بيان ذلك من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: وتصديقهم في تأويل الكتاب في عمل القلب واللسان، قول الله في القلب: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال رحمه الله: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب»، كما جاء في الصحيح من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. قال رحمه الله: وإذا كان القلب مطمئنا مرة، ومصغيا أخرى، ويصغى أخرى، كما في الآية الأخرى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، ويصغى أخرى، ويوجل ثالثة، كما في آية ثالثة: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، كما يكون منه الصلاح والفساد، فأي عمل أكثر من هذا؟ قال رحمه الله: ثم بين ما ذكرناه، قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، فهذا ما في عمل القلب، وأما عمل اللسان، فقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾، فذكر القول ثم سماه عملا. قال رحمه الله: ثم قال: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾، هل كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم إلا دعاؤهم إياهم إلى الله وردهم عليه بالتكذيب؟ وقد أسمى هاهنا عملا، أي سمى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأن يقولوا: لا إله إلا الله، وسمى تكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أصله أو كان مصدره باللسان، إذ قالوا فيه: كذاب. قال رحمه الله: وقال في موضع ثالث: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ إِلَى قَوْلِهِ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾، فهل يكون التصديق إلا بالقول؟ إنسان يدعو إنسانا يقول له: آمنت بالله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يكون التصديق بالقول، والتكذيب يكون كذلك بالقول. قال رحمه الله: ومع هذا سمى الله جل وعلا ذلك عملا: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾، فسمى الإقرار باللسان عملا، كما سمى الإقرار بالقلب عملا. قال رحمه الله: ثم قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾، فأكثر ما يعرف الناس من الشكر أنه الحمد والثناء باللسان، وإن كانت المكافأة قد تدعى شكرا. قال رحمه الله: فكل هذا الذي تأولنا إنما هو على ظاهر القرآن، وما وجدنا أهل العلم يتأولونه، أي فكل هذا الذي ذكرناه وبيناه، التأويل ها هنا عند السلف مرده إلى التبيين والتوضيح والتجلية. قال رحمه الله: فكل هذا الذي تأولنا إنما هو على ظاهر القرآن، وما وجدنا أهل العلم يتأولونه، والله أعلم بما أراد، إلا أن هذا هو المستفيض في كلام العرب غير المدفوع، فتسميتهم الكلام عملا من ذلك أن يقال: لقد عمل فلان اليوم عملا كثيرا، إذا نطق بحق وأقام الشهادة ونحو هذا. قال رحمه الله: وقد يلزم أهل هذا الرأي ممن يدعي أن المتكلم بالإيمان مستكمل له من التبعة ما هو أشد مما ذكرنا، أي أن قوله باطل، ومن معرفة بطلان القول أن يعرف لوازم ذلك القول الباطلة. قال رحمه الله: وذلك فيما قص علينا من نبأ إبليس في السجود لآدم، فإنه قال: لولا إبليس استكبر وكان من الكافرين، فجعله الله بالاستكبار كافرا، وهو مقر به غير جاحد له، أي مقر بالله تبارك وتعالى. قال رحمه الله: فجعله الله بالاستكبار كافرا، وهو مقر به غير جاحد له، ألا تسمع: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾؟ فهذا الآن مقر بأن الله ربه، وأثبت القدر أيضا في قوله: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾. قال رحمه الله: وينبغي في هذا القول أن يكون إبليس قد عاد إلى الإيمان بعد الكفر، لقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، أي لو سلمنا أنه كان كافرا قبل الأمر بالسجود للزم على قولكم أن إبليس يدخل بالإيمان. قال رحمه الله: وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، فهل يجوز لمن يعرف الله وكتابه وما جاء من عنده أن يثبت الإيمان لإبليس اليوم؟ من قال كذا فقد كفر؛ لأنه يكون مكذبا للكتاب الكريم الذي قال الله عز وجل فيه: إن إبليس كافر، وأنه لعين، وأنه مطرود من رحمة الله تبارك وتعالى. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.