الدرس في شرح الباعث الحثيث 57، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يناقش هذا المحور ثلاث مسائل منهجية في رواية الحديث: حكم الرواية من نسخة غير مقابلة على أصل الشيخ، وترجيح الحفظ على الكتاب عند التعارض، وجواز الاعتماد على طبقة السماع المكتوبة بخط الراوي أو من يثق به مع نسيان الحضور. يستعرض أقوال الأئمة في كل مسألة ويرجح الراجح منها.
يتناول المحور جواز رواية الحديث بالمعنى للعالم الضابط ويمنعها عن غيره، مع استعراض خلاف العلماء. كما يبحث في جواز اختصار الحديث إذا لم يخل بالمعنى، مقارناً بين منهج البخاري في الاختصار والإيراد بالشاهد ومنهج مسلم في سياقة الحديث بتمامه مع ترجيح كل فريق لطريقته.
يبيّن المحور أحكام حذف بعض ألفاظ الخبر موضحاً جوازه إلا في الغاية والاستثناء والشرط ونحوها حيث يفسد المعنى، ويسرد سلف الأمة كمالك وشعبة في الورع عن الزيادة المشكوك فيها. ويؤكد وجوب تعلم طالب الحديث لعلم النحو لئلا يلحن، وأن علاج التصحيف يكون بالتلقي من أفواه المشايخ الضابطين.
يختتم المتحدث الدرس مشيراً إلى أهمية التصحيف وضيق الوقت، معتذراً عن عدم الإطالة مراعاة لوقت عشاء الحضور. ويختتم بالدعاء بالفقه في الدين والغفران للمشايخ، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أنا أضعت الوقف، أظنه لو وجد طبقة فيها سماعه. نعم، جزاك الله خيرًا. قال الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي القرشي رحمه الله تعالى، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة رحمه الله تعالى: فرع آخر، هذه طريقة العلماء في التصنيف، يذكرون الأصل ثم يتبعون بما تيسر من المساعد. إذا روى كتابا كالبخاري مثلا عن شيخ، ثم وجد نسخة بها ليست مقابلة على أصل شيخه، أو لم يجد أصل سماعه فيها عليه -أي في النسخة- لكن تسكن نفسه إلى صحتها، فحكى الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية بذلك. قلنا: هذا فيما سبق قرأناه الظهر. قلنا: هذا هو المعتمد، لأنه لا تجوز الرواية بالظنة، ومع الشك وعدم اليقين فقد يكون هذا وهما وغلطا، وقد تشتبه الخطوط، وقد يكون هو غير ضابط للوقائع فيكون واهما في ظنه أنه حضر هذا السماع. ولهذا وجدت من المشايخ المسندين من إذا شكوا أسقطوا الرواية، بعض المشايخ بمجرد أن يتردد يحذف الرواية، يقول: قد أكون حضرت، قد أكون لم أحضر، فيدخل في الشك. ومن هذا ما جرى ذكره في كتاب الكوكب المعتلي في ترجمة شيخنا الشيخ علي بن يحيى البهكة -ليحفظه الله ومد في عمره- فإنه شك في روايته وسماعه لصحيح مسلم على الشيخ محمد بن أحمد السالم رحمه الله، وراجعته مرارا فكان يتردد، مع أن المسجد الذي كان يقرأ فيه صحيح مسلم كان يقرأ فيه صحيح مسلم على طريقه، مرة يقول: دخلت، ومرة يقول: لا أذكر، ثم أمرني بحذف هذه الرواية، فما ذكرتها في الثبت من أصله. هذه طريقة أهل العلم، ما كان فيه شك أو تردد يحذر، لأن الأصل في الرواية لا بد أن يكون فيها الجزم. يقول رحمه الله: فحكى الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية بذلك، ومنهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ الفقيه، وحكي عن أيوب ومحمد بن بكر البرساني أنهما رخصا في ذلك. يقول ابن كثير: قلت: وإلى هذا أجنح والله أعلم. يقول الشيخ أحمد شاكر: وهو الصواب، لأن العبرة في الرواية بالثقة واطمئنان النفس إلى صحة ما يروى. هذا فيه نظر والله أعلم. قال: وقد توسط الشيخ تقي الدين بن الصلاح فقال: إن كانت له من شيخه إجازة جازت روايته والحالة هذه، أي روايته بالإجازة. ومذهب أهل الحديث المتقدم أضبط وأولى. قال: فرع آخر، إذا اختلف الحافظ وكتابه، فإن كان اعتماده في حفظه على كتابه فليرجع له، وإن كان من غيره فليرجع إلى حفظه، وحسن أن ينبه على ما في الكتاب مع ذلك، كما روي عن شعبة، وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ فلينبه على ذلك عند روايته، كما فعل سفيان الثوري، والله أعلم. لا أذكر الآن تفاصيل ما جرى في هذه القصة من سفيان الثوري وشعبة، لكن مضمون الكلام أنه تعارض حفظهم وكتابهم، فذكروا حفظهم ثم قالوا: وفي نسختنا كذا وكذا، منبهين على أن ما في النسخة هو كذا وكذا، من باب الضبط والأمانة. قال: فرع آخر، لو وجد طبقة سماعه في كتاب إما بخطه أو خط من يثق به، ولم يتذكر سماعه ذلك، فقد حكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية، والجادة من مذهب الشافعي وبه يقول محمد بن الحسن وأبو يوسف الجواز، اعتمادا على ما غلب على ظنه، وكما أنه لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث أو ضبطه، كذلك لا يشترط تذكره لأصل سماعه. الراجح في هذه المسألة، وهو مذهب أكثر أهل الحديث، وهو الذي عليه الاعتماد، أنه طالما وجد بخطه ما يدل على سماعه لذلك الكتاب، أو بخط من يثق به من الناس الذين حضروا لذلك المجلس، فيجوز له أن يعتمد ما وجد بخطه، ونسيانه للحضور كنسيانه للحديث، والأمر في ذلك لا يضر إن شاء الله تعالى، فله أن يحدث بذلك الكتاب. له أن يحدث بذلك الكتاب، ولو نبه فقال: وجدت في كتاب كذا سماعي له على فلان وقراءتي له عليه، كان أولى في الإيضاح والبيان، وإن لم يذكر فلا شيء عليه. قال: فرع آخر، وأما روايته الحديث بالمعنى، فهذه المسألة من المسائل المهمة، فإن رواية الحديث بالمعنى جرت من الصحابة رضي الله عنهم فمن دونهم في أحاديث كثيرة، وجرى فيها أيضا رواية باللفظ في أحاديث أخرى كثيرة، فما حكم الرواية بالمعنى؟ يقول رحمه الله: فإن كان الراوي غير عالم ولا عارف بما يحيل المعنى، فلا خلاف أنه لا تجوز له روايته الحديث بهذه الصفة، لا خلاف أن مثل هذا يغلط، فربما انقلب عليه الفهم لقلة علمه فيخطئ خطأ عظيما. وأما إن كان عالما بذلك بصيرا بالألفاظ ومدلولاتها، وبالمترادف من الألفاظ ونحو ذلك، فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفا وخلفا، وعليه العمل، أي جواز الرواية بالمعنى لمن كان ضابطا بصيرا بالألفاظ والمدلولات، عالما بما يحيل المعنى ويفسده، فهو يعبر عن جاء بحضر، ويعلم أن حضر في معنى جاء وأتى ونحو ذلك، فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفا وخلفا، وعليه العمل، كما هو المشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها، فإن الواقعة تكون واحدة وتجيء بألفاظ متعددة من وجوه مختلفة متباينة مختلفة الألفاظ لكنها متحدة المعنى والقصد. ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الأحاديث، منع من الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وشددوا في ذلك آكد التشديد، وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع، ولكن لم يتفق، ولكن لم يتفق ذلك والله أعلم. بالنسبة لتعدد ألفاظ الأحاديث له احتمالان: إما أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدث بذلك الحديث غير مرة، فحفظ كل ما سمع، فهذا نقل للفظ، وإما أن يكون الراوي سمع الحديث ثم رواه بالمعنى، وكانوا أحفظ الناس، وروايتهم بالمعنى لا تضر لشدة ضبطهم وإتقانهم. قال رحمه الله: وقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأناس رضي الله عنهم يقولون إذا رووا الحديث: إذا رووا الحديث، أو نحو هذا، أو شبهه، أو قريبا منه، أو بمعنى، كذلك بمعنى، بنحوه، بقريب منه، الحاصل أن الدلالة على المعنى والتصرف فيه مما ينبغي فعله. ولهذا إذا خطب الخطيب فينبغي أن يقول: إذا كان لا يضبط، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، أو بمعنى، أو بشبه معناه، أو بقريب من معناه، أو بمعناه التام، أو نحو ذلك. قال: فرع آخر، وهل يجوز اختصار الحديث فيحذف بعضه إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمذكور على قوله؟ هذه مسألة جديدة، وهي اختلاف بعض الأحاديث طولا وقصرا، فتجد بعض الرواة يختصر لأن المناسب في الحديث كذا. قرأنا حديثا أو ذكرنا في الدرس الماضي حديث صفوان بن عسال، يمكن أن يختصر القصة بآخره، يعني من غائط أو بول أو نوم، لكن من جنابة ممكن أن يختصر وممكن أن يذكر بطوله. يقول رحمه الله: إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمذكور على قوله، فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري صنيعه، أي عمله في كتابه الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري اختصار الأحاديث في كثير من الأماكن. وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه ولا يقطعه، ولهذا رجحه كثير من الحفاظ من حفاظ المغارب. تقدم الكلام في مبحث الصحيح على تفضيل البخاري على مسلم من جهة الصحة، واشتراطه السماعة ولو مرة بين المتعاصرين الراويين الذين أمكن تلاقيهم، وذكرنا أبياتا لبعض علماء اليمن، وهو قوله: تشاجر قوم في البخاري ومسلم ***** الذي وقالوا أيذين تقدموا فقلت لقد فاق البخاري صحة ***** كما فاق في حسن الصناعة مسلم مسلم يسوق الأحاديث بطرقها ***** في موضع واحد والبخاري يقطع الحديث يضع في كل باب موضع الشاهد منه ***** وكل الصنيعين محمود غير أنك إذا أردت الحديث تاما ***** تتعب في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم تجده في موضع واحد ***** قد ساقه بألفاظه قال رحمه الله تعالى: وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه ولا يقطعه، ولهذا رجحه كثير من حفاظ المغاربة، عناية المغاربة بصحيح مسلم كثير وكبير منذ زمن الحفاظ المتقدمين، وحتى فضلوه على صحيح البخاري، كما ينقل عن أبي علي رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: واستروح إلى شرحه آخرون لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه. وعلى هذا وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديما وحديثا، أي جواز الاختصار ما لم يكن الاختصار مخلا. فقد رأيت بعض الأحاديث في كتاب العلل لابن أبي حاتم، أعلها الإمام أبو حاتم، ولا علة لها إلا سوء الاختصار والتصرف، فأعلها أبو حاتم بسوء الاختصار، وهذا يدل على أنه ليس من كل أحد يقبل تقطيع الحديث، ليس من كل أحد يقبل اختصار الحديث، وإنما يقبل ممن لا يفسد الحديث ولا يضعف الحديث ولا يلبس الحديث على السامع فيفهم فهما مغلوطا، ولهذا صار من العلل الخفية رد بعض الأحاديث، لا علة في إسنادها إلا أنها حصل خلل في اختصارها، والله أعلم. قال ابن الحاجب: مسألة حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر إلا في الغاية والاستثناء ونحوه. أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها، فهذا سائغ. المراد بالغاية أي قوله: إلى كذا، والاستثناء: قوله: إلا كذا، غير كذا، حتى كذا، حاشا كذا، مما يكون فيه الكلام مركبا من مستثنى ومستثنى منه، من مغيا وغايا، فالفصل هاهنا خطأ قبيح، الفصل هاهنا خطأ قبيح، لا شك أنه خطأ قبيح يفسد المعنى. أدخل الناس إلا الفاسقين، حذف كلمة إلا الفاسقين، ماذا تكون النتيجة؟ إدخال جميع الناس، وهذا خلاف مقصود المتكلم. أدخل الناس إلى أن يصلوا إلى مئة شخص، فحذف كلمة: إلى أن يصلوا إلى مئة شخص، ماذا تكون النتيجة؟ فساد فيما أراده المتكلم. قال رحمه الله: حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر إلا في الغاية والاستثناء ونحوها، ونحوه مثل الشرط والقيت والخاص والعام ونحو ذلك، والمجمل والمبين، كل ما يكون فيه ترابط بين جملتين لا يجوز انفكاكهما. أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها لم يضبطها، فهذا السائر. كان مالك يفعل ذلك كثيرا، تجد الإمام مالك ترك بعض الزيادات لأنه شك فيها، فأتى باليقين وترك غيره. بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله، فيقول مثلا: بلغني عن ابن عمر، بلغني عن ابن عمر، أو بلغني عن نافع، لأنه شك في الإسناد، ما الحدث أو نحو ذلك. بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله. وقال مجاهد: نقص. وقال مجاهد: أنقص الحديث ولا تزد فيه. وكان شعبة كذلك شكاكا، قيل في شعبة وجماعة وبعض المحدثين يقال فيهم: الشكاكون، لأنهم إذا شكوا في المرفوع جعلوه موقوفا، وإذا شكوا في الإسناد قطعوه، وإذا شكوا في لفظة حذفوه، فهذا يسمى شكا، وجد في شعبة بن الحجاج، وفي مسعر بن كدام، وفي مالك وأضرابهم من الأئمة، كانوا إذا شكوا أو خفوا. قال: فرع آخر، ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفا بالعربية. قال الأصمعي: أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه. وهذا كلام عظيم، فينبغي لطالب العلم أن يعتني بعلم النحو ليستقيم لسانه. وهل ذلك واجب أو مستحب؟ هل ذلك واجب أو مستحب؟ الراجح أنه واجب، الراجح أنه واجب على طالب العلم أن يتعلم، أن يتعلم علم النحو، الراجح أنه واجب على طالب العلم أن يتعلم علم النحو. وبهذا كان يفتي شيخنا العلامة الزاهد أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى. ورأيت في كلام ابن قيم ما يشير إلى هذا المذهب، وهو أيضا موجود في كلام أبي محمد الجويني رحمه الله وغفر له، وهذا هو الراجح إن شاء الله تعالى. فينبغي لطالب العلم أن يعتني بعلم العربية، هكذا يسمونه، أو بعلم النحو، هكذا يسميه المتأخرون، يعتني به ويدرسه ويتأمله ويحفظ شيئا من متونه، فهذا مما ينبغي أن يقول، ولعل الله يسر في دورات قادمة ومجالس قادمة قراءة شيء من كتبه في ذلك. وينبغي لطالب العلم أن يعتني بهذا العلم، لأنه إذا لحن فقد حرف كلام رسول الله. قال: وأما التصحيف فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين، والله الموفق. التصحيف ما يكون في الصحف من الغلط، وفي الكتب من الخطأ، وهذا لا يكون له حل إلا في شيء واحد، وهو القراءة على المشايخ. ولهذا ولهذا يقال لمن قرأ القرآن بنفسه: صحفي ومصحفي، ويقال لمن قرأ القرآن على شيخ قارئ، فهذا الفرق بين القارئ وبين المصحفي. والتصحيف شأنه عظيم، والوقت يداهمنا، كنا نود أن نقرأ فنكمل، ولا نريد أن نؤخر الإخوان عن عشائهم، فأسأل الله جل جلاله أن يفقهنا في دينه، ويعيننا على رضاه، ويغفر لنا ولجميع مشايخنا، وأن يعيننا على هذا الخير، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.