شرح الباعث الحثيث 56

الدرس في شرح الباعث الحثيث 56، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حكم كتابة الحديث وأهمية ضبطه

يتناول المحور تطور حكم كتابة الحديث من النهي الأولي خشية الاختلاط بالقرآن إلى الإذن والإجماع على جوازه ووجوبه لحفظ السنة. ويبين أهمية الضبط الدقيق بالنقط والشكل والإعراب لتجنب التصحيف والخطأ مع ضرب أمثلة على عواقب الإهمال.

آداب الكتابة وضوابط الضبط عند المحدثين

يستعرض المحور آداب المحدثين في الكتابة ككراهة التدقيق بالخط الصغير واستعمال غير الحبر الأسود، وأهمية الوضوح والفصل بين الأحاديث بدوائر الضبط. كما يؤكد على آداب ذكر الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كتابة تامة ومقابلة النسخ بالأصول المعتمدة.

ضوابط المقابلة والرواية من النسخ والمشايخ

يبيّن المحور كيفية مقابلة النسخ بالأصول المعتمدة سواء بالذات أو بغيره الضابط، ويناقش شروط الرواية بين اشتراط الحفظ والاكتفاء بسماع ثابت. ويفصل حكم السماع على الضرير والأمي وضوابط الرواية من نسخة مجهولة الخط إذا سكنت النفس إلى صحتها.

فضل السماع على الإجازة وختام المجلس

يؤكد المحور أن السماع أعلى مرتبة من الإجازة في تلقي العلم وأوثق في النقل والأداء. ويختتم الشيخ الدرس داعياً للاستفسار عما لم يتضح مختتماً بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول الحافظ العماد أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة: النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه وتقييده. لا زلنا في هذه الأبواب التي لا يستغني طالب علم عن قراءتها وفهمها. يقول: كتابة الحديث، أي: ما حكم كتابته؟ سيأتي الكلام عليه، وضبطه وتقييده. قال: قد ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد مرفوعاً: «من كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحوه». وهذا كان في أول الأمر، خشية أن يختلط بالقرآن، هكذا قال أهل العلم. هذا كان في أول الأمر: «من كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحوه». رجع عنه مسلم في صحيحه. هذا كان في أول الأمر، ثم جاء الإذن كما سيأتي. قال ابن الصلاح: وممن روينا عنه كراهة ذلك... روينا عنه، هكذا ينبغي أن يقرأ: «روينا عنه». في بعض النسخ يقول: «روينا»، والظاهر أنها لا معنى لها، وإنما يقول المحدثون: «روينا» بالتخفيف، فروينا الظاهر لا وجه له. قال ابن الصلاح: وممن روينا عنه كراهة ذلك: عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد، في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين. قالوا: وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله: علي، وابنه الحسن، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، في جمع من الصحابة والتابعين. قال الحافظ ابن كثير: قلت: وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اكتبوا لأبي شاه». وهذا نص في الكتابة للحاجة لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه». وقد تحرر هذا الفصل في أوائل كتابنا «المقدمات»، ولله الحمد. كتاب «المقدمات» يقال إنه مفقود، والله أعلم. قال البيهقي وابن الصلاح وغير واحد: لعل النهي عن ذلك كان حين يخاف التباسه بالقرآن، والإذن فيه حين أمن ذلك، والله أعلم. وقد حكي إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث، وهذا أمر مستفيض شائع ذائع من غير نكير. الذي استقر عليه العمل هو هذا: كتابة الحديث وضبطه والتحري فيه. كان عبد الله بن عمر يكتب، وكان غيره من الصحابة يكتب، رضي الله عنهم أجمعين. فكتابة الحديث موافقة لأصل الشرع في ضبط العلم وحفظه، فإن آفة النسيان لا يسلم منها إنسان. وضبط الكتاب أقوى من ضبط الصدر في مثل هذا الموضع، فكان من حفظ القرآن والسنة التدوين والكتابة. قال ابن كثير: فإذا تقرر هذا، فينبغي لكاتب الحديث أو غيره من العلوم... من العلوم المتعلقة بالكتاب والسنة... نحتاج أن نقيد هذا؛ لأننا في زمان إذا أطلق فيه لفظ «العلوم» توهم متوهم العلوم الدنيوية الحادثة، مثل الفيزياء، ومثل الصيدلة، ومثل الكيمياء، ومثل كذا، والهندسة ونحوه. والسلف إذا أطلقوا العلوم فإنهم لا يريدون بها إلا العلوم الشرعية، وهي علوم الكتاب والسنة. قال رحمه الله: فإذا تقرر هذا، فينبغي لكاتب الحديث أو غيره من العلوم أن يضبط ما يشكل منه، أو قد يشكل على بعض الطلبة، في أصل الكتاب: نقطاً وشكلاً وإعراباً. النقط: وضع النقط. والشكل: وضع الحركات: فتحة، كسرة، ضمة. وإعراباً: كان يكتب «مفعولاً به»، أو يكتب بالنصب: «مالكاً» ويمد الألف ويجعل التنوين، حتى يعلم أنه مفعول به في الموضع. سمعت «مالكاً»... قد يشكل من عجائب ما رأيت في هذا ما جاء في ترجمة الإمام موسى بن فلان، نسيت اسمه الآن. ما جاء في ترجمة... في لطيفة في الضبط عند المحدثين. ذكر هذا العالم حديث أبي الحوراء عن علي في قيام الليل. الإمام عبد الله بن... بن موسى رحمه الله ذكر حديث أبي الحوراء عن علي في قيام الليل، قال: فكتبت تحته: «حور عين». كتب تحت «أبي الحوراء»: «حور عين». إيش معنى «حور عين»؟ قال: فكتبت «حور عين». إيش معنى «حور عين» عندك؟ تطوع، تطوع عن أجل، تطوع، فضل. طيب. عادت الناس أن الكتب يحصل فيها يعني نوع من أنواع القدم بعد مدة، فربما جاءت الذبابة وجاءت عند حرف الحاء، صلحت نقطة سودة تحتها، فصارت «أبي الجوزاء» عن علي. فيأتي آتٍ ويقول: وهذا حديث لا يثبت، أو هو نفسه يشك بعد فترة، كبر سنه وشاخ، ينظر في الكتاب، يقول: الكتاب قديم، له أكثر من خمسين سنة. «أبي الجوزاء»، «أبي الحوراء»، «أبي الجوزاء»، «أبي الحوراء». فكتب تحت الحاء: «حور عين»، حتى إذا نظر «حور عين» تذكر أن هذه حاء وليست بالجيم. تذكر أن هذه حاء وليست بالجيم. هذا نوع من أنواع الضبط، نوع من أنواع الضبط، حتى لا يختلط عليه شيء من الإسناد. وهذه المشكلة يعني تحصل، يحتاجها المحدثون حتى لا يحصل البلاء. كتب أحد الأولياء: «لقد كثر عندنا المخنثون». هذا مذكور في كتاب التصحيفات. قد ذُكر عندنا المخنثون، فوصلت إلى الخليفة، فقال: «احصهم». ماذا قال الخليفة؟ «احصهم»: المخنثون الذين يتشبهون بالنساء. فجاءت الذبابة وصلحت نقطة فوق الحاء، فجمع جمع الجماعة كاملاً، خصاهم كلهم. إيش سويت؟ كان كتابك موجود: «اخصهم». قال: أقول لك: «احصهم»، يعني: شوف أعدادهم، شوف كم منهم، تروح... فيحصل مثل هذا، تحصل منه أمور. فهم يخافون. قال ابن كثير: فإذا تقرر هذا، فينبغي لكاتب الحديث أو غيره من العلوم أن يضبط ما يشكل منه، أو ما قد يشكل على بعض الطلبة، في أصل الكتاب: نقطة وشكلا وإعرابا، على ما هو المصطلح عليه بين الناس: بالحاء المهملة. ما معنى «بالحاء المهملة»؟ يعني: بدون النقاط. بالباء الموحدة: يعني التي تحتها نقطة. والياء المثناة: يعني اللي تحتها إيش؟ نقطة تانية، هاكي: ياء مثناة. باء موحدة. راء مهملة. مقابل: أزاي مهملة، موحدة، ونحو ذلك. والمعجمة: ما يكون فيه النقطة. بالزاي المعجمة: ما معنى «بالزاي المعجمة»؟ يعني: التي فوقها النقطة. قال: «بالراء المهملة»، معناها: أنها ليست بزاي. قال: على ما هو المصطلح عليه بين الناس. ولو قيد في الحاشية لكان أحسن. هذا من باب التفنن. قال: وينبغي توضيحه، ويكره التدقيق والتعليق في الكتاب لغير عذر. هذه طريقة المحدثين: لا يعلقون في أصل الكتاب، يشطب، يعلق، يكتب... لا، اكتب في الهوامش، اكتب في الهوامش. حتى لو وجدت خطأ في الكتاب، صوب أين؟ في الهوامش. لأنه قد يكون فهمك خطأ، أو يكون التصحيف ورد عن من سبق. أبقه كما هو، وصوب أين؟ في الهوامش. قال: وينبغي توضيحه، ويكره التدقيق والتعليق في الكتاب لغير عذر، إلا لعذر. قال الإمام أحمد لابن عمه حنبل، وقد رآه يكتب دقيقاً: التدقيق معناه الكتاب بخط صغير، هذا معنى التدقيق: الكتاب بخط صغير. الأفضل أن تكتب بخط واضح، خط كبير. لكن يقال: إن مثل هذا يجوز للحاجة أحياناً، يجوز للحاجة أحياناً. فالإمام المحدث صالح جزرة كان صاحب دعابة، فكان يأتي إلى الأعمش أو غيره، وكان في الأعمش عسر، فيقول له: يا إمام، اقرأ عليك هذه الورقة، اقرأ عليك هذه الورقة. فيقول: ورقة؟ قال: نعم. قال: اقرأ ورقة. يعني يطلع كما حديث فيها مثلاً، يطلع من الوجه الأول أربعة حديث، والوجه الثاني ثمانية حديث، يقرأ عليه خمسين حديث، يتعب الأعمش، يقول: إيش من ورقة هذه؟ هذه خريطة! بما هي ورقة؟ والسبب: صالح جزرة يروح البيت ويكتب بخط دقيق، يعب الصفحة الأولى ما شاء الله، يعني خمسة وعشرين حديثاً، والصفحة الثانية خمسة وعشرين حديثاً. ولا الأعمش عسر، لو قال له: أريد أقرأ عليك خمسة وعشرين، يقول له: مشي، مشي، لا لا، ما عندي وقت لك. كل ورقة، كل سهل، ثمانية حديث، عشرة، تقرأها، وإذا بها تطلع خمسين حديثاً أو أكثر، فيتعجب. شاهد هذا لحاجة، هذا لحاجة. لماذا يكره المحدثون التدقيق؟ سبحان الله، المحدثون يضبطون لطالب العلم كل شيء، حتى القلم. يقول المحدثون: لعله سيأتي معنا، يكره الكتابة بقلم بغير اللون الأسود. محدثون، محدثون عندهم هذا مكروه: كتابة بالأزرق، بالأحمر، يكرهونها. لماذا؟ يقولون: الأسود أثبت وأوضح في الرؤية، ويبقى أكثر. ماذا رأيكم؟ هذا نظرتهم. فالشاهد أنهم يضبطون لطالب العلم ما يدق من الأمور. قال: قال الإمام أحمد بن حنبل لابن عمه حنبل، حنبل بن إسحاق، وقد رآه يكتب دقيقاً: «لا تفعل، فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه». يعني: إذا كبر سنك تتعب. وبعض الناس خطه يقرمطه قرمطة، فيقولون: لا نستطيع قراءة خطه. ابن تيمية رحمه الله كان يكتب بسرعة، «الواسطية» كتبها ما بين ظهر وعصر، والناس تجرس أسبوعاً يكتب بخط ابن تيمية. كان لا يفهم خط ابن تيمية كثيرون، لكن يسر الله بابن رشيق، فكان خبيراً بخط ابن تيمية، يقرأ بكل وضوح، يفهم كيف يكتب الواو، وكيف يكتب الألف، وكيف يكتب النون، وكيف يكتب الباء. بمجرد ما يقرأ، فقال ابن القيم: كنا نستعين به، نستعينون بابن رشيق، بعبد الله بن رشيق، كان أعلم الناس بخطه. الشاهد أن العالم يكون خطه واضحاً. يقال: ابن الصلاح: وينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة. وممن بلغنا عنه ذلك: أبو الزناد، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم الحربي، وابن جرير الطبري. سبحان الله، هذا موجود إلى اليوم في المخطوطات: بعد كل فقرة أو حديث يكتبون دائرة. فإذا راجعوا النص: إما أن يكتب عليها خطاً، أو يجعل فيها نقطة. إذا رأيت في المخطوطة دائرة صافية، معناها: الكتاب لم يقابل. وإذا رأيت مخطوطة عليها دائرة، والدائرة فيها شخ أو شخطين، أو نقطة، أو فيها نقطتان، فهذا معناها: أن الكتاب قد قوبل، كم مرة؟ مرة أو مرتين. عورد. هذه طريقة المحدثين، رحمهم الله. قال: قلت: رأيته في خط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، هكذا قال ابن كثير. قال الخطيب البغدادي: وينبغي أن يترك الدائرة غفلاً، فإذا قابلها نقط فيها نقطة. هذا هو العمل. قال ابن الصلاح: ويكره أن يكتب: «عبد الله بن فلان»، فيجعل «عبد» في آخر السطر، والجلالة في أول السطر، بل يكتبها في سطر واحد. هذا موجود الآن: تجد بعض الناس الآن يكتب «قال» إلى أن ما يجد آخر السطر إلا ثلاثة حروف، يكتب: عاء، العاء، ثم الباء، ثم الدال، يبدأ أول السطر يكتب: «الله بن فلان». المحدثون يكرهون هذا، يقول لك: سكر هذا الفراغ، سكره إما بشخبطة أو بشيء، حتى لا يضاف شيء. سيأتي معنى «تحويق الكتاب». فيقول المحدثون: هذا في سوء أدب، يقرأ القارئ: «عبد»، ثم يقول: «الله ابن فلان»، سوء أدب عظيم. قال: بل يكتبهما في سطر واحد. انظروا إلى أدب الكتابة، حتى الكتابة لها أدب، ولها فن، ولها أخلاق. قال: وليحافظ على الثناء على الله. الله أكبر، كلما ذكر الله يقول: «جل جلاله»، «جل وعلا»، «عز وجل»، «سبحانه وتعالى»، «تبارك وتعالى». والصلاة والسلام على رسول الله: «صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وإن تكرر فلا يسأم. تقول: كل هذا أجلس أكتب «عز وجل»؟ قلنا: اكتب، لا يسأم من هذا، فيها بركة عظيمة. قال: فإن فيه خيراً كثيراً، فيه خير، لكن العاقل هو الذي يدركه. تكرار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كتابة فيها بركة. قال: وما وجد من خط الإمام أحمد من غير صلاة، فمحمول على أنه أراد الرواية، أي: أنه في مجلس السماع، فلو جلس يكتب ما يسمعه من الشيخ: «حدثنا فلان، قال حدثنا فلان، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم». المحدث قد دخل في الحديث، ربما فاته بعض، فيترك فراغاً، فراغاً يتركه لأجل فيما بعد يأتي ويكتب، ربما ينسى. طيب، ما حيلة هذا؟ حجة. الجواب: هذا فعله بنية الكتابة. وما وجد من خط الإمام أحمد من غير صلاة، فمحمول على أنه أراد الرواية. قال الخطيب: وبلغني أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم نطقاً لا خطاً. النطق مهم، فتقول: «صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم». هذا الذي ينبغي: كلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم... لحديث جابر: «خاب وخسر عبد ذكرت عنده»... يقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في الأدب المفرد: «خاب وخسر عبد ذكرت عنده فلم يصلي عليك»، قل: آمين، قال: آمين. فينبغي كلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلهج بالصلاة والسلام عليه: «صلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم». قال ابن الصلاح: وليكتب الصلاة والتسليم مجلسة، لا رمز. مجلسة: يعني تامة واضحة بحروفها: «صلى الله عليه وعلى آله وسلم» يكتب كاملاً. قال: ولا يقتصر على قوله: «عليه السلام». يعني: وليكتب «صلى الله عليه وسلم» واضحة كاملة. قال: وليقابل أصله بأصل معتمد. هذا من أصول المحدثين: يكتب الحديث في جزء، مثل «عمدة الأحكام» مثلاً، يقابله على أصل معتمد. ليس كل ما جاءك من المخطوطات معتمد، ليس كل ما جاءك من المخطوطات يعتبر معتمداً، فإن بعضه رديء، رداءة عظيمة. لا بد أن تنظر في الأصل الذي تقابل عليه. ومع نفسه أو غيره: وليقابل أصله بأصل معتمد، ومع نفسه: يعني يضع الكتاب هذا هنا ويقابل، ويقرأ وينظر، ويقرأ وينظر، كلمة كلمة، سطراً سطراً، وهكذا. أو غيره: موثوق به، ضاب، رجل منتبه، يضبط الألفاظ، يضبط الحروف، يعرف الأشياء، فيضبط معه. قال: ومن الناس من شدد وقال: لا يقابل إلا مع نفسه. قال: وهذا مرفوض مردود. وقد تكلم الشيخ أبو عمر على ما يتعلق بالتخريج والتطبيب... والتطبيب: تطبيب يعني جعل مكاناً مبيضاً. والتخريج: تخريج الحديث. والتصحيح: تصحيح الأصل. والتصويف فيه. قال: وغير ذلك من الاصطلاحات المضطردة والخاصة، ما أطال الكلام فيه جداً. وتكلم على كتابة حاء بين الإسنادين، وأنها حاء مهملة من التحويل، أو الحائل بين الإسنادين، أو عبارة عن قوله: «الحديث». يعني أن استخدام الأسانيد فيقول مثلاً: «حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ح، وحدثنا... وحدثنا أبو اليمان عن شعيب عن الزهري». أي إسناد آخر، طريق آخر، أو «الحديث» الذي سيأتي ذكره، هذا موضعه، فتكون الجملة منصوبة على المصدرية: أي: ذكر الحديث. والمشهور أنه تحويل الإسناد: أي إسناد آخر. قال ابن كثير: قلت: ومن الناس من يتوهم أنها خاء معجمة. أي إسناد آخر، والمشهور الأول. وحكى بعضهم الإجماع عنه. هذا لا يعتبر قولاً معتبراً في الباب، لأن صنيع المحدثين هو بالحاء المهملة: أي حاء. يقولون: هكذا: «حدثنا فلان، ح». ما معنى «ح»؟ أي: إسناد آخر، إسناد آخر. قال رحمه الله تعالى: صفة رواية الحديث. النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث. قال رحمه الله تعالى: قال ابن الصلاح: شدد قوم في الرواية، اشترط بعضهم أن تكون الرواية من حفظ الراوي أو تذكره، وحكاه عن مالك، وأبي حنيفة، وأبي بكر الصيدلاني المروزي الشافعي. واكتفى آخرون، وهم الجمهور، بثبوت سماع الراوي لذلك، الذي يسمع، الذي يسمع عليه، وإن كان بخط غيره، وإن غابت عنه النسخة، إذا كان الغالب على الظن سلامتها من التبديل والتغيير. وتساهل آخرون في الرواية من نسخ لم تقابل، بمجرد قول الطالب: هذا من روايتك، من غير تثبيت، ولا نظر في النسخة، ولا تفقيد طبقة سماع. قال: وقد عدهم الحاكم في طبقات المجروحين. الرواية قد تكون في ضبط الصدر، وهذا أشرف، وقد تكون بضبط الكتاب، وهذا أقوى. فعندنا الضبط ضبطان: ضبط صدر، وضبط سطر أو كتابة. والثاني أوثق وأقوى، والأول أشرف منزلة، كونه يكون حافظاً في صدره. ولكن إذا اعتمد على كتابه الذي ضبطه وعرفه وقابله ونسخه وكرره ونظر فيه مراراً، فهذا يعتبر حجة. فإن وجد كتاباً آخر مثله منسوخ عنه ونظر فيه، فعرف أنه معتمد، فاعتمده، فلا حرج في ذلك. إنما اللوم على التساهل: فيأتي إلى نسخة رديئة، مصحفة، محرفة، فيعتمدها، فيضعف المحدثون حديثه بسبب هذه الأوهام الشنيعة. ولهذا عده ابن الحاكم في طبقات المجروحين، يعني: في كتابه «المدخل»، وفي كتابه أيضاً «معرفة علوم الحديث». فرع: قال الخطيب البغدادي: والسماع على الضرير أو البصير الأمي. الضرير: هو الأعمى الذي فقد نور البصر. والبصير: نوع من التفاؤل، يعني الأعمى أيضاً. الأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب. لا، لا، لا. والسماع على الضرير: يعني الأعمى. والبصير الأمي: يعني الذي له بصر يرى، لكنه أمي لا يقرأ ولا يكتب. إذا كان متثبتاً بخط غيره أو قوله، قال: فيه خلاف بين الناس. فمن العلماء من منع الرواية عنهم، ومنهم من أجازها. السماع على الضرير لا يضر إذا كان ضابطاً، والسماع على الأمي لا يضر. مثال الضرير من الصحابة: عبد الله بن عباس، فإنه عمي في آخر عمره، رحمه الله تعالى وغفر له، ولا زال الناس يأخذون عنه، فهو حبر الأمة وترجمان القرآن. ومثال البصير الأمي: عامر الشعبي. عامر الشعبي رحمه الله كان يقول: «والله ما كتبت سوداء في بيضاء». ما معنى هذا عندك؟ «والله ما كتبت سوداء في بيضاء»: يعني: ما كتبت بقلم أسود بمداد على ورق بيضاء، يعني: أنني لا أكتب، ولا أستطيع أن أقرأ، ولكني أضبط وأحفظ. كان قتادة بن دعام السدوسي ولد أكمه. ما معنى «ولد أكمه»؟ أي: خرج من بطن أمه أعمى. الأعمى قد يكون في حياته عمية، فهذا أعمى، لكن الذي ولد من بطن أمه أعمى، هذا أكمه. وكان آية في الحفظ، حتى جاء إلى سعيد بن المسيب، فلما جلس عنده أياماً، قال: «اذهب يا أعمى، فقد أنزفتني». «اذهب يا أعمى، فقد أنزفتني»: معناه: أنني مثل البئر التي كلما أخرجت لك شيئاً منها حفظته حفظاً متقناً. ومن العجائب في ترجمة قتادة: أنه كان من أحفظ أهل زمانه، حتى ربما لو قلنا إنه أحفظ أهل زمانه ما أخطأنا. في يوم من الأيام أخذه شيء من الفخر هكذا، فقال: «إني لا تحدثوني بحديث إلا حفظته، لا تحدثوني بحديث إلا حفظته، وأنا كذا وكذا». ثم أراد أن يقوم، فقال: أين النعال؟ قالوا: في رجليك. وإن النعال... قالوا: أنت لابسها. كيف هذا؟ ابتلاء من الله سبحانه وتعالى. الدعاوى يبتلى بها الإنسان. هو آية في الحفظ، آية تقال، رحمه الله تعالى. فرع آخر: إذا روى كتاباً كالبخاري مثلاً عن شيخ، ثم وجد نسخة به ليست مقابلة على أصل شيخه، أو لم يجد أصل سماعه فيها عليه، لكنه تسكن نفسه إلى صحتها، فحكى الخطيب عن عامة أهل الحديث: هذا إجماع أنهم منعوا من الرواية بذلك. ومنهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ الفقيه. وحكى عن أيوب ومحمد بن بكر البرساني أنهما رخصا في ذلك. العبرة: قلت: وإلى هذا أجنح، والله أعلم. هكذا يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: أنه إذا وجد أصل سماعه في كتاب على نسخة يرويها... يعني: صورة المسألة أن هذه النسخة كتب فيها: قد حضر هذا المجلس وسمع هذا الكتاب فلان وفلان وفلان وفلان وفلان. نسخة مجهولة، وفيهم اسم الشيخ. هل له أن يقول: نعم، وهو قد نسي؟ ربما مر على هذا سبعون سنة، قد نسي هذه التفاصيل، والجلسات تعد بالآلاف، فهو ينسى. لكن هذا الكتاب موجود في هذه المخطوطة المجهولة، هذه المخطوطة المجهولة فيها اسمه. هذه صورة المسألة. هل يقول: نعم، هذا يدل على أنني حضرت، وإن نسيت؟ أم يقول: يحتاج أن يتأكد من الناسخ؟ قد يكون الناسخ رجلاً ليس بضابط، فيكتب هكذا، أو يتساهل، أو نحو ذلك. المحدثون على التوقف حتى يعرف الكاتب، وابن كثير يميل إلى التساهل في هذا. قال: وقد توسط الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، فقال: إن كانت له من شيخه إجازة، جازت روايته والحالة هذه، فتكون إجازة. لكن الأصل أن السماع أرفع من الإجازة، السماع أرفع من الإجازة. فروع كثيرة، ولعلنا نقف عند هذا الفرع. فإذا كان لكم شيء لم يتضح، وقفنا عنده، وإلا وقفنا هاهنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه يسلم.