شرح حائية ابن أبي داود 12

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 12، الدرس الثاني عشر:من(وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الرد على شبهة المعتزلة في نفي رؤية الله وتفسير النظر في القرآن

يوضح المقطع كيف حرف المعتزلة معنى النظر في آيات القرآن ليجعلوه مجرد انتظار، ويرد عليهم بأدلة لغوية وسياقية تثبت أن النظر المعدى بـ (إلى) يدل على الرؤية البصرية الحقيقية بينما النظر المعدى بـ (في) يدل على التفكر. ويطبق ذلك على آيات النعيم والنظر إلى وجه الله ليؤكد ثبوت الرؤية الحقيقية للمؤمنين.

موقف الفرق الكلامية من رؤية الله يوم القيامة والرد على شبهاتهم

يستعرض المقطع أقوال المعتزلة والجهمية بنفي الرؤية، والأشاعرة بإثباتها بلا جهة أو بالبصيرة، وغُلاة الصوفية بإثباتها في الدنيا والآخرة، ثم يرد على الجميع مؤكداً مذهب أهل السنة. ويؤكد أن الرؤية الحقيقية تكون بالبصر يوم القيامة مع إثبات علو الله على خلقه.

إنكار رؤية الله في الدنيا وبيان رؤية الكفار يوم القيامة ورؤية النبي لربه

يقرر المقطع أن الله لا يُرى في الدنيا مستدلاً بالقرآن والسنة، ويرد على غلاة المتصوفة الذين يزعمون رؤيته بالمجاهدة. ثم يبين أن الكفار والمنافقين يرون الله يوم القيامة ثم يُحجبون، بينما رؤية المؤمنين تكون نعيمًا، ويختم بذكر خلاف السلف في رؤية النبي لربه والصواب أنه رآه بفؤاده لا بعينيه.

رؤية الله بالفؤاد وعدم رؤيته في الدنيا

يوضح المقطع أن رؤية الله تكون بالفؤاد كما ورد عن ابن عباس، وأن أحداً لا يرى الله في الدنيا حتى الأنبياء. ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» لتأكيد عدم الرؤية في الدنيا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فكان آخر الكلام في الدرس الماضي في ذكر شبهة المعتزلة النافين رؤية الله جل وعلا، ومستدلين بما جاء من النصوص في النفي، أي نفي الرؤية في القرآن، كما في قوله عز وجل: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، وقوله: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾. قد تقدم الكلام في هذا، قلنا إنهم فسروا النظر في القرآن بالانتظار، فوقعوا في تحريف، ووقعوا في التعطيل. فحرفوا قول الله عز وجل: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾، وقالوا: آلاء، وقالوا: آلاء، ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴾ آلاء، ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ آلاء، يعني: نعم، ثواب ربها ناضرة، أي منتظرة. ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴾: الحسنة البهية، ﴿ آلاء رَبِّهَا ﴾: أي نعم ربها، ثواب ربها ناضرة، أي منتظرة. فوقعوا في تحريف اللفظ، وتحريف المعنى، وهو تعطيل. والرد عليهم في هذا: أن الله عز وجل أثبت النظر للوجوه، قال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾. ذلك لأن البصر في الوجه، البصر الذي يرى به في الوجه، فهذا يدل على أن المراد بالنظر هو النظر الحقيقي، النظر بالبصر، وليس معناه الانتظار. وكذلك يرد عليهم كما رد أهل العلم من أهل السنة: أن النظر في القرآن إذا عُدِّي بإلى، فإنه يفيد النظر الحقيقي، أي النظر بالبصر، النظر بالبصر إذا عُدِّي بإلى، كما في قوله عز وجل: ﴿ وَانْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ ﴾، يعني: انظروا نظر بصر، نظر بالعينين. وهكذا كما قال عز وجل: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾، المراد بالنظر هنا نظر العينين، نظر بالبصر. وهكذا قال جل وعلا: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا ﴾، أو لم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج؟ المراد: النظر الحقيقي، النظر بالبصر إلى السماء، كيف بناها الله جل وعلا وزينها سبحانه وتعالى. وهكذا في بقية الآيات التي فيها تعليل النظر بإلى، فهو يفيد النظر بالبصر، وليس معناه الانتظار. هذا المعنى باطل، لا يستقيم. إذا قلنا في قوله جل وعلا: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ ﴾، هل معناه: ينتظرون؟ لا يستقيم المعنى. ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ ﴾، هل معناه: ينتظرون؟ لا يستقيم المعنى. فإذا النظر هنا بمعنى النظر بالعينين، النظر الحقيقي. وإذا عُدِّي النظر بفي، فهو يفيد التفكر، يفيد التفكر، أي: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾. هنا النظر عُدِّي بفي، فهو يفيد التفكر، أي: أولم يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض. وإذا عُدِّي النظر بنفسه، ولم يُعْدَ بغيره، فهو الذي يفيد الانتظار، كما في قوله جل وعلا على لسان المنافقين: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾. ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾، النظر هنا عُدِّي بنفسه، ولم يُعْدَ بغيره، أي لم يأتِ بعده إلى ولا في، وإنما عُدِّي بنفسه: ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾، يعني: انتظرونا. المنافقون والمنافقات يوم القيامة يقولون لأهل الإيمان: انتظرونا. فهنا النظر بمعنى الانتظار. فلذلك يقال: في النظر في القرآن، إذا عُدِّي بإلى، فالمراد به النظر الحقيقي بالبصر. وإذا عُدِّي بفي، فهو يفيد التفكر. وإذا عُدِّي بنفسه، فهو يفيد الانتظار. بعض الآيات ربما تشكل على هذا، لكن ليس فيها إشكال بحمد الله. مثلاً قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾. قد يقول قائل: هنا ﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ لم يُعْدَ، فكيف يكون بمعنى النظر؟ كأنه يقول: هذا يخرم عليكم قاعدتكم التي تقولون بها، أن النظر إذا عُدِّي بإلى هو يفيد النظر الحقيقي، وهذه آية ليس النظر فيها معدى بإلى، فما تقولون في ذلك؟ قول الجواب: أن السياق يدل على أن هناك محذوفاً دل عليه السياق. فقوله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾، هذا سيق في ذكر جزاء الأبرار أهل الإيمان، فلا يفسر بالانتظار، لأنه لا يناسب هذا المقام الانتظار، لأن الانتظار ليس من النعيم في شيء، الانتظار ليس من النعيم في شيء، بل ربما يكون من العذاب، الانتظار فيه قلق، الانتظار فيه قلق. فلا يناسب تفسير النظر هنا بالانتظار، لأنه مقام نعيم. لأن الله عز وجل يذكر لنا في هذه الآية نعيم الأبرار، ومنه أنهم على الأرائك ينظرون. هل على الأرائك ينتظرون؟ أين النعيم؟ الانتظار، كما سمعتم، ليس من النعيم. لكن المعنى: على الأرائك ينظرون إلى كل نعيم، هذا الذي لابد أن يقدر، أي: ينظرون إلى كل نعيم، وأعظمه النظر إلى وجه الله الكريم سبحانه وتعالى. كما فسر السلف هذه الآية: ﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾، قالوا: أي إلى كل نعيم، ومنه النظر إلى وجه الله الكريم. وكذلك ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾. يقولون: أنتم تقولون النظر إذا عُدِّي بإلى لا يفيد النظر بمعنى النظر الحقيقي، وليس هو كذلك، فهذا يبطل قاعدتكم. نقول: لا، الوزن اختلف، الوزن اختلف. والقاعدة في العربية: أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. إذا اختلف المبنى للكلمة، اختلف المعنى. ففرق بين نظر، وبين نظر بالكسر. ﴿ فَنَظِرَةٌ ﴾ في الآية، ﴿ نَظِرَةٌ ﴾ كسر الظاء، هذا ليس من النظر، بل هو من الانتظار. ﴿ فَنَظِرَةٌ ﴾: أي فإمهال، بانتظار، إلى ميسرة. فنقول هنا: الوزن اختلف. وزن ﴿ نَظَرَ ﴾ ليس هو وزن ﴿ نَظِرَةٍ ﴾. هناك ﴿ نَظَرَ ﴾: فتح النون والظاء، وهنا ﴿ نَظِرَةٍ ﴾: هل فرق بين ﴿ نَظَرَ ﴾ و ﴿ نَظِرَةٍ ﴾؟ نعم، فرق. هذا بالكسر ﴿ نَظِرَةٍ ﴾، فإذا اختلاف المبنى، مبنى الكلمة، يدل على اختلاف المعنى. فهذا له معنى، ﴿ نَظَرَ ﴾ بفتح النون والظاء، له معنى يختلف عن الكلمة الأخرى ﴿ نَظِرَةٍ ﴾ كسر الظاء. فهنا ﴿ نَظَرَ ﴾، وهنا ﴿ نَظِرَةٍ ﴾ في الآية: ﴿ فَنَظِرَةٌ ﴾. وكذلك في قوله جل وعلا على لسان إبليس: ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾. يعني: هل بمعنى النظر أو الانتظار والإمهال؟ نقول: بمعنى الإمهال، أي: مهلني وانتظرني. يقولون: كيف الآن عُدِّي بإلى؟ ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾. لماذا الآن ما قلتم كما قلتم سابقاً: إن النظر إذا عُدِّي بإلى يفيد معنى النظر، والآن تقولون بمعنى الانتظار؟ نقول: اختلف. ﴿ أَنْظِرْنِي ﴾ كسر الظاء، مثل السابقة. ﴿ أَنْظِرْنِي ﴾ و ﴿ نَظَرَ ﴾ يختلف عن ﴿ نَظَرَ ﴾، كما يختلف فعل عن فعل. وزن ﴿ أَفْعَلَ ﴾ هو وزن ﴿ أَنْظِرْنِي ﴾، كذلك ﴿ نَظَرَ ﴾ ليس هو وزن ﴿ أَنْظِرْنِي ﴾. فهذا له معنى، وهذا له معنى. فين القاعدة مستقيمة: النظر إذا عُدِّي بإلى في القرآن فهو بمعنى النظر بالبصر. وإذا عُدِّي بفي فهو يفيد التفكر. وإذا عُدِّي بنفسه فهو يفيد الانتظار. وأما تفسير النظر بالثواب أو باليقين، فهذا باطل. اليقين حاصل عند أهل الإيمان. هل سينظرون اليقين إلا يوم القيامة؟ لا، اليقين حاصل عند أهل الإيمان، عندهم يقين. فتفسير هذا النظر باليقين أو بالثواب، هذا تعطيل بالمعنى الصحيح الذي تدل عليه لغة العرب، وتعطيل للمعنى الصحيح الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة في إثبات النظر إلى وجه الله جل وعلا يوم القيامة. فهذه الفرقة، وهي المعتزلة، ضلت في باب الرؤية. وذكرنا لكم أدلتهم وأجبنا، أو شبهاتهم، وأجبنا على هذه الشبهات. الأشاعرة، الأشاعرة أيضاً فرقة ضلت في هذا الباب، وإن لم يكن ضلالها كضلال المعتزلة، إلا أنهم أيضاً لم يوفقوا في هذا الباب، في باب رؤية رب العالمين يوم القيامة. هم، وإن كانوا أثبتوا الرؤية يوم القيامة لرب العالمين كما أثبتها أهل السنة، لكنهم لا يثبتونها كما أثبتها أهل السنة. فأهل السنة والجماعة يثبتون رؤية رب العالمين يوم القيامة، رؤية بالبصر، رؤية بالبصر. أما الأشاعرة، فإنهم يقولون: الله جل وعلا يرى يوم القيامة، لا إلى جهة، لا إلى جهة. ومنهم من يقول: يرى من جميع الجهات. ومنهم من يقول: رؤية بالبصيرة، وليست بالبصر. وكل هذا باطل. ما الذي يجعلهم يقولون مثل هذا الكلام؟ يرى ولكن لا يرى إلى جهة؟ يظنون أن إثبات الرؤية يستلزم جعل رب العالمين في جهة، أو في حيز، كما توهم المعتزلة. الذي وقع عند المعتزلة، وقع عند الأشاعرة. لكن المعتزلة أهل اللغة، المعتزلة أهل اللغة، ويعرفون لوازم لغة العرب. يعني كأنهم يقولون: لابد علينا إذا أثبتنا رؤية رب العالمين، فهذا يستلزم أن تكون هذه الرؤية إلى جهة، يستلزم أن تكون هذه الرؤية إلى الجهة. إما أن نثبت هذا ونقول: الله جل وعلا يرى إلى جهة، أو نقول: لا يرى. فمختارهم قالوا: أفضل نقول: لا يرى، لأنه لا بد أن يرى بمعنى يرى إلى جهة. الأشاعرة وقفوا متحيرين، قالوا: نحن لا نثبت الرؤية التي نفاها المعتزلة، ولكن ننفي الجهة، نقول: يرى لا إلى جهة. فهذا ما يمكن، هذا مخالف للمعقول والمنقول. فالمعتزلة إذا حَجّ الأشعري في هذا، فالصواب مع المعتزلة. يعني: إذا لا بد، إذا أثبت الرؤية، فإن هذه الرؤية تستلزم إلى جهة. فالأشعري أعاجم، ليس مثل المعتزلة، غالبهم أعاجم، ليس مثل المعتزلة. المعتزلة أهل اللغة. أهل السنة والجماعة، وفقهم الله جل وعلا للصواب، أثبتوا الرؤية. ولما قال المعتزلة، أهل الشعر - يعني الأشاعرة -: كيف رؤية إلى جهة؟ يقول: ماذا تريدون أنتم بالجهة؟ ماذا قصدكم من الجهة؟ أن الله يرى إلى الجهة؟ إذا أنتم تريدون الجهة، جهة العلو، فنحن نثبتها بأكثر من ألف دليل من الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والعقل، كله دل على ذلك. فإذا الأشاعرة فروا من الجهة لأنهم لم يثبتوا العلو، والمعتزلة فروا من الجهة لأنهم لم يثبتوا العلو. وأهل السنة والجماعة أثبتوا العلو. فإذا قيل: الله جل وعلا يرى يوم القيامة، وقيل لهم: كيف؟ إلى جهة؟ يقول: ماذا تريدون بالجهة؟ جهة العلو. نعم، يرى ربنا عز وجل يوم القيامة، وهو في العلو، وهو في علوه، كما سمعتم وما تقدم من كلام ابن القيم رحمه الله: ﴿ وَيَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ فَوْقِهِمْ نَظَرَ الْعِيَانِ كَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ ﴾، هذا تواتر عن رسول الله، لم ينكره إلا فاسد الإيمان. فإذا أهل السنة والجماعة يثبتون هذا. الأشاعرة ضلوا في هذا الباب. ومنهم من يقول: إنما هي رؤية بالبصيرة، يعني بالقلب. ما أثبت الرؤية بالبصر الحقيقي، وهو النعيم الحقيقي، أن يرى العبد ربه عز وجل يوم القيامة بعينيه، ويتلذذ بالنظر إلى وجه الله الكريم سبحانه وتعالى يوم القيامة. أما الأشاعرة، فقالوا: نظر بالبصيرة، ما يرونه بعيونهم. وهذا باطل. قد جاء في البخاري، بعض الروايات، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا». «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا». ما هي بصيرة، عياناً، يعني بالعين. وهنا المؤلف رحمه الله يؤكد هذا، ويبين هذا، ويقول: يتجلّى الله للخلق جهرة، كما البدر لا يخفى. وربك أوضح. الطائفة الثانية التي ناقضت المعتزلة، وكانت في الطرف الآخر، هم غلاة أهل التصوف. الغلاة من أهل التصوف ضلوا في باب الرؤية، حيث قالوا: الله جل وعلا يرى في الدنيا والآخرة. انظروا الأقوال: المعتزلة والجهمية يقولون: لا يرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة. أهل السنة والجماعة يقولون: الله جل وعلا لا يرى في الدنيا، ويرى في الآخرة. وغلات أهل التصوف يقولون: الله جل وعلا يرى في الدنيا والآخرة. وهذا باطل. أما في الدنيا، فقد سمعتم ما جاء في قول الله جل وعلا: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء الصحيح من مسلم: «اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا». «حَتَّى تَمُوتُوا»، يعني: يوم القيامة. ما في الدنيا. فلا. وهؤلاء يقولون: نحن نرى ربنا. هذه مخالفة صريحة لما جاء في القرآن، ولما جاء في السنة، من أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا. ولذلك يقول بعض غلاة المتصوفة، مبيناً هذا، كما قال أبو حامد الغزالي في الإحياء: يقول: إن أهل الخلوة إذا حصلت قلوبهم بالله عز وجل، إن كشف لهم جلال الحضرة الربوبية، وتجلى لهم الحق. يقول: إن أهل الخلوة يخلون، يكونون في خلوة، ويسمونها عندهم بمقدمات المجاهدة، مجاهدة النفس، حتى يصلون إلى رؤية رب العالمين. تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. قال: إن أهل الخلوة إذا حصلت قلوبهم بالله عز وجل، إن كشف لهم جلال الحضرة الربوبية، ويتجلى لهم الحق، أي: يظهر لهم الحق، ويرونه. ويقول قائلهم أيضاً من هؤلاء: يقول: أحبك حبين، يخاطب الله عز وجل، ويقول: أحبك حبين، حب الهواء، وحباً لأنك أهل لذاك. فأما حب الهواء، فشغلي بذكرك عما سواك. وأما الحب الذي أنت أهل له، فكشفك لي الحجب حتى أراك. خاطب الله عز وجل، ويقول: أحبك حبين يا رب، ما هو حب واحد؟ أحبك حبين: حب هواء، وحب أنت أهل له. طيب، ما هو حب الهواء؟ وما هو الحب الذي الله جل وعلا أهل له؟ يقول: يقول: فأما حب الهواء، فشغلي بذكرك عما سواك، يعني: أنا مشغول بذكرك عما سواك. وأما الحب الذي أنت أهله، هنا الشاهد: فكشفك لي الحجب، يعني: حين تكشف لي الحجاب حتى أراك. فهذا فيه زعم أن الله جل وعلا يكشف له الحجب في الدنيا فيراه. كيف يتوصل لذلك؟ عن طريق المجاهدة. وحقيقت هذه الخلوة أنها خلوة مع شياطين، خلوة مع شياطين، يتلفظون بألفاظ، إلى آخر ذلك، ما يسمونه مقام المجاهدة. يزعمون بعد ذلك أن الله جل وعلا يتجلى لهم. سبحان الله! يرون الرسول في الدنيا، ويرون رب العالمين في الدنيا. سبحان الله! يلحنون في المولد أبيات شعر: ها ها ها ها، آخر شيء قام قال: جاء الرسول، مرحبا مرحبا. سبحان الله! الصحابة مع الممات، الرسول ما رأوه، والآن يرونه. وهكذا يرون رب العالمين جل وعلا في الدنيا، يزعمون. وهذا كله باطل. بارك الله. إذن هؤلاء أيضاً ضلوا في هذا الباب. هم غلاة التصوف الذين يزعمون أنهم يرون الله عز وجل في الدنيا. فالله جل وعلا لا يرى إلا في الآخرة. مما يتعلق من مباحث هذا الباب: أن السلف رحمهم الله تعالى اختلفوا في رؤية الكافرين لله جل وعلا يوم القيامة. هل يرى الكفار الله جل وعلا يوم القيامة؟ هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل السنة، كلها أقوال لأهل السنة: القول الأول: أن الكفار لا يرون الله جل وعلا أبداً، مطلقاً. القول الثاني: أن المنافقين هم الذين يرون الله عز وجل، أما الكفار فلا يرون. القول الثالث: أن الكفار والمنافقين يرون الله عز وجل يوم القيامة، بعد ذلك يحجب عنهم. والذي يترجح من الأدلة: أن الكفار يرون الله عز وجل يوم القيامة، وهكذا المنافقون، وبعد ذلك يحجب عنهم ربنا عز وجل، كما قال سبحانه في كتابه الكريم في سورة المطففين: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾. فقد دلت الأدلة أن الكفار والمنافقين يرون الله عز وجل. ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في الصحيح: أن الله جل وعلا حين يكشف عن ساقه جل وعلا، يسجد أهل الإيمان، من كان يسجد في الدنيا سجوداً خالصاً لله جل وعلا، يستطيع السجود يوم القيامة لربه جل وعلا. المنافقون الذين كانوا يسجدون في الدنيا كذباً، لا يستطيعون أن يسجدوا، يردون السجود، فلا يستطيعون، فلا يستطيعون، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ يَوْمَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾، أو ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾، ﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾، أي: في الدنيا. فالمنافقون، دلائل الأدلة على أنهم يرون الله، أدلوا. هكذا الكفار. لكن هذه الرؤية من الكفار والمنافقين لله جل وعلا، ليست رؤية فيها نعيم. رؤية الكفار لله عز وجل يوم القيامة، رؤية المنافقين، هي ليست رؤية نعيم، كما يرى أهل الإيمان ربهم عز وجل، ليس معها نعيم، وليست هي من النعيم. لكن أهل الإيمان، رؤيتهم لربهم جل وعلا، رؤية نعيم، وهم في الموقف، وفي المحشر. وهكذا كذلك عند دخولهم الجنة. فهذه رؤية نعيم. فرؤية المؤمنين يوم القيامة، رؤية نعيم. أما رؤية المنافقين قبل الحجب، هي رؤية، لكن ليس معها نعيم. وهكذا رؤية المنافقين. واختلف كذلك، جاء خلاف عند أهل السنة، فيما يتعلق برؤية النبي عليه الصلاة والسلام ربه في الدنيا. هل رأى النبي عليه الصلاة والسلام ربه جل وعلا في الدنيا؟ ثبت عن عائشة أنها قالت: من قال إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه في الدنيا، فقد أعظم على الله الفرية. وقالت: قد قف شعري، يعني: من هذا الكلام. وابن عباس يثبت: رأى النبي عليه الصلاة والسلام ربه. والصواب في هذا: أن عائشة رضي الله تعالى عنها إنما نفت الرؤية في الدنيا. وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أثبت الرؤية، وهي رؤية بفؤاده عليه الصلاة والسلام. رأى ربه جل وعلا بفؤاده، ليست رؤية بالعينين في الدنيا. قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، في حديث حسن، عند بعض أهل العلم، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «رَأَيْتُ رَبِّي لَيْلَةَ الْبَارِحَةِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ». «رَأَيْتُ رَبِّي لَيْلَةَ الْبَارِحَةِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ». هذه الرؤية، رؤية بالفؤاد، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. أما في الدنيا، فلم يراه أحد، ربنا عز وجل، للأنبياء ولا غيرهم. والدليل كما سمعتم ما قاله عليه الصلاة والسلام: «اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا». صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.