طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 82

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 82

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 82، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أصل الحمد لله رب العالمين

يتناول شرح كلام الإمام ابن القيم حول إثبات الحمد لله رب العالمين كأصل يجمع بين الإيمان بالقدر، ويبين أن الحمد يشمل كل ما خلقه الله. يُظهر أن كل ذرة في الكون شاهدة بحمده.

تفصيل حمد الله على الخير والشر

يُناقش حمد الله تعالى على السراء والضراء، ويُبيّن أن الله يخلق الخير والشر بحكمة، ويُفصّل الفرق بين إضافة الشر إلى الله كخلق لا كصفة.

تمييز أهل السنة في إثبات المحامد لله

يُثبت الحمد لله تعالى على كل شيء، ويُميز أهل السنة عن الفرق الأخرى في إثباتهم الحمد الكامل لله، بينما يثبت الآخرون حمدًا ناقصًا.

ختام الحديث عن الإيمان بالقضاء والقدر

يختم الحديث عن الإيمان بالقضاء والقدر، ويبين أهمية حمد الله على خلقه وقدره، ويشير إلى أن التفاصيل ستأتي لاحقًا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: «فصل: ويجمع هذين الأصلين العظيمين أصل ثالث، هو عقد نظامها وجامع شملهما، وبتحقيقه وإثباته على وجهه يتم بناء هذين الأصلين، وهو إثبات الحمد كله لله رب العالمين، فإنه المحمود على كل ما خلقه وأمر به ونهى عنه، وهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم، وإيمانهم وكفرهم، وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار، والملائكة والشياطين، وعلى خلق الرسل وأعدائهم، وهو المحمود على عدله في أعدائه، كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه، وكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده، ولهذا سبح بحمده السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإِنَّ كلَّ شيءٍ إلا يسبح بحمده. وكان من قول النبي صلى الله عليه وسلم عند الاعتدال من الركوع: «ربنا ولك الحمد ملأ السماوات وملأ الأرض وملأ ما بينهما وملأ ما شئت من شيء بعد»، فله سبحانه الحمد حمدًا يملأ المخلوقات والأفق الذي بين الأرض والسماوات، ويملأ ما يقدر بعد ذلك مما يشاء الله أن يملأ بحمده. أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل بعد أن ذكر حكمة الله عز وجل في علمه وقدره، وهذا من مراتب القدر التي مرت معنا فيما سبق، وهما أصلان عظيمان لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بهما. والقدرية بطوائفهم، خصوصًا القدرية النفاة كالمعتزلة، والقدرية الغلاة كالجبرية، فإنهم لا يثبتون هذين الأصلين، وكذلك هذا الأصل الثالث الذي قال عنه رحمه الله هنا: «عقد نظامهما وجامع شملهما، وبتحقيقه وإثباته يتم بناء هذين الأصلين»، وهذا الأصل هو الحمد؛ لأن الحمد لا يتم إلا بإثبات العلم والقدرة. ولذلك فحمد أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا القدر على الوجه الذي أراده الله حمد كامل من كل الوجوه، فهم الذين يحمدون الله على السراء والضراء، ويحمدون الله جل وعلا على طاعات العباد كما ذكر ومعاصيهم. أما حمد الرب جل وعلا على السراء وعلى الطاعات فهذا لا إشكال فيه، ولكن يقع الإشكال في حمد الله عز وجل على الضراء وعلى المعاصي وعلى الكفر، وعلى كذلك خلق الشياطين ووجود الفجار. فمثل هذا غير معقول عند القدرية النفاة، فلذلك فهم يخرجون هذه المخلوقات من خلق الله عز وجل فضلًا أن يحمدوا الله عز وجل عليها، فهم كما زعموا أن الله لا يخلق إلا الخير، ولذلك ينفون خلق الشر، وهذا خطأ. بل الذي دلت عليه دلالة الكتاب والسنة أن كل المخلوقات خيرها وشرها مخلوقة لله عز وجل. فإذا كان الله خالق كل شيء ومليك كل شيء وقادر وعالم بكل شيء، فإن ذلك يستلزم أنه يخلق الخير ويخلق الشر، وهذا ما لا يقبله القدرية النفاة، فلذلك نفوا هذا، ثم ذهبوا يستدلوا ببعض الأدلة كما تقدم معنا التي لا تدل على ذلك. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك» ليس نفيًا لخلق الشر، ولكن نفي لإضافة الشر إلى الله عز وجل، وبين الأمرين فرق. فالذي قال أو أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: «والشر ليس إليك» هو الذي قال: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، فأثبت أنه يخلق الشر سبحانه وتعالى. فالشر يضاف إلى الله إضافة خلق، لا يضاف إلى الله إضافة صفة، فهو خلق الخير وهذا لا إشكال فيه، وخلق الشر وهذا لمن أفق العقيدة الصحيحة والعقل الراجح الصحيح، فإنه كذلك لا إشكال فيه؛ لأن الله خلق الخير بفضله والشر بعدله، خلق الخير والشر بحكمة. فما أعطى من خير فبفضل، وما أوقع من شر فبعدل، وله الحكمة البالغة فيما خلق. وتقدم معنا في فصول سابقة أنه لولا هذا الشر الذي خلقه ما عرفنا فضل الخير، فلولا الليل ما عرفنا فضل النهار، ولولا المرض ما عرفنا فضل الصحة، ولولا كذلك الكفر ما عرفنا فضل الإيمان، ولولا المعصية ما عرفنا فضل الطاعة، ولولا الفجار ما عرفنا فضل الأبرار، وهكذا قل في سائر ما خلق الله عز وجل من خير وشر، فلله الحكمة. فلذلك يحمد الله سبحانه وتعالى على كل شيء، وهذا هو معنى إثبات المحامد لله عز وجل مطلقًا، فنقول: «الحمد لله رب العالمين»، نحمده على كل ما في هذا العالم من خير ومن شر، ومن ذلك نحمده على خلق الملائكة وخلق الشياطين، وخلق الأبرار وخلق الفجار كما ذكر رحمه الله تعالى، نحمده على كل شيء؛ لعلمنا أن الله عز وجل لا يخلق في خلقه إلا ما له وبه وفيه حكمة، فخلق الخير بفضله وخلق الشر بعدله، فهو له الحكمة البالغة في ذلك. فإذا تأملنا هذا وجرينا بما أثبتته أدلة الكتاب والسنة في هذا الباب لم يحصل إشكال، وحصل بذلك اليقين والبرد والسلام في إثبات ما أثبته الله لنفسه وشرعه ودينه في كتابه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. وهكذا كذلك في مقابل القدرية النفاة كالمعتزلة، القدرية الغلاة كالجبرية، الأشاعرة والماتردية والكلابية الذين ينفون الحكم عن أفعال الله عز وجل، فلذلك حمدهم كذلك ناقص، حمدهم ناقص. فالقدر المعتزلي النافي للقدر يثبت الحمد لله على المحاسن وعلى الخير، ولا يحمد الله عز وجل على ما سواه. وأما القدر الجبري كالكلابية والأشاعرة والماتردية ممن ضلوا في باب القدر بالجبر، فإنهم لا يثبتون الحكم لله عز وجل، ومن لم يثبت الحكم لله عز وجل فإنه لا يثبت حمدًا كاملًا لله عز وجل؛ لأنهم لا يثبتون محامد فيها حكم وعلل فيها حكم وعلل، ولهذا محامدهم ناقص، ومحامد القدرية النفاة كذلك ناقص. وهذا هو قوله رحمه الله تعالى في أن إثبات هذا الأصل الثالث يتم به بناء الأصلين السابقين؛ لأن الذي أثبت الأصلين السابقين فإنه يلزم منه أن يحمد الله حمدًا كاملًا من كل الوجوه، ومن ذلك أنه يحمده على السراء والضراء، وعلى الخير والشر، وعلى كل ما خلقه الله عز وجل وقدره وعلمه في أمر كونه سبحانه وتعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى تفاصيل ذلك، وسيأتي إن شاء الله زيادة تفصيل في ذكر معنى هذه المحامد التي تدخل في معنى حمد الله عز وجل ملأ السماوات وملأ الأرض وملأ ما بينهما وملأ ما شاء سبحانه وتعالى من شيء بعد، إذن يحمد الله حمدًا عظيمًا كبيرًا كثيرًا يملأ هذه المخلوقات والأفق الذي لا يعد سعة. فهكذا حمد الله سبحانه وتعالى على كل ما خلقه وقدره وعلمه، وكأنه في كونه سبحانه وتعالى، وسيأتي زيادة التفصيل لذلك، لكن هذا باختصار وجه إيراد هذا الأصل الثالث وعلاقته بباب القضاء والقدر على ما سبقت الإشارة إليه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جزاكم الله خيرًا.