الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع جواز التعامل مع الكفار غير المحاربين بالبر والعدل والصلة، مستدلاً بالآيات والأحاديث التي تأمر ببر الوالدين الكافرين وصلة الأرحام وحقوق الجوار، ويروي قصة أسماء بنت أبي بكر مع أمها الكافرة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوصلها.
يبيّن المقطع أن للجار الكافر غير المحارب حق الجوار والصلاة، ويجوز بره والإحسان إليه والتعاون معه في المباحات، مستدلاً بفعل ابن عمر مع جاره اليهودي، مع التأكيد على أن هذا لا يعني المحبة أو الموالاة فمحبة الكافر محرمة ويجب بغضه في الله مع البر به في حدود الشرع.
يبيّن المقطع أن المؤمن لا يوادّ الكافر ولا يحبه، مع جواز التعامل مع الكفار غير المحاربين في المصالح الدنيوية، بينما يجب بغض المحاربين والبراءة منهم، ويحرم الاستغفار للكفار أو الترحيب عليهم حتى لو كانوا ذوي قرابة.
يُباح التعامل مع الآخرين في الأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها ما لم تخالف شرع الله، وهذا يُعد خلاصة الحكم في هذه المسألة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فأخذنا في الدرس الذي مضى عندما جاءت خزاعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذكرنا شيئاً من تاريخ هذه القبيلة العريقة وهي خزاعة، ودخولهم الحرم وخروجهم منه. أيضاً هنا فائدة في هذا الحديث، وهي أن المسلم قد يتعامل مع الكفار، قد يتعامل مع الكفار في بعض الأمور السياسية، أو أمور اقتصادية من بيع وشراء، أو كذلك تعاون بالبر والعدل وغير ذلك. فهذا لم يمنعه الإسلام، وخاصة التعامل مع الكفار الذين هم ليسوا بمحاربين. الله عز وجل يقول: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾، أي تؤدون لهم حقهم. وأيضاً الله عز وجل أمر بصلة الوالدين وبرهما ولو كانوا كافرين، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾. وصاحبهما في الدنيا معروفاً، أي صاحبهما أي برهما وصلهما. وقد جاء في البخاري أن قوله جل وعلا: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ نزلت في أسماء بنت أبي بكر، لما جاءت إليها أمها فكانت كافرة، جاءت إلى المدينة وزارت أسماء. فأسماء رضي الله تعالى عنها لدينها احترجت كيف تتعامل مع أمها، فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسألته عن ذلك، فقالت: إن أمي جاءتني راغبة وهي على الكفر. راغبة: أي تريد الصلة، تريد من أسماء أن تصلها. فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «صلي أمك، صلي أمك». وأيضاً نبينا عليه الصلاة والسلام قد قال في أكثر من حديث عندما عم وخص في بني هاشم وبني عبد مناف، ونادى أيضاً عمته صفية وابنته فاطمة، ثم قال: «لا أغني عنكم من الله شيئاً، إنما لكم رحم سأبلها ببلالها، سأبلها ببلالها». والمراد: سأبلها ببلالها، أي أصلهم، أصلهم صلة القرابة، أصلهم صلة القرابة. فلذلك فالكافر لا يجوز أنه لا يوصل إذا كان من الأقارب، من الوالدين. وكذلك أيضاً الجار، الجار الكافر. قد ذكر العلماء أن الجار الكافر له حق الجوار، له حق الجوار. معلوم أن الجار من الجيران من له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق الجار، وحق القرابة. ومنهم من يكون له حقان: حق الجار وحق الإسلام، أو حق القرابة. ومنهم من يكون له حق واحد هو حق الجوار، وهو الكافر البعيد، الكافر البعيد الذي ليس محارباً. فهذا له حق، وهو حق الصلة والجوار. ولهذا جاء في تفسير أيضاً قول الله جل وعلا: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾، فذكر ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وغيرهم عن عبد الله بن عمر، وذكره أيضاً البخاري في الأدب المفرد. ذكروا عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا كان معه شيء كان يقول: «اهدوا لجارنا اليهودي، اهدوا لجارنا اليهودي». فدلت هذه الآيات والأحاديث، وكذلك عمل السلف، على أن الكافر لا بأس أن يوصل، ولا بأس أن يبر، ولا بأس أن يتعاون معه بما يكون فيه رضا الله جل وعلا، وما يكون فيه حلال من الحلال. أما الحرام فلا يجوز التعاون، لا مع كافر ولا مع مسلم. حتى المسلم لا يجوز التعاون معه إذا كان الأمر فيه إثم. فإذا كان التعاون معه على غير الإسلام فلا يجوز، وأيضاً إذا كان التعاون على شيء محرم لا يجوز، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾. لكن هذا كله معنى مثلة البر والصلة للكافر والتعاون معه، ليس معنى ذلك أنه يحبه. بل الواجب هو بغض الكافر. وإنما هذه معاملة فقط، معاملة اقتضاها الشرع أنه يعامل بمثل هذه المعاملات. أما مسألة المحبة فلا يجوز محبة الكافر، مهما كانت صلته، ومهما كان جوده للإنسان، ومهما حتى لو أن الكافر هذا له صلة بأهل الإسلام، أو أنه يخدم الإسلام، لكنه كافر فلا يجوز أن يحب. ولهذا قال الله عز وجل، قال سبحانه وتعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. وجاء في الآية الأخرى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾. فلذلك فلا يجوز محبة الكفار ومودتهم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ﴾. هؤلاء هم أهل الإيمان الذين لا يوادون الكفار ولا يحبونهم. ليس بين المسلم وبين الكافر مودة أبداً. لكن بينهم تعامل إذا كان ليس من المحاربين لأهل الإسلام. أما إن كان من المحاربين فإن الله عز وجل قال: ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. فربنا جل وعلا نهى أن يتولى هؤلاء الكفار، هؤلاء الكفار الذين هم محاربون، محاربون لأهل الإسلام. أما إذا كانوا من أهل السلم فلا بأس أن يتعاون معهم في أمور السياسة، أمور الاقتصاد، أمور كذا. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً كما في هذا الحديث يتعاون مع خزاعة، وكانوا ينصحون له. بل كما ذكرنا قبل أن فتح مكة، إنما فتحت مكة والنبي صلى الله عليه وسلم غزا أهل مكة لأجل خزاعة، لأجل أنهم قتلوا بعض أهل خزاعة. فالنبي عليه الصلاة والسلام لأنهم نقضوا العهد كما قلنا، وخزاعة كانت مع رسول الله في الحلف، مع أن أكثرهم كفار لكن بعضهم من المسلمين. فلما قتلوا، فالنبي عليه الصلاة والسلام حرك الجيش من المدينة إلى مكة، ودخل مكة وفتحها. وهل فتحت صلحاً أو عنوة؟ فهذا خلاف بينها العلم. وصحيح أنها فتحت صلحاً وبعضها عنوة، لأن حصل شيء من الحروب في فتح مكة. أما النبي عليه الصلاة والسلام ومن كان معه فلم يلقوا أحداً في طريقهم، لكن من كان في دخل من الثنية السفلى وهو خالد بن الوليد ومن كان معه من المسلمين، فلقوا عكرمة ابن أبي جهل وجماعة من أهل مكة فقاتلوهم. فالمهم أن الكفار كما قلنا لا يحبون، بل الواجب هو بغضهم، الواجب هو بغضهم. وأيضاً لا يستغفر لهم ولا يترحم عليهم. حتى قال الله عز وجل: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾. فلا يجوز استغفار للكافر، ولا يجوز الترحم له. معنى ما يقول فلان مثلاً: الكافر رحمه الله، كان يفعل ويفعل. لا، هذا ما يجوز أنك تترحم عليه، مهما فعل، مهما كانت يده بيضاء في عمل الخير مثلاً، فلا يجوز لك أن تترحم عليه أو تستغفر له. ولكن كما قلنا يجوز أن تتعامل معه في الأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك مما لا يخالف شرع الله جل وعلا. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.