الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء إلى قريش يبلغهم أنه جاء معتمراً لا محارباً، وعرض عليهم الهدنة والخلوة بينه وبين الناس. وتوعد بالقتال حتى الموت إن منعوه من البيت، بينما جمعت قريش الأحابيش لصدّه.
علمت قريش بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم فاستعدت للقتال، وأرسلت بديل بن ورقاء للتفاوض فأكد النبي أنه جاء معتمراً فقط. وأشار إلى أن قريشاً أنهكتها الحروب السابقة كبدر وأحد والخندق حيث قُتل كبار قادتها.
بعد مقتل قادة قريش في بدر تولى أبو سفيان القيادة وقاد غزوة أحد التي استشهد فيها سبعون مسلماً، ثم فر المشركون أمام ملاحقة النبي صلى الله عليه وسلم، وتلا ذلك غزوة الأحزاب التي دبرها حيي بن أخطب حيث حاصر المشركون المدينة لكن الله نصر المؤمنين. بعدها أعلن النبي صلى الله عليه وسلم انتقال المبادرة وعرض الصلح على قريش بعد استنزافهم بالحرب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي ما ذكره بديل بن ورقاء الخزاعي للنبي عليه الصلاة والسلام، وأن قريشًا ستتصدى عن البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنا لم نجئ لقتال أحد، إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر... فإن شاءوا أن يدخلوا مع الناس دخلوا، أو فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، أي قد ارتاحوا وراحوا أنفسهم. وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي»، أي: حتى تذهب عنقي، أي أنه سيقاتلهم حتى ولو قُتل. «ولينفذن الله أمره»، معنى: شاءوا أم أبوا، فأمر الله نافذ. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فهذا الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام أولًا، كما قد ذكرنا من قبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خرج من المدينة لأجل أن يقاتل أحد، ليس لأجل أن يقاتل أحد، وإنما خرج لأجل أن يعتمر، أن يذهب إلى العمرة. ومعلوم عند العرب أن المعتمر لا يُصد عن البيت، من جاء لأجل العمرة لا يُصد عن البيت. لكن قريش خرجت وافتعلت الأفاعيل لأجل أن تصد النبي عليه الصلاة والسلام عن البيت، وكأن البيت لهم. فلهذا سيأتي معنا أن بعض من أرسلوا أرسلوه كان يعظم البُدْن، يعظم الإبل التي تكون هديًا للمعتمر أو الحاج، فلما رأى البُدْن مقلدة رجع إلى أهل مكة وأخبرهم: «أنكم تصدون عن هذا البيت، تصدون عن هذا البيت»، وقد كانت العرب لا يُصد أحد عن هذا البيت جاء معتمرًا. فلهذا قريش من حنقهم ومن حقدهم أرادوا أن يصدوا النبي عليه الصلاة والسلام عن البيت. وقد ذكر بديل بن ورقاء أنهم قد جمعوا للنبي عليه الصلاة والسلام، وجاء في رواية أنهم جمعوا الأحابيش، عن الذين يأتون من الحبشة، وكانوا يطعمونهم، يطعمونهم عدة، منذ أن علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج من المدينة، أو بعدما خرج علموا. وقد ذكرنا في بداية هذه الغزوة أن قريشًا علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى مكة معتمرًا، لكن لا يُدري من الذي أعلمهم. فجاءت روايات أن الذي أعلمهم هاتف من هواتف الجن والشياطين أعلمهم بذلك. ومن الناس من يقول: إنما علموا لما جاء خالد بن الوليد بعدما رأى طليعة الجيش وأيضًا غبار الجيش، جيش النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل غير ذلك. المهم أن قريشًا علمت، فمنذ أن علمت وهي تعد وتتهيأ للقتال، تعد وتتهيأ للقتال. فلما جاء بديل بن ورقاء وقد ترك أهل مكة أو قريشًا يستعدون ويتهيؤون، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية. والنبي عليه الصلاة والسلام كان قادمًا إلى مكة، وقد لقي بعض الناس كما قد ذكرنا، ما جاء في صحيح مسلم عن أنس أنه لقي بعض الشباب الذين تجمعوا لأجل قتاله، لكن حاصرهم فسلموا أنفسهم، فتركهم النبي صلى الله عليه وسلم، فتركهم وذهبوا إلى مكة. ثم إن بديل بن ورقاء خرج من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قد ذكرنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جئنا معتمرين، ما جئنا لنحارب، لنحارب، لنحارب أحدًا». وقد ذكرنا أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام هل خرج بسلاح أو لم يخرج؟ فبعض جاء عند الواقدي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج معه بسلاح، لكن هذا ليس صحيحًا، خرج بسلاح قليل كما جاء في بعض الروايات في البخاري أنه خرج بسلاح، لكنه قليل. معناه: أن الرجل معه سيفه، لم يخرج على أنه يريد حربًا، وإنما لأجل الدفاع عن النفس. معناه: إذا وجد من يصدّه عن البيت سيحاربه حتى يذهب، حتى يأتي إلى البيت. فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إنا ما جئنا لقتال أحد أو لحرب أحد، وإنما جئنا معتمرين». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب». قريش قد نهكتهم الحرب، أي مع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه لم يقاتلوا أحدًا منذ فترة من الزمن إلا قتالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة حروب: في بدر، وأحد، والخندق (الأحزاب). ففي بدر حزمهم الله عز وجل، وقتل صناديد قريش، عن كفار قريش الكبار قُتلوا في بدر: أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة أو ابن عتبة، وكذلك أيضًا الشقي عقبة بن أبي معيط، وغيرهم من هؤلاء القادة. ومنهم أيضًا أمية بن خلف قُتل أيضًا يوم بدر في آخر الحرب، لما كان جاء إلى عبد الرحمن بن عوف، وكان صاحبه، صاحبه عبد الرحمن بن عوف في الجاهلية، فقال له: أجرني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذه عبد الرحمن لأجل أن يجير، أو أنه طلب منه عبد الرحمن أن يجيره عند النبي صلى الله عليه وسلم، فوافق لأجل أنه مهزوم. فلما مرّ رآه بلال، وقد كان أمية بن خلف هو الذي يعذب بلال في الصحراء، فلما رآه قال: «أمية بن خلف، عدو الله، لا نجوت إن نَجَا». فقام وقام معه جماعة من الأنصار، فكان يريد عبد الرحمن بن عوف أن يصدهم، أن يقتلوه، لكنه لم يستطع فقتلوه. فالمهم أن هؤلاء الصناديد كلهم قُتلوا، وهذا هزيمة عظيمة تفت في عضد الناس. معنى: الذي يكون عنده قادة ويقاتل بهم، وكذا وهم الذين يقودون الحروب، وكذا ثم يُقتلون كلهم عن بكرة أبيهم أو أكثرهم، فلا شك أنه يحصل في ذلك الجيش أو ذلك القبيل أو غيره يحصل فيها نقص كثير. ثم أخذ الراية والقيادة أبو سفيان بن حرب، وقاتل في أحد انتقاما لأهل بدر، وحصل ما حصل في أحد: قُتل من المسلمين سبعون رجلًا، ولم يأسروا أحدًا من المسلمين، لم يأسروا أحدًا أبدًا. بل النبي عليه الصلاة والسلام لما انتهت الحرب ورجع إلى المدينة أرسل جيشًا يتابعهم حتى وصلوا إلى حمراء الأسد، ولما علم أبو سفيان أن جيش النبي صلى الله عليه وسلم وراءهم أسرعوا إلى مكة، أسرعوا إلى مكة حتى لا يلتقوا معهم مرة أخرى لأنهم تعبوا من الحرب. فالمهم أن مرت أحد، وحصل للنبي صلى الله عليه وسلم ما حصل، حصل لجيش ما حصل. ثم جاءت الأحزاب، والذي كان خطط لهذه الحرب، حرب الأحزاب أو الخندق، هو حيي بن أخطب، حيي بن أخطب اليهودي، هو الذي ذهب إلى مكة وأجج أهل مكة، وأيضًا ذهب إلى بعض القبائل التي هي تعادي النبي صلى الله عليه وسلم كغطفان وهوازن وغيرها، وأيضًا كلم كثيرًا من العرب، وجاءوا مع أهل مكة إلى المدينة، لكن هزمهم الله عز وجل كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. أنا كانت غزوة الأحزاب أشد عليهم حتى من أحد، حتى بلغت القلوب الحناجر، وقارب الكفار قاب قوسين من الدخول إلى المدينة، لكن الله عز وجل أنزل عليهم الريح وشتتهم، ورجعوا مهزومين إلى مكة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعدها: «الآن نغزوهم ولا يغزونا». أنا علم النبي صلى الله عليه وسلم وأوحى الله عز وجل إليه أنهم ما يستطيعون بعدها أن يغزوهم، فقال: «الآن نغزوهم ولا يغزونا». وفعلا فبعد خيبر لم يأتِ أهل مكة ولم يفعلوا شيئًا من غزو النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاءت الحديبية، فأرادوا أن يصدوا النبي عليه الصلاة والسلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن قريشًا قد نهكتهم الحرب، فإن أرادوا أن أماددهم مدة»، فأرادوا أن أماددهم، أي: أصالح بيني وبينهم ويتركوني والناس، أنا أصالح معهم وأنا أدعو الناس إلى دين الله جل وعلا. فإن شاء الله تعالى هذا شيء مما يذكر في هذا المقام، ونكتفي بذلك، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.