المسائل الفقهية من قول خير البرية 5

المسائل الفقهية من قول خير البرية 5

النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين وأحكام صيام آخر شعبان

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الناهي عن صوم يوم أو يومين قبل رمضان إلا لمن كانت له عادة صيام، ويستعرض أقوال العلماء في صيام آخر شعبان مقسمين إياه إلى ثلاث حالات: صوم الاحتياط لرمضان وهو منهي عنه، وصوم النذر أو القضاء أو الكفارة وهو جائز، وصوم التطوع المعتاد وهو جائز إذا صادف عادة الصائم.

أحكام صيام يوم الشك وآخر شعبان وصله برمضان

اختلف العلماء في صيام يوم أو يومين قبل رمضان: فجمهورهم جوزوا صيام القضاء والكفارة والنذر، وكره الشافعي وأحمد وغيرهما التطوع المطلق لغير المعتاد، بينما رخص مالك في التطوع المطلق. والصحيح جواز صيام من له عادة كصيام الإثنين والخميس إذا صادف آخر شعبان، واستدلوا بحديث عمران بن حسين: «إذا أفطرت فصم يوماً أو يومين»، أما من لا عادة له فينهى عن التقدم احتياطاً لرمضان بحديث أبي هريرة.

أسباب كراهة التقدم بصيام يوم أو يومين قبل رمضان

يذكر المقطع ثلاثة معانٍ لكراهة صيام يوم أو يومين قبل رمضان: الاحتياط لرمضان، والفصل بين الفرض والنفل، والتقوي على الصيام (وهو معنى مردود). ويرجح قول الإمام الشافعي بتحريم هذا التقدم سواء للاحتياط أو للتطوع المطلق.

المسائل الفقهية من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وسياق الدرس

يتناول هذا المقطع المسائل الفقهية المستمدة من أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما يشرحها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث. وقد قامت نانسي قنقر بترجمة هذا المحتوى.

التفريغ النصي الكامل

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فهذا مجلس خامس من المجالس التي نعقدها في المسائل الفقهية من أقوال خير البرية عليه الصلاة والسلام. وقد أخذنا في تلك المجالس بعض الحديث مما يتعلق بشهر شعبان وصومه، وإن شاء الله تعالى في هذا المجلس أيضًا نأخذ حديثًا من حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صوم شعبان. والحديث هو ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم». فليصم ذلك اليوم. هكذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث. والحديث كما قلنا أخرجه الإمام مسلم رحمه الله. وفي هذا الحديث التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين، لمن لم يصادف عادة له أو يصله بما قبله. فقد تقدم معنا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصل شعبان برمضان، فما جاء في حديث أم سلمة وعائشة. فإن لم يصله، ولا صادف عادة، فهذا داخل في هذا النهي. وصرح كثير من العلماء بالتحريم. ولهذا، فإن وصله بما قبله، أو صادف عادة له، فإن كانت عادته مثلًا صوم يوم الإثنين ونحوه فصادفه فصامه تطوعًا بنية ذلك، أجزأ لهذا الحديث. أجزأ أن ينوي صيام ذلك يوم الإثنين؛ لأنه كان يصوم يوم الإثنين وأراد صوم الإثنين. وسواء في النهي هنا، لمن لم يصادف عادته ولا وصله، يوم الشك وغيره. فيوم الشك داخل في النهي، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفي هذه المسألة مذاهب عن السلف، لكن نحن نلخص أولًا ما قاله العلماء في تفسير هذا الحديث. فهناك في صيام آخر شعبان في هذا الحديث، فيه كما قلنا النهي الصريح. لكن ما المراد بهذا النهي؟ فهل المراد أنه يصوم بنية رمضان، أو أنه يدخل فيه كل نفل مطلق، أو أنه كذلك يدخل فيه غيره من هذه الأشياء؟ فجاء عند العلماء في صيام آخر شعبان ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصوم بنية الاحتياط لرمضان، بنية الاحتياط لرمضان. فهذا منهي عنه، وإن كان قد فعله بعض الصحابة رضي الله عنهم، مثل ما جاء عن عمر، وعن علي، وعن جابر. وجاء عنهم أنهم قالوا: جاء عن بعض الصحابة أنه كان يقول: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان». وكأنهم لم يبلغهم النهي عن ذلك. وفرق الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما بين يوم الغيم والصحو في يوم الثلاثين من شعبان: إذا كان يوم غيم فإنه يصوم، وإن كان يوم صحو فإنه لا يصوم. وتبعه في ذلك الإمام أحمد رحمه الله. فهذا الوجه الأول: أن يصومه احتياطًا. وهذا قد جاء النهي عنه صراحة في هذا الحديث. والحالة الثانية: أن يصام بنية النذر، أو قضاء عن رمضان، أو عن كفارة ونحو ذلك. فهذا مثلًا: امرأة عليها قضاء، فإذا لم تقض ذلك اليوم، أو تصوم ذلك اليوم، لدخل في رمضان الآخر، فلذلك يكون يوم فتقضي في ذلك اليوم، أو كفارة يمين يصادف أيامًا يصومها، تدخل في هذه الأيام، أيام الكفارة، أو تدخل هذه الأيام آخر شعبان في كفارة له ونحو ذلك. فهذا جوزه جمهور العلماء. وجوزه جمهور العلماء، وبعض العلماء ممن أمر بالفصل بين شعبان ورمضان، وهم جاء عن طائفة من السلف، منهم الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله، وجاء أيضًا كراهته عن أبي حنيفة، ويذكر أيضًا في مذهب الشافعي رحمه الله. لكن الصحيح أنه يجوز، وهو ظاهر الحديث، كما قال الإمام النووي رحمه الله: فإنه من صام بنية النذر، أي مثلًا صام يوم الإثنين أو الخميس، أو قضى عن رمضان، أو له كفارة، فإنه يجوز أن يصوم ذلك اليوم. والحالة الثالثة: أن يصام بنية التطوع المطلق. يصوم ليس احتياطًا، وإنما أراد أن يصوم في هذه الأيام، أراد أن يصوم مثلًا، يكون رجل قد تفرغ عن عمله قبل رمضان بيومين أو ثلاثة، فيقول: سأصوم هذين اليومين تطوعًا لله جل وعلا. فهذا كرهه أيضًا جماعة من السلف، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله، وهو قول الحسن كما ذكرنا. بل جاء للحسن: وإن وافق صومًا كان يصوم. لكن الصحيح أنه إن وافق صومًا كان يصومه، جاء في الحديث جواز ذلك: «إلا صومًا كان يصومه». ورخص الإمام مالك في هذا الأمر، إذا كان سيصوم صيامًا على أنه تطوع مطلق، فله أن يصوم. ورخص كما قلنا فيه مالك ومن وافقه. وفرّق الإمام الشافعي رحمه الله، والأوزاعي، وأحمد، وغيرهم، بين أن يوافق عادة أو لا. إن كان وافق عادة له يصومها، أي يصوم مثلًا الإثنين والخميس، فله ذلك. وبين صيامه بأكثر من يومين ووصله برمضان، فهذا أيضًا إذا كان مثلًا صام أكثر من يومين ووصلها بعد ذلك برمضان، أيضًا عندهم لا يكره، إلا عند من كره الابتداء بالتطوع بالصيام بعد نصف شعبان، مثل عند الشافعي رحمه الله بعد السادس عشر من شعبان، فإنه ينهى عنه. وكذلك أيضًا، أما من مثلًا رأوا أن هذا لا يدخل إلا في الاحتياط، كمالك رحمه الله، فإنه رأى الترخيص في هذا؛ لأن الإمام مالك يقول: إنني وجدت العلماء يقولون بهذا، أي أن هذا حديث أبي هريرة يحمل على من صامه احتياطًا. وهذا منهي عنه عند أكثر السلف. لكن هل من صام مثلًا تطوعًا، صام تطوعًا مطلقًا كما ذكرنا، إذا تفرغ مثلًا أراد أن يصوم، هل له أن يصوم؟ نقول: لا، لا نقول لا؛ لأن الحديث قد جاء بالنهي عن ذلك. ففي الجملة، فحديث أبي هريرة هو المعمول به في هذا الباب عند كثير من أهل العلم، وأنه يكره التقدم قبل رمضان بالتطوع بالصيام بيوم أو يومين، لمن ليس له به عادة، ولا سبق منه صيام قبل ذلك في شعبان متصلا بآخره. وأن من كان مثلًا يصوم من شعبان، ولو كان لم يصوم الشهر كله، فإنه له أن يصوم كذلك. ولهذا جاء في الصحيحين بالحديث: عمران بن حسين، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: «أصمت سَرَر الشهر؟» ويقال: سَرَر الشهر. فقال له: «إذا أفطرت فصم يومًا أو يومين». شك الراوي في الحديث: «صم يومًا أو يومين». فهذا الحديث يدل على أن من واصل في شعبان، فإنه له أن يصوم. وقد تقدم أيضًا الأدلة في ذلك، وحمل هذا الحديث على هذا، وحمل كذلك على من كانت له عادة في صيامه فصادفت تلك الأيام. فإن لم يصمها ودخل عليه رمضان، فإنه يصوم بعد العيد. ولهذا فإنه يحمل هذا الحديث كما قلنا. فخلاصة ما يذكر في كراهة التقدم هي ثلاث معانٍ: أحدها: أنه على وجه الاحتياط لرمضان، فينهى عن التقدم قبله؛ لأن لا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه، كما نهي عن صيام يوم العيد لهذا المعنى. حذر ما وقع فيهم، الكتاب في صيامهم، أنهم يصلون صيامًا بصيام. فإن كان احتياطًا، فإن هذا المعنى فيه. وقد جاء عند الطبراني رحمه الله بإسناد لا بأس به، عن مسروق قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها، فأرادت أن تعمل لي طعامًا، فقلت: إني صائم. وكان ذلك اليوم يوم الثلاثين من شعبان. فقالت له: كيف صمته؟ أأردت أن تصله برمضان؟ فقال: لا، وإنما كنت أصوم من شعبان فصمته. فقالت رضي الله عنها: إن ناسًا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾. فقالت عائشة: «إنما الصوم صوم الناس، والفطر فطر الناس». فلذلك كان من السلف من يتقدم للاحتياط، والحديث حجة عليه. جاء كما ذكرنا قبل أنه عن بعض السلف أنهم كانوا يتقدمون، والحديث حجة عليهم. ولهذا، كما قلنا أيضًا، يدخل فيه صيام يوم الشك. وإن شاء الله سنفرده بمجلس آخر، أي صيام يوم الشك. لكن هنا في الصيام المتقدم الذي يقدمه الإنسان احتياطًا على رمضان، فإنه لا يجزئ، لا يجزئ. والمعنى الثاني من المحتمل فيه الكراهة: الفصل بين صيام الفرض والنفل. فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع. بعضهم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذين اليومين، وهو أن يتقدم رمضان بيوم أو يومين، لأجل الفصل بين الفرائض والنوافل. وهذا كما حصل أيضًا في الصلوات، فإنه يفرق بين الفريضة والنافلة. وأيضًا كذلك جاء هناك معنى ثالث: سبب الكراهة أنه نهي عن ذلك لأجل التقوي على صيام رمضان، لأجل التقوي على صيام رمضان. فإن مواصلة صيام قد تضعف عن صيام الفرض. لكن هذا ليس بصحيح، وقد رده جماعة من العلماء؛ لأنه قد يحصل هذا قبل أيضًا رمضان بأيام، فيقال: يكره. وقد يحصل أيضًا هذا في من يصوم شعبان، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بل أنه صحيح أن من يصوم قبل رمضان فإنه يتقوى ويتمرن على الصيام. ولهذا كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يسرد الفطر أحيانًا، ثم يسرد الصوم، لتقوى بفطره على صومه، لتقوى بفطره على صومه. هذا في الأيام الأخرى الذي يكون من داوم صيامه. أما هذا فإنه يتعذر هنا لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان. ففي استحباب أن الإنسان يصل شعبان برمضان. وكذلك أيضًا في أن النهي قد يكون أيضًا لمن قال هذا قبل اليوم واليومين. وقد تقدم أن ذكرنا مسألة صيام ما بعد نصف من شعبان في الحلقة التي قد تقدمت. وهنا إن شاء الله تعالى نخلص من هذا الحديث: أنه ينهى عن أن يصوم الإنسان قبل رمضان بيوم ويومين، سواء كان احتياطًا لرمضان، أو كذلك للتطوع المطلق الذي ليس فيه احتياط، فكذلك يدخل في هذا المعنى. وهو كما قلنا قول الإمام الشافعي رحمه الله، وهو الصحيح في هذه المسألة. وأيضًا هناك أمور أخرى أو معاني أخرى لأجل هذا النهي عنه، نذكرها إن شاء الله تعالى في الكلام على النهي عن يوم الشك. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين. ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر