الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 37

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 37

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 37، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صيانة الله لنبيه قبل البعثة

يتحدث المؤلف عن حفظ الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام من الشرك وعبادة الأوثان قبل نبوته، ويبرز تمسك النبي بالتوحيد ورفضه لعبادة الأصنام. كان يعيش بين المشركين دون أن يشاركهم في عبادتهم.

موقف النبي من شرك قومه

كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام لا يشارك قومه في شركهم، بل كان مخالفا لهم في بعض البدع التي ابتدعوها، مثل عدم خروجه إلى عرفة في الحج، ولم يمس الأصنام ولم يشارك في عبادتهم.

توطئة لتلقي الوحي

كان النبي عليه الصلاة والسلام قبل بعثته متدينا بما يصح عنده من شريعة إبراهيم، وقد صانه الله عن الأفعال السيئة واتصف بمكارم الأخلاق، مثل صلة الرحم وإكرام الضيف وإعانة المحتاج.

ختام التوطئة والدعاء

يختتم المتحدث التوطئة بالإشارة إلى الدروس القادمة ويدعو الله أن ينفعهم بما قاله، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وبعد خمس وثلاثين حضر بنيان بيت الله لما أندثر، وحكموه ورضوا بما حكم في وضع ذاك الحجر الأسود، ثم وبعد عام أربعين أرسلا في يوم الاثنين يقينا فانقلا. بعدما تكلم المؤلف وأشار رحمه الله تعالى إلى مسألة بناء الكعبة، وقد أطلنا النفس في هذه المسألة بتتبع أهم الأحداث التي وقعت للكعبة، سواء كان في زمنه عليه الصلاة والسلام أو ما كان بعد ذلك، وما كان من تغيرات وقعت في البيت أو ما كان من هدم للبيت. وبعد ذلك انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى مرحلة أخرى من حياته عليه الصلاة والسلام، وذلك حين بلغ أربعين عاما، فقال: وبعد عام أربعين أرسلا في يوم الاثنين يقينا فانقلا. وقبل الدخول والشروع فيما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى من مسألة نزول الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو في سن الأربعين، أحب أن أذكر شيئا يتعلق بتوطئة وتمهيد لنبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. وذلك يتضح جليا فيما كان من حفظ رسول الله عليه الصلاة والسلام عما يسوءه في عقله وفي أخلاقه وفي دينه، إذ أن الله عز وجل قد صانه في شبابه عن ذلك جميعا، صانه ربنا سبحانه وتعالى من أن يقع نبينا في شيء يمس بعقله، يمس بدينه وبأخلاقه وبما يكون من عرضه عليه الصلاة والسلام. ومن ذلكم إخواني في الله ما كان من صيانة الله لنبينا عليه الصلاة والسلام من أن لا يقع في أعمال المشركين. وسبحان الله، نبينا عليه الصلاة والسلام قد عاش مع قوم كفار في مدخله ومخرجه في حله وترحاله في بيعه وشرائه، قومه يعبدون الأوثان والأصنام، ومع ذلك ما عبد صنما عليه الصلاة والسلام. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: حدثني جار لخديجة، حدثني جار لخديجة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول لخديجة: «أي خديجة، والله لا أعبد اللات، والله لا أعبد العزة، والله لا أعبد أبدا». فتقول لخديجة مقررة لهذا الكلام: خل اللات، خل العزة. قال: وكانت صنمهم، أي هذا الجار قال: وكانت صنمهم التي كانوا يعبدون، ثم يضجعون، أي كان هذا النقاش والحوار يسمعه الجار بين خديجة وبين رسول الله، وأن النبي منذ قبل نبوته وعلى حالته قد أبغض إليه عبادة الأوثان من اللات والعزة. «والله لا أعبد اللات، والله لا أعبد العزة»، وكانت خديجة الحكيمة تقرره بهذا وتقر على فعله وعلى قوله وعلى اعتقاده، «دول خل اللات خل العزة» أي لا تبال بها. وهذا الأثر أخوان في الله ذكره الهيثمي رحمه الله تعالى في مجمع الزوائد وصححه، وهكذا الإمام أحمد شاكر رحمه الله تعالى، وهكذا جماعة من العلماء على تصحيحه. ومما يؤيد هذا المعنى من أن الله صان نبينا عليه الصلاة والسلام ومن أن يقع في براثن الشرك ما رواه البيهقي عن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه قال: كان صنم من نحاس يقال له إساف أو نائلة، صنم من نحاس يقال له إساف أو نائلة يتمسح بها المشركون إذا طافوا. فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه، وكان بيطوف حول الكعبة لا يبالي بالأصنام ولا يكترث بها، قال: وطفت معه، فلما مررت مسحت به، أي على هذا الصنم لأنه كان على دينه زيد بن حارثة على الأصل أنه كان مع قومه. فحكى زيد أنه مسح على هذا الصنم المصنوع من نحاس، قال: فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمسه، لا تمسه، لا تفعل هذا» ينهي عن هذا الفعل. قال زيد: فطفت مرة أخرى، فقلت في نفسي لأمسنه، أي لا أعيد هذه الكرة، قال: حتى أنظر ما يكون، أي ماذا سيفعل، قال: حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تنهى، ألم تنهى». فقال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما قط حتى أكرمه الله وأنزل عليه. وهذا يدلك على أن هذه الحادثة كانت قبل إنزال الوحي عليه، وكان مع قومه معظما للكعبة يطوف حول الكعبة، ومع ذلك ما كان يقع في الذي وقع به قومه من تعظيمهم وتمسحهم للأصنام والأوثان. ولهذا أنكر على زيد بن حارثة، قال: «ألم تنهى» أي أنهاك عن هذا الصنيع. ثم علق زيد قال: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما قط حتى أكرمه الله وأنزل عليه. وهذا الحديث رواه البيهقي والطبراني، وقال العلامة الألباني إسناده حسن، وهكذا ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند من دلائل النبوة. وهنا عبارة قالها الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: من قال إن رسول الله على دين قومه فهو قول سوء، فهو قول سوء. أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب؟ كذلك مما صانه ربنا أن صان نبينا من الابتداء ومن الوقوع في الإحداث، أي عما علم وعرف من دين إبراهيم عليه السلام، أي ما علم وعرف على دين إبراهيم، كان هناك بقايا من دين إبراهيم من دين إبراهيم سار عليها العرب إلا أنها غيرت وبدلت. وكان من توفيق الله أن نبينا عليه الصلاة والسلام ما وقع في هذا التغيير والتبديل الذي عليه قومه، الذي كان عليه قومه. ويظهر ذلك جليا في مسألة الوقوف بعرفة، في مسألة الوقوف بعرفة بعرفة، إذ كان نبينا كما سيأتي يقف بعرفة في مواسم الحج. وهذا كان على خلاف الحمس، والحمس يطلق على أهل قريش، وهذا اللقب المقصود منه أن الحمس والأحمس هو الشديد على دينه، الشديد على دينه. وكانت قريش تذكر بهذا الوصف بأنهم الحمس، أي بأنهم أهل الدين وأهل البيت وأهل العبادة، فكانوا المرجع في الجزيرة في مسألة التدين والتعبد والتحنس إلى مكة. فكان قريش تعتبر نفسها أنهم الحمس، أي هم أهل الدين وأهل البيت وأهل المناسك. وكان من أهم أهل قريش حينها أنهم في مناسك الحج ما يخرجون إلى عرفة، لا يخرجون إلى عرفة، الناس يذهبون، نعم الناس يذهبون إلى عرفة إلا أهل قريش فإنهم يبقون في داخل مكة. لماذا؟ لأنهم يرون أن أهل مكة لا يخرجون عن حدود الحرم، لا يخرجون عن حدود الحرم بل يبقوا فيها، وأما سائر الناس يذهبوا إلى عرفة. فكان هذا من ابتداع أهل قريش لهذه البدعة والإحداث في دين إبراهيم عليه السلام. ولهذا لما جاء الإسلام أبطل هذه المسألة. الشاهد أننا نريد أن نتعرف كيف كان موقفه عليه الصلاة والسلام. فقد جاء من حديث جبير بن مطعم كما جاء في البخاري من حديث محمد بن جبير عن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، له بعير قد ضل السبيل، فبحث عنه في هذا اليوم بالذات في يوم عرفة. قال: أضللت بعيرا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة، فقلت: هذا والله من الحمس، فما شأنه هاهنا؟ هذا والله من الحمس فما شأنه هاهنا؟ قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى معلقا على هذا الحديث قال: والمعتمد أن هذه القصة كانت في الجاهلية قبل الإسلام، أنها كانت في الجاهلية قبل الإسلام، أي أنه كان في أيام الجاهلية كان مخالفا لقومه في هذه البدعة التي ابتدعوها. فكانوا لا يخرجون إلا أنه كان يخرج إلى عرفة ويقف حيثما وقف الناس صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا من توفيق الله أن وفقه على التمسك بما كان عليه إبراهيم من مناسك. كذلك ثالثا مما صانه ربنا سبحانه وتعالى أن صان نبينا عن ما يسوءه من الأعمال والأقوال، كل عمل أو سلوك رديء، فكان الله جل وعلا يبعد نبينا عنه ويجنبه أن يقع في ذلك. ومن ذلك ما مر معنا في مسألة كشف العورة، ما مر معنا لو تذكرون في قضية بناء بيت الله الحرام الكعبة، وكيف أن النبي وطبع هذا من عادة الكفار أنهم يتساهلون في كشف العورات وخاصة في مسألة الأعمال إلى غير ذلك. فكانوا يتساهلون في هذا الباب، وقد ثبت ذلك في الصحيحين من حديث جابر، كما قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس: اجعل إزارك على رقبتك تقيك من الحجارة. أي تحمل أنت الحجارة وهي قد تؤدي إلى الخدش والجرح في العاتق وفي الرقبة، هذا الإزار انزعه واجعله على ظهرك واحمله، لأن هذا كان أمر ليس فيه شيء عادي، رجل مع رجل وفي أعمال الأمر في ذلك سيان. فقال: اجعل إزارك على رقبتك تقيك من الحجارة. ولهذا جاء في رواية قال: فجعله على منكبه فسقط، أي نبينا فسقط مغشيا عليه، فلما أفاق قال: «إزاري إزاري» فشد عليه إزاره، فما رؤيا بعد ذلك عريانا، فما رؤيا بعد ذلك عريانا. من أين هذا؟ من توفيق الله، لم يرد ربنا جل وعلا من أن نبينا يقع في الذي عليه هذه الأفعال من أفعال قريش من كشف العورة، فستر الله عورته، وماذا؟ ووقعت له هذه الحادثة فسقط مغشيا عليه، فما كشف عورته بعد ذلك عليه الصلاة والسلام. ولهذا يقول أبو الوفاء علي بن عقيل رحمه الله تعالى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متدينا قبل بعثته ونزول الوحي بما يصح عنده من شريعة إبراهيم، كان يسير على ما سار عليه إبراهيم عليه السلام بما ثبت ووصل عندهم من أعماله ودينه وشريعة إبراهيم عليه السلام. كذلك رابعا مما صانه ربنا أن صانه من الأخلاق الفاسدة والآداب الردية، وإنما جبله ربنا جل وعلا على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. وكذلك لو تذكرون قد مر معنا عندما تنازع أهل قريش في وضع الحجر الأسود اصطلحوا على ماذا؟ على أنهم سيحكموا أول من يدخل عليهم، فمن كان الداخل نبينا عليه الصلاة والسلام، وماذا قالوا على إثر ذلك؟ قالوا: هذا الأمين، هذا الأمين، رضين به حكما. من أين جاء وصف الأمانة؟ لما علموه من فعله ولما كان من خلقه عليه الصلاة والسلام، أنه قد ضرب في الأمانة مبلغا عظيما حتى أنه وصف بالأمين، هذا متى؟ قبل بعثته عليه الصلاة والسلام. أيضا يدل على سمو أخلاقه ما جاء في الصحيح من حديث عائشة عندما حكت لنوسئة هذا معنا عندما جاء نبينا من الغار فزعا، قالت خديجة وهي تذكر رسول الله بمناقبه ومآثره وما كان من أخلاقه: «كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتقر الحديث وتعين على نوائب الحق». هذه الخصال متى كانت؟ كانت لرسول الله قبل بعثته، قبل بعثته وقبل أن ينزل عليه الوحي. وقد جبله الله على هذه الأخلاق الفاضلة من صدق الحديث ومن صلة الرحم ومن إعانة الملهوف ومن قضاء الحوائج إلى آخر ذلك من خصائله. وكل ذلك من توفيق الله لنبيه عليه الصلاة والسلام، كل ذلك توطئة له عليه الصلاة والسلام في أن يتلقى الوحي بعد ذلك. هذا إخواني في الله مقدمة، وسيأتي معنى كذلك ما كان من الرؤيا الصادقة وما كان من حبه للخلوة عليه الصلاة والسلام، كل ذلك إيذانا بدنو قرب نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم. فهذه إخواني في الله إشارة لهذه التوطئة والتي ستأتي معنا في دروس قادمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.