الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 35، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يستعرض هذا الفصل الدروس المستفادة من قصة بناء الكعبة وتحكيم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أخلاقه وحكمته. يبرز أهمية دور المسلم الفعال في مجتمعه وحفظ الله لنبيه من العيوب.
بعد تشييد قريش للكعبة، أدخلت عليها تغييرات شملت زيادة الارتفاع ووضع سقف ورفع بابها. هذه التغييرات هدفت لتحسين البناء والتحكم في الدخول.
تضمنت التغيرات في عهد قريش رفع باب الكعبة وإخراج جزء من أصلها وتزيينها بالرسومات. تم تقييم هذه التغيرات لاحقًا وفقًا للشرع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الحديث عن قول الناظم رحمه الله تعالى: «وحكموه ورضوا بما حكم في وضع ذاك الحجر الأسود»، ثم وأشرنا إلى الروايات والمرويات المتعلقة باقتصام أهل قريش عند بناء الكعبة في وضع الحجر الأسود، فكان من توفيق الله جل في علاه أنه مصطلح على تحكيم أول رجل يدخل عليهم، فكان نبينا عليه الصلاة والسلام هو من دخل عليهم، وكان من أمره مقترحه بوضع ثوب، ثم يوضع الحجر في وسطه، ثم يقوم أهل العشائر ووجهاء القبائل بأخذ ناحية الثوب، ثم رفعه، فيضعه نبينا بنفسه في موضعه. وهذه القصة، إخواني في الله، وما كان من بناء البيت فيها، عدة مسائل ننوه وننبع عليها لعظيم الحاجة لمعرفة مثل هذه الفوائد. فمما يستفاد من هذه الواقعة ما كان عليه صلوات ربي وسلامه عليه من الأخلاق العالية والآداب السامية، حتى أنه عرف في أيام الجاهلية بالأمين صلوات ربي وسلامه عليه، فلما دخل عليهم تنادوا: «هذا الأمين، رضين به». فكان عليه الصلاة والسلام من كريم أخلاقه أنه قد اشتهر بالأمانة، وكان ذلك قبل مبعثه صلوات ربي وسلامه عليه. وفي ذلك أيضًا ما قد تحل به نبينا عليه الصلاة والسلام من رجاحة عقله وثقوب فهمه، فانظر إلى تلكم الفكرة التي توصل إليها نبينا عليه الصلاة والسلام، فكانت سببًا في نزع فتنة عظيمة كادت أن تدب في قريش. فكان صلوات ربي وسلامه عليه مع كمال خلقه وأدبه، كان على وافر النباهة والزكاء صلى الله عليه وسلم. كذلك مما يستفاد من ذلك أن المسلم ينبغي أن يكون له دور فعال في مجتمعه، أن لا يكون سلبيًا، وإنما يحاول أن يظهر أثره وثماره على أهله وعلى ناسه وعلى مجتمعه، فيحاول أن يصلح قدر الإمكان. وفي ذلك رابعًا ما كان من حفظ الرب لنبيه عليه الصلاة والسلام عما يشينه، وسيأتي هذا معنى في فصل معد يختص بذكر هذه الوقائع والأحداث والأخبار التي فيها أن الله تعالى صان نبيه عما يشينه، ومنها هذا الذي نحن بصدده كما مر معنا عند نقله للحجارة عليه الصلاة والسلام، فلما حل أن حل إزاره حتى أغشي عليه، وسمع بالنداء الذي يأمره بستر عورته، فكان هذا ممن يشينه صلى الله عليه وسلم في شخصه ونفسه. وبهذا تعلم أن المسلم ما ينبغي أن يستهين في كشف العورات كما نرى في مثل هذه الأزمان، فالعورة عورة، ويتسمى بالسوء لأن المرأة يسوء أن تظهر منه لغيره. فهذا، إخواني في الله، مما يذكر كذلك خامسًا مما يعلم من قصة البناء، ما كان عليه الكفار من عنايتهم ببيت الله الحرام، حيث أنهم دفعوا أموالهم وقاموا بأنفسهم ودفعوا بأولادهم وعشائرهم وأتباعهم إلى بناء بيت الله. فإذا كان هذا شأن الكفار، فما ظنك بأهل الإسلام؟ وإن من العجيب يا عبد الله أن تجد البخل قد وصل إلى بعض الناس من أهل الخير والمال، إذ أنه يلأوا بأموالهم في عمارة بيوت الله، كم من مساجد لربما تئن من ضعف إمكانياتها من قلة مصالحها أو من قلة حجمها، وتحتاج إلى توسع أو تحتاج إلى مصلى للنساء أو تحتاج إلى دورات مياه إلى آخره، ومع ذلك كم من ساعي يسعى لهذا المقام فلا يجد من يستجيب له؟ وهؤلاء الكفار وهم مع كفرهم سارعوا وساهموا بكل ما يملكونه في سبيل إنشاء بيت الله. سابعًا مما يستفاد من القصة السابقة ما كان قد استقر في قلوب الكفار من عظيم المبالغة في المال الحلال، إذ أنهم لما وافقوا على هدم الكعبة وعلى بنائها اشترطوا بأن يكون المال المدفوع مالًا حلالًا، لماذا؟ لأنهم يعلمون أن المال الحرام سحت وأنه منزوع البركة. ولهذا يا عبد الله احرص على المال الحلال، وكذلك يعلم أن بيوت الله جل وعلا ما ينبغي أن تبنى أو أن يساهم فيها بأموال ربوية مثلًا، لا ما ينبغي هذا. ولهذا اشترط العلماء أن المال الربوي لا يدخل في بيوت الله، فإنها إنما تبل من حلائل الأموال. فهذا، إخواني في الله، بعض من الفوائد التي تذكر في هذا المقام في بيان ما يستفاد من حادثة بناء الكعبة ومشاركة النبي صلى الله عليه وسلم فيها. نأتي الآن إلى مسألة كذلك ننوه عليها، وهي مما يتم به الكلام عن بناء الكعبة وبيت الله الحرام، ما يتعلق بكيف كان شكل الكعبة الذي قامت قريش بتشييده، وقع التغيرات بين البناء القديم. وقد مر معنا في الدروس الأول حيث تطرقنا إلى هيئة الكعبة كيف كانت، ولما قام الكفار بتشييدها غيروا فيها وبدلوا فيها، وطبعًا للأحسن. وسيأتي بعض الأشياء التي فيها يتم عليهم الانتقاد فيها. ففي هذا المقام، إخواني، فيها سنشير إلى بعض الإشارات إلى بعض التغيرات التي طرأت على الكعبة بعد تشييدها وبنائها. فمثلًا من حيث الارتفاع، مر معنا أن الكعبة كانت قليلة الارتفاع، من تسعة إلى عشرة أذرع ونحو ذلك تزيد قليلًا، لكن بعد التشييد رفعها العرب إلى ثمانية عشر ذراعًا في السماء، وجاء في رواية أبي الطفيل أنهم قد أبلغوا رفعها إلى عشرين ذراعًا في السماء. فهم ما بين ثمانية عشر ذراعًا إلى عشرين ذراعًا، هذا ارتفاعها. فهذا من أعظم التغيرات التي حصلت للكعبة ببناء قريش لها. كذلك من التغيرات أنهم جعلوا لها سقفًا، لأن البناء الأول لم يكن له سقف، لم يكن للكعبة سقفًا، لكن في التشييد القرشي أقاموا له سقفًا، وجعلوا السقف يعتمد على ستة أعمدة من خشب. ثالثًا من التغيرات ما وقع للباب لباب الكعبة، حيث أنهم قاموا برفع الباب عن مستوى الأرض المعهود، الأبواب تكون على مستوى الأرض، هذا الباب وذاك الباب، بيوت الناس على مستوى الأرض يرتفع قليلًا، لكن ما الذي فعلته قريش عند بناء الكعبة؟ أنهم رفعوا الباب على مقدار قامة، وقدرت بمترين، بحيث لا يمكن الدخول إلى الباب إلا عن طريق درج. طيب لماذا فعلت قريش ذلك؟ لماذا هذا التعمد في رفع الباب عن مستوى الأرض ليصل إلى مقدار قامة؟ ذكر بعض المؤرخين من الأسباب أنهم صيانة للكعبة من السيول. لكن الصحيح أن في السنة ما جاء البيان الحقيقي للسبب الذي لأجله رفعت قريش باب الكعبة، وما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «ما شأن بابه مرتفعًا؟» عائشة رضي الله تعالى شعرت كما يشعر أي أحد هذا منظر غريب، فقالت: «يا رسول الله، ما شأن بابه مرتفعًا؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاء ويمنعوا من شاء»، أي التحكم، التحكم ليس كل أحد يدخل، يعني لو كان الباب باب الكعبة على مستوى الأرض، فكل طائف كل طائف يفتح الباب ويدخل. أرادوا هكذا هذا باب بيت معظم، لا يدخله إلا أهل الشرف، ولا يدخل إلا باستئذان من قريش، إذن كيف الاستئذان؟ يستئذن، فإن أذن له بالدرج يؤتى له بالدرج فيصعد، وإلا دون الدرج ما يمكنك أن تصعد. فهم أرادوا بهذا التحكم بحيث ماذا كما قال نبينا: «يدخل من شاء ويمنع من شاء». كذلك رابعًا من التغيرات التي طرأت في الكعبة في تشييد قريش لها أنهم أخرجوا جزءًا من أصل الكعبة من غير بناء، يعني الكعبة لها حدود، فماذا فعلت قريش؟ لم تستطع أن توفي جميع حد الكعبة، وإنما اقتصدت على بعض وتركت جزءًا من أصل الكعبة كما يقال: «صاقط»، أي من غير بناء. وما السبب في ذلك؟ أن النفقة قصرت عليهم، ما استطاعوا جمعوا من الأموال التي اشترطوا فيها الحل، فلا تكون من مظلمة ولا تكون من فاحشة زينة، ولا يكون كذلك من ربا، إذ أن هذه الأموال لم تفي بالغرض، فاستعانوا بها على الحاصل كما يقال. فلما قصرت به من نفقة ما استطاعوا أن يقيموا الهيكل العام للكعبة، لذا أخرجوا ما يقارب ستة أذرع من الجهة الشمالية من أصل الكعبة، فما بنوا، وإنما جعلوا له علامة تدل على حدود الكعبة، وهو المعروف بالحجر. فما بنوا وإنما جعلوا عليه علامة، وبهذا يعلم أن هذا الجذر أو ما يسمى بالحجر هو التبع للكعبة، وحكمه من حكم الكعبة. ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «قد كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه»، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فأدخلني الحجر المكشوف، قال: «فأدخلني الحجر، فقال: إن أردت دخول البيت فصليها هنا، فإنما هو قطعة من البيت، لكن قومك اقتصروا حيث بنوا». وهذا الحديث رواه النسائي، وهكذا أحمد، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء. فالحاصل أن من أراد أن يصلي داخل البيت فليفعل هذا في الحجر، وبهذا تعلم غلط ما يفعله بعض الطائفين أنهم يحاولوا يختصروا الطواف فيمروا بين الكعبة وبين الحجر في الوسط. ولله الحمد هناك الدولة هناك قد قامت بمنع المارة من أن يمروا بين الكعبة والحجر، لأن الطواف ما يكتم إلا بعد الحجر، لأن الحجر يعتبر من البيت. خامسًا مما يذكر كذلك من التغيرات في الكعبة في زمن قريش أنهم في الداخل، أي في داخل البيت، أقاموا رسومات، رسومات وصور جعلوها في داخل الكعبة، وهذه رسومات على حد زعمهم أنها لأنبياء، كرسمة جعلوها لإبراهيم عليه السلام، أو لصالحين، فجعلوا صورة لمريم، كذلك قيل أن هناك خيال لبعض صور الملائكة تخيلوها فكتبوها. فهذا مما وقع في الكعبة. سادسًا كذلك مما فعله أهل قريش في الكعبة أنهم جعلوا لها كسوة، يكسونها، وهذه الكسوة إنما تضيف للكعبة من جمالها وبهائها، وهذا مستمر إلى هذه الأزمان. وكان كما يذكر في كتب التاريخ أن الكسوة سنوية، في كل عام تتجدد هذه الكسوة، وكان في أيامهم في رمضان تغير هذه الكسوة. هذه أهم التغيرات التي وقعت للكعبة في البناء الجديد في وقت قريش. طبعًا هذه التغيرات منها ما نال استحسان الشرع فترك، ومنه ما هم نبينا على تغييره، فما غيره لأسباب، ومنه ما كان مما لا ينبغي أن يبقى فغيره نبينا عليه الصلاة والسلام. فهذا ما يذكره أو ما يذكر في هذا المقام. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.