محاضرة بعد الظهر في مسجد القبلة بالديس الشرقية

الدرس في محاضرة بعد الظهر في مسجد القبلة بالديس الشرقية، محاضرة بعد الظهر في مسجد القبلة بالديس الشرقية شرح حديث ( اتق الله حيثما كنت ) ليوم الخميس 7 رجب 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الترحيب والتمهيد لشرح حديث معاذ بن جبل

استهل المتحدث بالترحيب بالشيخ الزائر ثم شرع في شرح حديث معاذ بن جبل الذي أوصى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بتقوى الله في السر والعلن، واتباع السيئة الحسنة تمحوها، ومخالقة الناس بخلق حسن. وركز على معنى التقوى باعتبارها تحرزًا بطاعة الله عن معصيته مستشهدًا بتعريف طلق بن حبيب لها.

شروط قبول العمل: الإخلاص والمتابعة

يوضح المقطع أن التقوى تتحقق بإخلاص العبادة لله وحده واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقسم الأعمال إلى أربعة أصناف بحسب توفر هذين الشرطين. العمل المقبول هو ما جمع بين الإخلاص والمتابعة، بينما فقدان الإخلاص يُعد شركًا أصغر وفقدان المتابعة يُعد بدعة.

منهج دعاة السنة في التربية والأمر بالمعروف

يبيّن المقطع منهج دعاة السنة في دعوة الناس لإخلاص العمل لله واتباع الرسول والتحذير من المعاصي، مع تفصيل قاعدة اتباع السيئة الحسنة وتمييز الصغائر عن الكبائر. ثم يشرح وصية النبي ﷺ بمخالقة الناس بخلق حسن مستدلاً بحديث «ليأتِ إلى الناس ما يحب أن يؤتوا إليه».

أسباب الزحزحة عن النار ودخول الجنة

يذكر المقطع حديثًا نبويًا يبين أن من أراد النجاة من النار ودخول الجنة فعليه أن يموت مؤمنًا بالله واليوم الآخر، وأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به. وهذا هو ضابط الخلق الحسن الذي يؤدي إلى الفوز بالجنة والنجاة من النار.

التفريغ النصي الكامل

﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. وقال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. فوالله، ثم والله، إنه لشرَفٌ، وإننا في فَرْحَةٍ عظيمة. والله، ونرحب بالشيخ العلامة الوالد، حفظه الله، وبالنجابة. ونقول لهم: طِبْتُمْ وَطَابَ مَمْشَاكُمْ. لهم نرحب بكم جميعًا، بكل من جاء مع الشيخ، كان من المدينة أو كان من أي مكان، نرحب بكم جميعًا، ونقول لكم: أهلًا وسهلًا، وَوُطِئَتْ سَهْلًا، وَطِبْتُمْ وَطَابَ مَمْشَاكُمْ. وعَلَيْنَا أَنْ نَسْتَبْدِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ، مِنْ فَتَاوِيهِمْ، وَمِنْ نَصَائِحِهِمْ، وَمِنْ أَجْوِبَتِهِمْ، وَمِنْ سُنَّتِهِمْ، وَمِنْ أَخْلَاقِهِمْ. فَالْعُلَمَاءُ كَمَا يَقُولُونَ: الْعُلَمَاءُ فِي الْأَرْضِ كَالنُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، الْعُلَمَاءُ فِي الْأَرْضِ كَالنُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، وَالْعُلَمَاءُ أَعْلَامُ الْإِسْلَامِ، وَالْعُلَمَاءُ أَعْلَامُ الْإِسْلَامِ، وَمَثَلُ الْعَالِمِ كَالسِّرَاجِ يَغْتَبِسُ مِنْهُ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنَ النَّاسِ، وَالْعُلَمَاءُ لَوْلَاهُمْ لَكَانَ النَّاسُ كَالْبَهَائِمِ. نَعَمْ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَسْتَبْدِلَ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَنَقُولُ لِشَيْخِنَا حَفِظَهُ اللَّهُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِكُمْ، أَنْ لَبَّيْتُمْ دَعْوَتَنَا، أَنْ تَزُورُونَا فِي مَدِينَتِنَا فِي الْيَمَنِ الشَّرْقِيَّةِ، فَنَقُولُ: أَهْلًا وَسَهْلًا مَرَّةً أُخْرَى. وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ مِنَ الشَّاعِرِينَ لَشَعَرْتُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا، وَلَكِنْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا كُنْتُهُ يَكْفِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَلْيَتَفَضَّلِ الشَّيْخُ، وَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَبَادِئَ ذِي بَدَأْ أَقُولُ: يَعْلَمُ اللَّهُ، أَقُولُ: يَعْلَمُ اللَّهُ، أَقُولُ: يَعْلَمُ اللَّهُ إِنِّي أَرَى فِي نَفْسِي دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، فَلَسْتُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُرَاجِعِينَ، أَوْ ذَوِي الْمُرَجِّعِيَّةِ، بَلْ لَا أَزَالُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ وَأَسْتَبْدِلُ مِنْ أَعِلَّةِ السُّنَّةِ الَّذِينَ مَضَوْا وَهُمْ عَلَى السُّنَّةِ، نَحْسِبُهُمْ كَذَلِكَ. أُحِبُّ أَنْ أَعْرِضَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، زَادَهَا اللَّهُ قُوَّةً وَرِفْعَةً فِي السُّنَّةِ، مَنْ حَضَرَ إِلَيْنَا وَمَنْ يَسْتَمِعُ مِنْهُمْ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ، طُلَّابِ الْعِلْمِ وَطَالِبَاتِهِ، حَدِيثًا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ قِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»، وَ«خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». يَظْهَرُ لِكُلِّ خَطِيبَةٍ وَبَصِيرَةٍ وَفَهْمٍ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ، أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَتَضَمَّنُ ثَلَاثَ وَصَايَا أَوْصَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهِيَ وَصِيَّةٌ عَامَّةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، وَهَذِهِ الْوَصَايَا الْعَامَّةُ فِي الْعِبَادَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالسُّلُوكِ. فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ»، الْمَعْنَى: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ حَيْثُ وَجَدْتَ. فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَعْمُرُ قَلْبَهُ، لَا يَعْمُرُ قَلْبَهُ إِلَّا بِتَقْوَى اللَّهِ، لِأَنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ التَّحَرُّزُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ مَعَاصِيهِ، حِرْزٌ حَصِينٌ يَجْعَلُ الْمُسْلِمَ يَتَّقِي كُلَّ مَا يُغْضِبُ اللَّهِ وَيَسْخَطُهُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَرْكِ كُلَّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَعْنَى التَّقْوَى، قَالَ: «أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ، وَأَنْ تَدَعَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَخْشَى عِقَابَ اللَّهِ». هَذَا الْمَعْنَى، هَذَا الْمَعْنَى يَحْوِي مُضْمُونَ التَّقْوَى بِاخْتِصَارٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ حِينَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِقُرْبَةٍ وَيَعْبُدُ اللَّهَ، وَيَعْبُدُ اللَّهَ بِعِبَادَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَّبِعُ فِي ذَلِكَ مَحْضَ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا أَوَّلًا يَجْهَدُ الْإِخْلَاصَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَثَانِيًا يَجْهَدُ الْمُتَابَعَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَبِهَذَا تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ بَلْ يَضُمُّ إِلَى ذَلِكَ النَّظَرَ فِي هَذَا الْعَمَلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْعَمَلُ مِمَّا جَاءَ فِي كِتَابِ رَبِّهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَارَعَ إِلَيْهِ وَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْعَمَلُ الَّذِي حَسُنَتْ فِيهِ نِيَّتُهُ لِلَّهِ فِيهِ وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِهِ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي كِتَابٍ وَلَا فِي سُنَّةٍ فَإِنَّهُ يَدَعُهُ، وَإِنِ اسْتَحْسَنَهُ النَّاسُ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مُتَابَعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الْعَمَلِ. وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمُسْلِمَاتُ أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنْ عِبَادِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾، ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ﴾، ﴿ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ﴾ يَعْنِي أَوْصَيْنَاكُمْ وَأَوْصَيْنَاهُمْ، فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: وَبِمَاذَا؟ قِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ. وَهَذَا سُؤَالٌ، هَذَا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ وَصَّى بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ مِن قَبْلِنَا وَأَوْصَانَا بِهِ، وَهُوَ التَّقْوَى. مَا بَيَانُهُ؟ بَيَانُهُ وَمُرَادُ اللَّهِ مِنْهُ هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ الْخَالِصَةِ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. وَفِيمَا قَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ، يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ، مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ». إِذَنْ اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الرِّسَالَاتِ وَالنُّبُوَّاتِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّ الْعِبَادَةَ هِيَ مَحْضُ حَقِّهِ لَا شَرِيكَةَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، لَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ. وَكَمَا أَنَّ أَسَاسَ دَعْوَةِ كُلِّ نَبِيٍّ هُوَ هَذَا، فَإِنَّ دُعَاةَ الْحَقِّ وَالْبَصِيرَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُتَأَسِّيَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مَنْ خَتَمَ اللَّهُ بِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، تَقُومُ عَلَى هَذَا. فَدُعَاةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يُخْلِصُوا تَدِينَهُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِلَى أَنْ يَتَابَعُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَا يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ بِهِ مِنْ قُرْبَةٍ. وَلِهَذَا، وَلِهَذَا قَالَ قَائِلُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْأَعْمَالُ أَصْنَافٌ أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهَا مَا كَانَ خَالِصًا لِلَّهِ وَصَوَابًا عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَثَانِيهَا مَا كَانَ خَالِصًا لِلَّهِ وَلَيْسَ صَوَابًا عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثَالِثُهَا مَا كَانَ صَوَابًا عَلَى السُّنَّةِ وَلَيْسَ خَالِصًا لِلَّهِ، وَرَابِعُهَا مَا كَانَ غَيْرَ خَالِصٍ لِلَّهِ وَلَيْسَ صَوَابًا عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. وَإِذَا نَظَرَ الْبَصِيرُ الْحَاذِقُ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: أَصْنَافِ الْأَعْمَالِ الْأَرْبَعَةِ، وَجَدَ أَنَّ أَسْعَدَهَا بِالْقَبُولِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلِمَاذَا؟ لِأَنَّ صَاحِبَهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ شَرْطَيْ قَبُولِ الْعَمَلِ: الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ وَالْمُتَابَعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ قَائِلُ أَعْلَامِنَا: الْعَمَلُ مَتَى فَقَدَ الْإِخْلَاصَ لِلَّهِ كَانَ شِرْكًا صَغِيرًا، وَمَتَى فَقَدَ الْمُتَابَعَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِدْعَةً، وَمَتَى جَمَعَ الْعَمَلُ الْإِخْلَاصَ لِلَّهِ وَالْمُتَابَعَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَمَلَ الْمُوَحِّدِينَ، عَمَلَ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَلِهَذَا، مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، فَإِنَّ دُعَاةَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يُخْلِصُوا الْعَمَلَ لِلَّهِ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى أَنْ يَتَابَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدْعُونَهُمْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَحْذَرُوا الْمَعَاصِيَ الَّتِي هِيَ سَبَبُ سَخَطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ. فَالسُّنِّيُّ فِي دَعْوَتِهِ يَرْبِي النَّاسَ صِغَارَهُمْ وَكِبَارَهُمْ، يَرْبِيهِمْ عَلَى مَحَابِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَعَلَى أَنْ يُؤَدُّوا حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ عِبَادِهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَهْلُ السُّنَّةِ هُمْ أَعْرَفُ النَّاسِ بِالْحَقِّ، كَمَا أَنَّهُمْ أَرْحَمُ النَّاسِ بِالْخَلْقِ». الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا». وَالْمَعْنَى: إِذَا قَارَفْتَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ خَطِيئَةً وَغَشِيتَ ذَنْبًا فَأَتْبِعْ هَذَا الذَّنْبَ مَا يَمْحُوهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ. وَهَا هُنَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِتَقْسِيمِ السَّيِّئَاتِ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ. فَصَغَائِرُ الْآثَامِ تُكَفَّرُ بِالْحَسَنَاتِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَمَشْيٍ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَالْوُضُوءِ، وَعَلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ. وَأَمَّا كَبَائِرُ الذُّنُوبِ، مِثْلُ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، كَبَائِرِ الْآثَامِ، فَهَذِهِ لَا تُكَفِّرُهَا إِلَّا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ. وَمَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ عَذَّبَهُ فَإِنَّهُ لَا يُخَلِّدُهُ فِي النَّارِ. هَذِهِ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي مَنْ غَشِيَ الْكَبَائِرَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ وَمَاتَ عَلَيْهَا دُونَ تَوْبَةٍ. فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَرُكُوعَهَا وَخُشُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا، ذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً». الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»، «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»، «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». وَالْسُّؤَالُ هُنَا، مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ: مَا قَاعِدَةُ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ؟ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَمَرَنَا أَنْ نُخَالِقَ النَّاسَ بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ، فَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ؟ ضَابِطُهُ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلَ قَطُّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُ لَهُمْ، وَأَنْ يُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُ لَهُمْ». فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَوْا إِلَيْهِ». فَهَذَا الْحَدِيثُ، مَعَاشِرَ السَّامِعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَهُوَ مِمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، يَتَضَمَّنُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْهُ أُمُورًا: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ مَنْهَجِ النَّصِيحَةِ لِعِبَادِ اللَّهِ وَتَرْبِيَتِهِمْ، وَتَرْبِيَتِهِمْ عَلَى التَّدِينِ الْخَالِصِ. مَا هُوَ؟ قَالَ: أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُ لَهُمْ، وَأَنْ يُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُ لَهُمْ. هَكَذَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ. فَأَعْظَمُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَيَرْشُدُ إِلَيْهِ وَيَأْمُرُ بِهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ الدِّينِ الْعَمَلِيَّةِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ وَبِرٍّ وَصِلَةٍ. وَأَعْظَمُ مَا يُحَذِّرُ مِنْهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ سَائِرُ الْمَعَاصِي صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ. وَمِمَّا هُوَ آكَدُ فِي التَّحْذِيرِ الْبِدَعُ وَالْمُحْدَثَاتُ. قَالَ قَائِلُ أَهْلِ السُّنَّةِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَوْ غَيْرُهُ: «الْمَعْصِيَةُ أَشَدُّ عَلَى إِبْلِيسَ مِنَ الْبِدْعَةِ، لِأَنَّ الْمَعْصِيَ يَتُوبُ مِنْهَا، وَالْبِدْعَةَ لَا يَتُوبُ مِنْهَا». إِذَنْ إِبْلِيسُ يَحْذَرُ الْبِدْعَةَ، الْبِدْعَةُ عِنْدَهُ أَحَدُّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ رَاكِبَ الْبِدْعَةِ لَا يَتُوبُ مِنْهَا، يَرَاهُ يَدِينُ اللَّهَ بِهِ وَيَرَاهُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ مُخَالِفَهُ عَلَى الضَّلَالِ وَالْبَاطِلِ، بِخِلَافِ الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، بَلِ الْخَلَائِقَ لَا تُحْصَى، يَتُوبُونَ مِنَ الْمَعَاصِي، لِأَنَّهَا قَدْ حُمَّتْ فِي الْعُقُولِ، فِي الْعُقُولِ وَالْعُقَلَاءِ يَنْقُذُونَهَا، فَضْلًا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْخِيَارِ مِنَ النَّاسِ. ثَانِيًا: ثَانِيًا، الشَّاهِدُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: «وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَوْا إِلَيْهِ». هَذَا مِنْ طَرِيقِ زَحْزَحَةِ، مِنْ أَسْبَابِ زَحْزَحَةِ الْعَبْدِ عَنِ النَّارِ وَإِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ. أَلَمْ تَسْمَعُوا لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ يَقُولُ: «وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَوْا إِلَيْهِ»؟ إِذَنْ ضَابِطُ الْخُلُقِ الْحَسَن