الدرس في شرح كتاب التوحيد 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
جميع الرسل دعوا إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو نبي جميع الأمم. أمر بوجوب اتباعه وطاعته للناس كافة.
التوحيد واجب على جميع الناس، ويستدل بآيات قرآنية مثل قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾. هذه الآيات توضح وجوب العبودية لله وحده.
التوحيد يكون بالإثبات والنفي معًا، ويتمثل في إفراد الله بالعبادات ونفي الشرك بجميع أنواعه. الآية ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ تحرم الشرك.
يختتم الشيخ الدرس ويعد بالتطرق لبقية الأدلة في الدرس القادم. يطلب من الله أن ينفعهم بما تعلموا ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في الباب الأول، والذي هو بعنوان باب وجوب التوحيد، أو على تعبير بعض العلماء باب حكم التوحيد. وذكرنا ما يتعلق بقول الله جل في علاه ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، هذه الآية الثانية والذي يستدل بها المؤلف رحمه الله تعالى لمسألة وجوب التوحيد. وهذه الآية تدل على أن الله جل وعلا بعث الأنبياء وبعث الرسل كافة إلى توحيد الله جل في علاه، فقال سبحانه: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، فهذا هو التوحيد الذي جاءت به الأنبياء والرسل، أنهم أمروا أقوامهم بإفراد العبودية لله جل وعلا وحده. وقد جاء ذلك مصرحًا في عدة آيات عندما ذكر ربنا جل وعلا ما يتعلق بنوح عليه السلام وسائر الأنبياء، أنهم أول ما يبدؤوا أقوامهم بالدعوة هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، فكلهم ساروا على هذه الوتيرة. إذن هم بدؤوا أقوامهم بقضية التوحيد، وتأمل يا عبد الله ما هو التوحيد الذي جاءت به الرسل؟ هو إفراد الله بالعبادة، بأن الله جل وعلا وحده يفرد بالعبادة، ما هناك سواه ولا هناك غيره يستحق أن يعبد. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة﴾، كلمة أمة تأتي في القرآن على عدة معاني، فتأتي كلمة أمة في القرآن بمعنى الطائفة من الناس، وتأتي أمة في القرآن بمعنى المدة الزمنية، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر بعد أمة﴾، أي بعد فترة، بعد مدة. وتأتي أمة بمعنى الطريقة والملة، كما في قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾، هنا أمة أي بمعنى طريقة وملة. وتأتي رابعًا كلمة أمة في القرآن بمعنى القدوة، كما في قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾، بمعنى كان قدوة. فهذه أربعة معان لكلمة أمة في القرآن، تأتي بمعنى الطائفة من الناس، وتأتي بمعنى المدة، وتأتي بمعنى الطريقة والملة، وتأتي كذلك بمعنى القدوة. وهنا في قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة﴾، هنا المعنى الأول وهي الطائفة من الناس، أي ما من طائفة من الناس أو من الأمم إلا وقد بعث الله فيها وفي أهلها رسولا يدعو إلى توحيد الله جل في علاه. وهنا مسألة إخواني في الله، كذلك تتعلق بهذه الآية، قال سبحانه: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة﴾، كل تعتبر من صيغ العموم، بل هي من أقوى صيغ العموم، بل هي أم الباب في العموم، كل فيدل على أنه ما من بلدة وما من قرية وما من طائفة من الناس إلا وبعث الله فيهم أنبياء ورسل. هنا تأتي مسألة إخواني في الله، ألا وهي إذا كان هذا الكلام بعمومه قد يقول قائل: الآن وجدنا أمم ما رأينا فيها أنبياء ولا رسل، مثل أدول المعاصرة التي نحن نعاصرها ونعاشرها. لو قال قائل: من نبي أهل أمريكا؟ من نبي أوروبا؟ من الذي بعث إليهم؟ ما يتعلق بأصحاب القطب الشمالي والقطب الجنوبي في قارة أستراليا، ونهيك عن هذه القرى والمدن والقارات، قارة أفريقيا من نبيهم؟ من الذي بعث إليهم؟ وربنا يقول: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة﴾، كل أمة إلا وبعث إليهم من يدعوهم، فيأتي هؤلاء من نبيهم؟ الجواب: نبيهم هو نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فنبي هذه الأقوام والقارات ورسول الله، لأن نبينا عليه الصلاة والسلام من خصائصه أن الله جل وعلا بعثه للخلق عامة. فقد كان من خصيصة كل نبي أن الله جل وعلا يبعثه على قومه، وأما هو فقد بعث للناس كافة، فكل من في العالم الآن نبيهم هو نبينا صلى الله عليه وسلم، إذن وجب اتباعه ووجب طاعته. واليأتبت في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، ما يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار»، لأن اليهود والنصارى في كل العالم الآن ينبغي أن يخضعوا لرسالته عليه الصلاة والسلام. لهذا إذا سئلت يا عبد الله بهذا السؤال: من نبي هذه القارات؟ هو له محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه. إذن أشهد من هذه الآية ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، فيه بيان على أن الله جل وعلا أوجب التوحيد على جميع الأمم ببعثة الأنبياء والرسل. وفي قوله تعالى: ﴿أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، الطاغوت على وزن فعلوت، وهو من الطغيان، مبالغة في الطغيان، وما تجاوز به العبد حده، وسيأتي معنا في أبواب مستقلة سنسلط الأضواء على هذه الكلمة وعلى ما تحتمله وما احتملته من معاني. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾، كذلكم هذه الآية أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان وجوب التوحيد، وأن الله سبحانه وتعالى أمر الخلق كافة بأن يفردوه بالعبودية. فقال سبحانه: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، وقد جاءت التفاسير الكثيرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قضى هنا بمعنى أمر وأوجب وألزم، كل هذه من معاني وقضى. وقضى ربك ألا تعبدوا إياه، وحكم وأمر. هنا فائدة من باب العلم بمعنى هذه الآية، وجد من بعض الصحابة كما نقل هذا عن قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أثر هذا أيضًا عن ابن عباس وعن غيره من القراء من لربما قرأ هذه الآية ﴿ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، تقرأ ووصى، ويرون أن هذا هو الأصل وأن هذا هو المعنى الصحيح. بل اللفظ الصحيح أنها تقرأ ﴿ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، حتى أن بعضهم قال: وكلمة قضى هذا ليس بصحيحة. ويرى بعضهم أن أصل الآية ووصى، أن الواو الثانية التقت بالصاد، التقت بالصاد فقرأها بعض القراء من النساخ وقضى، فيرون أن الأصل في الآية ووصى كما قلنا. هذا أثر، قيلت القراءة عن بعض الصحابة، وهذا تحاريج عن بعض السلف، وهذه المسألة لها مسألة معنى آخر، لأنهم يرون أن لو قلنا أن الآية وقضى ربك بمعنى حكم ربك، وأن الله إذا حكم بشيء لا بد أن يقع، فلو قلنا أن الله قضى على العباد بالعبودية والتوحيد لوقع التوحيد والعبودية، وما كان أحدًا مشركًا ولا كان كافرًا لو قلنا وقضى، لأن قضى عندهم بمعنى حكم، وحكم الله نافذ. قالوا: لهذا ما نقرأ وقضى، وإنما نقرأ ووصى، وهل هذا صحيح؟ الجواب: لهذا ليس بصحيح، ولهذا جماهير العلماء من القراءة على القراءة المشهورة ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا﴾، وأن قضى هنا بمعنى أمر، بمعنى ألزم، فالله جل وعلا أوجب على العباد العبودية له سبحانه وتعالى. فقال ربنا جل في علاه: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، وهذا هو التوحيد، أمر ربنا جل وعلا بالتوحيد. وتأمل يا عبد الله إلى التوحيد وهو لا إله إلا الله، وجد في هذه الآية ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾، تأمل لا إله إلا الله هي نفسها ألا تعبدوا إلا إياه، فدل أن الألوهية التي أرادها الله من عباده هو أن يفردوه بالعبودية، هذه الألوهية. فالله هو المألوه، أي أنه هو الذي يعبد سبحانه وتعالى، فقال: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾. وبالوالدين إحسانًا، وكلمة التوحيد لا إله إلا الله تقوم على أمرين ولا بد، تقوم على الإثبات والنفي، على الإثبات والنفي، إثبات العبودية لله ونفي الشريك عنه. قال تعالى: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾، إثبات ونفي، لا إله إلا الله. ولهذا قال علامة بن القيم رحمه الله تعالى: أن النفي المحض ليس بتوحيد، وأن الإثبات من غير نفي ليس بتوحيد، وإنما التوحيد يكون بالإثبات والنفي، وهذا هو الأصل في قوله تعالى: لا إله إلا الله، وفي معنى قوله تعالى: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾، وهذه الآية كذلك فيها الأمر، أمر الله جل وعلا الخلق جميعًا بالعبودية له، فقال سبحانه: ﴿واعبدوا﴾، واعبدوا فعل أمر يدل على الإلزام وعلى الوجوب، فلا يتخلف عن هذا متخلف. قال سبحانه: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾، وهذا هو التوحيد إثبات ونفي ولا بد، واعبدوا الله إثبات العبودية لله، ولا تشركوا به شيئًا هذا نفي، وعلى هذا تقوم كلمة لا إله إلا الله. وستجد أن كلمة التوحيد تدور على معنى العبودية، فمن أفرد الله بالعبادات والطاعات فهو الموحد. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾، شيئًا في اللغة العربية يسميها العلماء بالنكرة، وعند أهل البلاغة أن النكرة إن جاءت في سياق نفي أو نهي أو استفهام أو شرط فإنها تفيد العموم، كسياق هذه الآية. فقوله: ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾، هذا فيه النهي الذي جاءت فيه كلمة شيئًا، فدل على أن شيئًا تشمل كل شيء، فلا يجوز أن تشرك بالله جل وعلا سبحانه وتعالى في شيء من الأشياء، فلا يجوز أن تشرك بالله لا الشرك الأكبر ولا الشرك الأصغر، لا الشرك الظاهر ولا الشرك الخفي، لا شرك الأقوال ولا شرك الأفعال والأحوال. ما يجوز أن تشرك بالله جل وعلا أي نوع من أنواع الشرك، فالشرك كله محرم، كله محرم لقوله: ﴿ولا تشرك به شيئا﴾، كائنا من كان هذا الشيء، ملك مقرب لا يجوز، نبي مرسل لا يجوز، ولي وصالح لا يجوز، ما هناك أحد يزاحم الله جل وعلا في عبوديته، لأن الله نفى عن نفسه الشريك ونفى كذلك عن عبوديته أن يكون له شريك. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا﴾، كذلكم هذه الآية والتي نختم بها هذا المقام، فيه بيان على وجوب التوحيد وعلى تحريم الشرك. قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، بدأ بأهم الأمور التي ينبغي أن تحرم، ألا وهو الإشراك بالله، ألا تشركوا به شيئًا. وكما مر معنا شيئًا نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فلا يجوز أن نشرك بالله جل وعلا أي شيء. وهنا إخواني في الله في قوله تعالى: ﴿ألا تشركوا به شيئا﴾، في معرض ذكر ربنا جل وعلا لأعظم المحرمات، ألا وهو الشرك، فلا تستهين يا عبد الله بالشرك. من أراد أن يهذب نفسه وأن يكون قوامًا على إصلاحها وعلى تهذيبها وعلى تزكيتها، فابدأ يا عبد الله بنفي الشرك عن نفسك. وحرم يا عبد الله أن الشرك ليس فقط في عبادة الأصنام والأوثان، الشرك مكمنه في كل تعلق بغير الله. ولهذا نجد أن الكثير من الناس من لربما تعلقت قلوبهم بغير الله، منهم من تعلق قلبه بأرواح الصالحين، بالأقطاب، بالأوتاد، من لربما تعلق قلبه بالقبر الفلاني وبالضريح الفلاني. ومن الناس من لربما تعلق بالحبال والطلاسم والشعوذة، وتعلق قلبه بالتمائم وبالأوراق وبالسحرة والمشعوذين. ومن الناس بل ربما تعلق بفلان وفلان، هذا كله من أنواع التعلقات الذي ما ينبغي لأحد أن يتعلق بها جلت أو صغرت، عظمت أو حقرت. فالإنسان الموحد إخواني في الله، من ينبغي أن يتوحد كلية ظاهرا وباطنا لله وحده، هذا ما يتعلق بتهذيبك لنفسك. ثم يا عبد الله إن أردت إصلاح غيرك، وهذا يتعلق والخطاب للمصلحين من الدعاة والمعلمين ومن المثقفين والمرشدين، من الجماعات والتيارات والتنظيمات، كل من قام في عملية الإصلاح. فليبدأ بما بدأ الله جل وعلا به، وهو أنك تحرم الشرك، اجعله على رأس الهرم، وهو أن لا يتخذ مع الله شريكا في طاعته ولا في عبادته. وبهذا يا عبد الله يصلح الله الأحوال ويصلح الله جل وعلا الأوضاع. فنقف إلى هذا الحد، ثم نكمل في درس غد بإذن الله ما يتعلق بتتمة الأدلة التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان وجوب التوحيد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.